English

 

الأحد. أكتوبر. 1, 2000

ثقافة وفن » ميديا

 

! عندما يُصبح "رجسُ الشيطانِ" نعمة

-        بماذا تميزت انتفاضة الأقصى 2000م عن انتفاضة 1987م؟

  - ما الذي حرَّك المسلمين في كل مكانٍ ليهبُّوا هذه الهبَّة نُصرةً لإخوانهم في فلسطين؟

سؤالان وجَّهتُهما لعقلي في محاولةٍ منِّي لاستشفاف أسباب ردود الفعل الإسلامية القوية على كل الأصعدة وفي كل مكانٍ تجاه الانتفاضة.

حاولتُ أن أضع النقاط على الحروف، ففيما يتعلق بأبطال الانتفاضة، الفاعلون هم الفاعلون، والمنتفضون هم المنتفضون، ولم يجِدّ عليهم جديد، فهذه حياتهم منذ أمدٍ بعيد.. يرفضون ويثورون.. يصابون ويُستَشهدون .. يُعتَقلون ويُعذَّبون.. يُطرَدون وتُهدَّم بيوتهم.. ويزداد فرض الحصار عليهم يومًا بعد يوم.

وفيما يرتبط بالوضع العربي والإسلامي، فهو هو، لم يتغير فيه شيء، فما زالت الحريات غائبة، وما زال المسلمون لم يصلوا بعدُ إلى المستوى الذي يؤهلهم لإعادة مجدهم التليد.

لم أقف أمام السؤال طويلاً، إذ سرعان ما جاءني عقلي بالخبر، إنها وسائل الإعلام أو الـ"ميديا" كما يسمونها، وأعني تحديدًا وسيلتين اثنتين منها فقط، فوسائل الإعلام موجودةٌ منذ زمن، ولكن الذي جدَّ ولم يكن موجوداً أو منتشراً في انتفاضة 1987 هو: "الإنترنت" و"القنوات الفضائية".

هذه الانتفاضة كما أُطلِق عليها "انتفاضة الأقصى"، سُمِّيَتْ كذلك "انتفاضة الإنترنت"، فمع ثوران المنتفضين في فلسطين، ومع تظاهرات المسلمين في كل مكان، كانت هناك ثورةٌ إلكترونية، متمثلة في انتفاضة البريد الإلكتروني، والمواقع، وغرف المحادثة والحوار؛ فما إن تفتح بريدك الإلكتروني صباح كل يوم؛ حتى تفاجأ بكمٍّ هائلٍ من الرسائل التي تدعوك لنصرة إخوانك في فلسطين، وتحثّك على التحرك والعمل، وتأتي هذه الرسائل بصيغٍ متنوعةٍ ومتعددة تَنقلَّتْ بين إرسال ملفات الصور والفيديو التي تنقل الأحداث بالصوت والصورة، وبين خطابات التعبئة والتحشيد-إن صح التعبير- التي تدعوك إلى ضرورة امتلاك إرادة الفعل، وبين برامج عمليةٍ لدعم الانتفاضة بالتبرع المادي.. بمقاطعة البضائع الإسرائيلية والأمريكية.. بتعريف الناس بالقضية ودعم الفلسطينيين معنويًّا.. بإصلاح النفس.. وغير ذلك.

وسيلةٌ إلكترونية أخرى استُخدِمَتْ لنُصرة الانتفاضة تمثلت في إنشاء مواقع خاصة: مؤسسيةٍ أو شخصيةٍ؛ لدعم الانتفاضة بكل الوسائل، فتجد فيها الصوت والصورة، وتجد فيها الأحداث، وآخر التطورات، كما تجد فيها تطرقاً لبرامج عمليةٍ في كيفية دعم الانتفاضة، وقد تعدّدت أسماؤها ومسمّياتها بين أن تكون باسم منشئها، وبين أن تحمل اسمًا يناسب المضمون كـ"صابرون" و"الشاهد"، وما إلى ذلك...

كما لا نغفل دور غرف المحادثة والدردشة المعروفة بالـ " Chat"، وساحات الحوار "  Discussion Groups" والتصويت " Voting " في تفعيل القضية، ويكفيك أن تلقي نظرةً سريعةً على ساحات الحوار في موقعٍ كـ "أرابيا Arabia.com " أو "مصراوي Masrawy.com " لتتأكد مما أقول.

ثاني الوسائل الإعلامية التي تميزت بها انتفاضة 2000 هي "القنوات الفضائية"، بعد الانتشار الواسع للأطباق الفضائية فوق البيوت، فقد لعبت القنوات الفضائية دوراً كبيراً وفعالاً في دعم القضية، عليك فقط أن تفتح جهاز "التليفزيون" وتبدأ في تقليب القنوات الفضائية، لترى ذلك جليًّا، فمنها ما فرّغ قناته يوماً كاملاً لنصرة الانتفاضة، واستضاف عددًا كبيرًا من العلماء والشيوخ والمفكرين والسياسيين والمبدعين؛ ليشاركوا في دعم الانتفاضة، وفَتَحَ باب التبرع لها، كما فعلت قناة "أبو ظبي" الفضائية التي تجاوز فيها سقف التبرعات للانتفاضة في ذلك اليوم ستين مليون دولارٍ أمريكي.

ومن هذه القنوات ما استضاف المحللين والمفكرين والسياسيين من كل مكان، بل ووصل الأمر إلى عقد حوارٍ مع الرئيس القذافي والرئيس اليمني علي عبد الله صالح، وهذا ما قامت به قناة "الجزيرة" القطرية.

ومنها ما كانت قناته عبارة عن تجييشٍ دائمٍ للشعوب العربية، عبر بثِّها المستمر للأغاني الوطنية والثورية والصور واللقطات الحية من الأحداث الداخلية والخارجية المؤيدة للانتفاضة، إضافة إلى اللقاءات المستمرة مع أهالي الشهداء، وقيادات الفصائل الفلسطينية، كما فعلت قناتا "صوت فلسطين" المحسوبة على السلطة الفلسطينية و"المنار" المنسوبة إلى حزب الله اللبناني الشيعي.

ومنها كذلك ما غيّرت ألوان شعارها المميِّز لها - أو الـ" Logo " كما يطلقون عليه- ليصبح بألوان العلم الفلسطيني كما فعلت قناة "المستقبل" اللبنانية.

ومنها ما بَثَّ مسيراتِ ومظاهراتِ تأييدِ الانتفاضة، ونَشَر إعلاناتٍ وبياناتٍ تحثّ على التبرع للانتفاضة كما فعلت قناتا "البحرين" و"الكويت" الفضائيتان.

كما كانت "فيروز" وأغانيها الوطنية "زهرة المدائن.. سنرجع.. القدس العتيقة.. سيفٌ فلْيُشْهَر" ضيفَيْن دائمَيْن على معظم هذه القنوات، لدرجة أن أصبحت قناة "تليفزيون الجديد -لبنان" تبثّ هذه الأغاني يوميًّا وبشكلٍ متكررٍ بعد انتهاء إرسالها.

ولم يقتصر الأمر بالطبع على الفضائيات العربية، بل تعداها إلى القنوات الأجنبية، كهيئة الإذاعة البريطانية "BBC  "، والقناة الأوروبية "Euro News "، وقناتي التليفزيون الألمانيتين " DW, ZDF "، وغيرها وغيرها، وكلها تسابقت إلى نقل الحدث بالصوت والصورة والمتابعة سواء داخل فلسطين أم خارجها.

ولنلق نظرة أخرى على تفاعل الجمهور مع ما طرحته هاتان الوسيلتان الإعلاميتان؛ ولست في حاجة إلى التفصيل في هذا الأمر على الإنترنت، فثورة البريد الإلكتروني وساحات الحوار دليلٌ تفاعليٌ لا يحتاج إلى بيان، فمن يقوم بإرسال الرسائل إلى مجموعات من العناوين البريدية هو فردٌ يتصرف بصفة شخصية، وهذه الرسائل تدور وتدور وتنتقل من مجموعةٍ إلى أخرى، وقد حدث معي شخصيًّا موقفٌ طريفٌ حول هذا الأمر، فقد كنت جالساً مع مجموعةٍ من أصدقائي، وتطرق الحديث -كعادة ما يحدث هذه الأيام- إلى الانتفاضة، فقلت لهم: لقد وصلتني اليوم رسالةٌ رائعةٌ من شخصٍ لا أعرفه حول مقاطعة البضائع الأمريكية والإسرائيلية، وأخذت أشرح ما فيها، لأفاجأ بأن من كتبها هو أحد أصدقائي الجالسين معي، ولمّا كنا نتقابل باستمرار، فلم نتراسل عبر البريد الإلكتروني، فهو قد أرسل رسالته إلى مجموعةٍ من أصدقائه، ودارت هذه الرسالة دورتها؛ لتصل إلى شخصٍ لا هو يعرفه ولا أنا كذلك، ثم أرسلها هذا الشخص لي؛ لتصلني رسالةُ صديقي الذي ألقاه باستمرار من مكانٍ بعيدٍ ومن شخصٍ لا أعرفه.

ووصل الأمر في غرف الحوار إلى أن تأسست غرفةٌ في موقع "ياهو" "Yahoo" باسم "الدرة" تعبيراً عن التفاعل الجماهيري مع الطفل الشهيد "محمد الدرة".

أما التفاعل الجماهيري مع ما قدمته القنوات الفضائية فقد كان أكثر ما يبرز في المقابلات المباشرة التي يُسمَح من خلالها بالاتصال بالضيوف، كما فعلت "قناة المنار" حين استضافت أكثر من شخصية كالدكتور "رمضان شلّح"، والسيد حسن نصر الله، وغيرهما، وكما فعلت قناة الـ"Lbc" اللبنانية حين استضافت السيد محمد حسن الأمين، وكذلك قناة "المستقبل" حين استضافت مجموعة من الضيوف، وكذلك فعلت قناتا "أبو ظبي" و"الجزيرة"، فكنت تجد الاتصالات تأتيك من كل حدب وصوب، من المغرب ومن المشرق، فمتَّصِلٌ من الكويت، ومتَّصلِةٌ من الجزائر، ثم أخرى من الولايات المتحدة الأمريكية أو أوروبا، ثم من لبنان أو فلسطين، وهكذا دواليك، واللطيف في هذه الاتصالات أن معظمها لم يكن يريد سؤال الضيف عن شيء أكثر من كونه يود الإعراب عن شعوره تجاه إخوانه أبطال الانتفاضة، ويرغب في المساهمة في تأييدهم ودعمهم بكل ما يستطيع حتى ولو بالكلمة والقلب.

كل هذا التفاعل الجماهيري الواسع لم يأتِ من فراغ، ولم يتولد إلا من خلال مشاهداتٍ ومتابعاتٍ بثتها شبكة الإنترنت والقنوات الفضائية ووسائل الإعلام المختلفة. 

هذا الكمّ الهائل من التجييش ومن الحشد والتعبئة والتفاعل الجماهيري، سواء عبر الإنترنت أم القنوات الفضائية كان - في رأيي- من أهمّ الأسباب التي أدت إلى هذا التفاعل والتحرك القوي والمنتشر تجاه انتفاضة الأقصى 2000.

وإذا كانت القنوات الفضائية - ويُلحَق بها الإنترنت - تُعتَبر إلى وقتٍ قريبٍ عند الكثيرين "رجسًا من عمل الشيطان"، وأن مجرد دخولها إلى البيت منكرٌ وكبيرةٌ من أعظم الكبائر، إذا كانت القنوات الفضائية والإنترنت كذلك، فهل يمكن - خاصةً بعد أدائها في الانتفاضة - إعادة النظر في أمرها عند من حرّموها وجرّموها؟ لتصبح كأيِّ مباحٍ خلقه الله تعالى حلالُه حلالٌ وحرامُه حرام؟

وإذا صمّم المحرِّمون على موقفهم -وهذا حقُّهم- فهل يمكن أن يصبح "رجسُ الشيطان" نعمة؟!

قد تجيبنا القنوات الفضائية والإنترنت يومًا عن هذا السؤال.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم