|
حدث خطير أليم شهدته الساحة العربية، أخطر ما فيه طريقة تناول معظم وسائل الإعلام العربية له، بحيث لا يمكن المرور ولا السكوت عليه. سقوط الطائرة البحرينية قبيل هبوطها في المطار بدقائق ووفاة جميع الذين كانوا على متنها، كان حدثًا عربيًّا بكل أبعاد المصيبة القومية، والذي أثار دهشتي وانتباهي في هذه الحادثة الأليمة أمور منها على سبيل المثال لا الحصر: سلوك قناة الجزيرة بالذات عشية الإعلان عن الحادث، وهي القناة الإخبارية التي تتمتع ودون منازع بثقة الجمهور العربي وتلهفه على الاستماع إلى تفاصيل الأحداث من نشراتها الإخبارية؛ إذ تأخرت في رصد الخبر وتغطيته بالطريقة التي تليق بخبر عربي أليم يخص أكثر من نصف مواطني عالمنا العربي المنكوب، وذلك على الرغم من قرب المكان وسهولة الحصول على المعلومات من عشرات من الكتاب والصحفيين المتواجدين في البحرين، والذين كان من السهولة بمكان الحصول على هواتفهم من أية صحيفة قطرية حيث يكتب الكثيرون منهم، وذلك بدلا من الاستعانة بنفس المتحدثين الذين كانوا قد فرغوا لتوهم من الحديث عن هذه الكارثة في "فضائية أبو ظبي" والتي قامت بتغطية الخبر بطريقة مشرفة تليق بخبر عربي من الطراز الأول، وخاصة في الساعات التالية لوقوعه…وكان أداء إعلاميي النشرات الإخبارية في "فضائية أبي ظبي" نوعيًّا يمتاز باللهفة وحسن القيام بأدوار إعلامية تنم عن خبرة فائقة في إيصال الخبر إلى المستمع، وفي الإيحاء لهذا المستمع بأن الجهة الإعلامية التي تغطي الخبر مهتمة ومعنية به إلى أبعد الحدود.
ولقد زاد من حجم دهشتي من هذا التصرف من قبل قناة الجزيرة أن اهتمامها بخبر سقوط الطائرة العربية ووفاة 143 إنسانًا عربيًّا لم يصل إلى واحد في المائة من التغطية الإعلامية الممتازة التي أولتها الجزيرة لخبر غرق الغواصة السوفييتية، والتي فاقت في جودة تغطيتها لذلك الحدث أفضل وسائل الإعلام العالمية، دون أن نغفل وبالطبع الدور البارز للأستاذ "أكرم خزام" الذي يعتبر واحدًا من المراسلين القلائل وعلى مستوى العالم في مثل هذه الدرجة من المهنية والتفاني في الإخلاص والصدق في العمل.
ولا تلام قناة الجزيرة في هذا التقصير فقط؛ إذ إنه كان عامًّا في مختلف وسائل الإعلام العربية التي أوردت الخبر في ساعاته الأولى وكأنه حادثة اصطدام سيارتين في أنغولا !! ولا نستطيع توجيه الكثير من اللوم لقوم يعتمدون في استقاء كل أخبارهم تقريبًا على الـ ) س. إن.إن. ) والتي لن يهمها سقوط طائرة عربية بالقدر الكافي؛ لتخفيف مشاعر الغضب والأرق والألم لدى العرب!!! ولو أن طائرة أوروبية وقعت بمثل هذا الحجم الكارثي؛ لقطعت جميع وسائل الإعلام الأوروبية بثها على مدى أيام؛ لتتحدث عن ملابسات الحادث وفي بث مباشر مستمر في معظم برامجها تضامنًا مع البلد المنكوب من جهة، وحزنًا على الضحايا من بني البشر الأوروبيين من جهة أخرى، وفي تعبير مذهل عن وحدة الهم الأوروبي وتثمين حياة الإنسان الأوروبي واحترام الآلام الأوروبية. أما نحن …أما عندنا فكانت برامج الغناء والرقص والمنوعات الغنائية قد تجاوزت الحدث، وكأن شيئًا لم يحدث، وحتى البرنامج الصباحي الذي تبثه فضائية " أبو ظبي " _ على سبيل المثال _ والذي يقدمه شاب مصري، لم يستطع صبيحة مصيبة مثل هذه أن يفتتح البرنامج بغير ابتسامة وحديث عن" سرطان الثدي" لأمة ملهوفة استيقظت تبحث في فضائياتها عن خبر يسكن قلقها على هذه الحفنة من بني البشر من العرب ..الذين وجدوا _ كما بدا_ هذه المرة من يهتم بآلامهم، سواء في مصر أو في البحرين التي تصرفت _ بمساعدة أمريكية أم بغير مساعدة أمريكية _ بصورة حضارية مشرقة ومسؤولة، وضربت رقمًا قياسيًّا في سرعة انتشال جثث الضحايا، واتخاذ الإجراءات المناسبة بالتنسيق مع مصر، وهو شيء لمسه المشاهد العربي من خلال تواتر الأخبار حتى لو لم يكن لديه _مثلي _ أي توصيلة مع الفضائية البحرينية، مما اصطدم مع التقارير التي بثها بعض المراسلين من مصر، والذين كانوا يودون أن لو قامت الشركة البحرينية بعمل أكثر فعالية وإنسانية في مطار القاهرة إثر وقوع الحادث يتماشى على الأقل مع سلوك المسؤولين في البحرين!! أما من الذي ضرب بعض المواطنين المصريين الذين جاءوا يسألون عن أسرهم؟ ومن أهانهم؟ ومن المسؤول عن سوء معاملتهم؟ فهذه أسئلة نتركها للمسؤولين عن أمن مطار القاهرة، ولأجهزة الحراسة الشخصية في مقر شركة طيران الخليج في المطار المذكور!
إنه الموت الذي كان بانتظار أسر كانت قد عادت لتوها من الإجازة الصيفية محملة بالآمال واللهفة؛ لاستئناف عام جديد من المكابدة والعمل وبناء الحياة التي تكسرت هناك شظايا، مانحة أصحاب تلك الطائرة ـ إن شاء الـله ـ درجة شهادة، مَنَّ الله بها على من تُوفي على هذه الشاكلة؛ تخفيفًا عن أهله وذويه ورحمة بآلامه ومعاناته .. لكنني وعلى الرغم من ذلك كنت أتمنى لو أن العرب استفادوا من الدرس البالغ الذي عرضه الشعب الروسي على العالم في محنته الأخيرة الخاصة بالغواصة الغارقة، كنت أتمنى أن نتعلم من هذه الشعوب: كيف تضبط أعصابها في هزات المحن المزلزلة؟ وكيف تمتلك هذه القدرة المذهلة على تنظيم شؤونها حتى في أحلك الساعات العصيبة وهو شيء يحسب في واقع الأمر للبحرين وأهله هذه المرة، وكيف تواجه أقدارها بصبر عجيب يفوق قدرتنا على الاستفادة من إيماننا بقضاء الله وقدره، كما تمنيت أن تقوم وسائل إعلامنا بدور عام تشعر فيه المواطن العربي بقيمته العربية، وبأن المحيط يتجاوب مع آلام الخليج، وبأن الخليج يتجاوب مع آلام المحيط، وأن يتردد نبض الألم المصري في التليفزيون المغربي، وأن يبكي السعودي آلام الأسر الفلسطينية المنكوبة، وأن تهتز سورية لإعلان وفاة كويتي ومغربي ولبناني على متن تلك الطائرة… وبانتظار أن يحدث ذلك فإنني سأكتفي هنا في آخر الأرض ببكاء أولادي موت 143 مسافرًا من بلاد العرب، بينهم بعض المواطنين من جنسيات غير عربية _ كما ورد ذكر الخبر وبالحرف في أجهزة الإعلام الأسبانية _ لدى سقوط طائرة عربية قبل دقائق من وصولها أرض ذلك المطار العربي.
|