English

 

الأربعاء. نوفمبر. 1, 2000

ثقافة وفن » ميديا

 

فضائياتنا والرسالة الضائعة

تابعت مع أولادي في إحدى الأمسيات بعض ما يشاهدونه على شاشة التلفاز من أفلام الصور المتحركة. وكان الفيلم المعروض (على إحدى المحطات الفضائية) حلقة من سلسلة عنوانها (المكتشفون)، وقد أعيد بث السلسلة في عدة محطات أخرى، تتحدث بأسلوب بسيط قريب من أفهام وعقول الأطفال، وبطريقة مشوقة لطيفة، وبلغة عربية سليمة (بعد الدبلجة طبعًا)، عن أهم المخترعين والمكتشفين الذين ساهموا في تقدم الحضارة الإنسانية، وعن اكتشافاتهم واختراعاتهم؛ فأعجبني ذلك أشد الإعجاب، وسررت لما يقدمه التلفزيون لأولادي من معلومات مفيدة.

غير أن إعجابي انقلب سخطًا، وسروري انقلب غمًّا، عندما لاحظت كيف يتم تشويه التاريخ، وكيف يقذف في رؤوس أبنائنا من الأكاذيب التاريخية ما ينفرهم من حضارتهم، ويبعدهم عن أمجاد تاريخهم، ويرسخ في أذهانهم أن أهل الغرب هم وحدهم أصحاب الحضارات والاكتشافات، وأن التاريخ العربي الإسلامي هو تاريخ التخلف والظلمات.

الفيلم كان يتحدث عن الاكتشافات الجغرافية للعَالِم الإغريقي المشهور بطليموس، وعن دوره في تقدم علم الجغرافيا، وعن إبداعه في رسم أول خريطة للعالم.

غير أن الذي أثار حفيظتي، هو أن قصة الفيلم تذهب إلى أبعد من زمن بطليموس؛ لتقول إن ما أبدعه بطليموس وغيره من العلماء الإغريق، قد ورثته الإمبراطورية الرومانية؛ فكان أساسًا لحضارتها وعلومها، ثم خيمت على العالم عصور الظلام والتخلف والجهل! إلى أن جاءت النهضة الأوروبية، فأخذت ما تركه الإغريق، وبنت عليه حضارتها الحديثة، وجاءت بمزيد من الاختراعات، وعلى رأسها الإسطرلاب (الذي كان يستخدم في تحديد الاتجاهات قديمًا)، الذي اخترعه العالم الشهير كوبرنيكس.

أرأيتم كيف يكون تزوير التاريخ وتشويه الحقائق؟ أرأيتم كيف مسخ من أعد الفيلم قرونًا طويلة من الحضارة العربية الإسلامية الزاهية، وسماها عصور ظلام وجهل؟ أرأيتم كيف نسبوا اختراع الإسطرلاب إلى علمائهم، وهو بلا شك اختراع عربي بحت؟ أرأيتم كيف نسي من أعد الفيلم أن الحضارة الإغريقية ما كانت لتصل إلى الأوربيين لو لم يقم العرب بتلقيها وترجمتها وتطويرها والإضافة عليها ثم نقلها إلى الغرب عن طريق الأندلس؟ ولماذا قفزوا من بطليموس إلى كوبرنيكس، متجاوزين واحدًا من أعظم علماء الجغرافيا على مر العصور وهو العالم المسلم الإدريسي، الذي أعاد رسم خريطة العالم بعد أن صحح ما كان في خريطة بطليموس من أخطاء؟

 وحتى أقطع الشك باليقين، وأتأكد أن الأمر ليس خطأ عارضًا؛ تعمدت مشاهدة المزيد من الحلقات، وإذا بهم دائمًا ينتقلون في السرد من العهد الإغريقي والروماني إلى أواخر القرن الخامس عشر، أي ما بعد خروج المسلمين من الأندلس، ولم يذكروا أيًّا من علماء المسلمين، بما فيهم ابن سينا والرازي، الذين كانت كتبهم تدرس في الجامعات الغربية لقرون عديدة، وكأن الحضارة العربية الإسلامية سقطت من سجلات التاريخ.

قد لا يكون غريبًا أن يصل التعصب الأعمى لدى الغرب إلى درجة خيانة الأمانة العلمية والتاريخية، ولكن الغريب أن تغفل أجهزة الرقابة عن أمثال هذا التشويه، وتتركه ليصل إلى فلذات أكبادنا لينشؤوا على تمجيد الحضارة الغربية واحتقار حضارتهم وتاريخهم. ولئن أنذرت الهيئة المسؤولة عن "عَرَبْسَات" إحدى المحطات الفرنسية، قبل حوالي سنتين، لأنها بثت مواد فاضحة، ثم أغلقتها عندما لم تستجب، فالأولى أن ترسل إنذارًا إلى من يبث أفلامًا تلقن تاريخنا مشوهًا لفلذات أكبادنا؛ لأن ذلك لا يقل خطورة عما قامت به القناة الفرنسية، إن لم يكن أشد خطورة.

وعجبي، ثم عجبي، ثم عجبي من محطات فضائية عربية، تنفق الأموال الطائلة لنقل المباريات الرياضية الأجنبية من كل فج عميق، ثم لا تنفق شيئًا لإنتاج أفلام رسوم متحركة عربية لأطفالنا؛ تعطيهم المعلومات والحقائق دون تزوير، وتزرع فيهم قيمنا ومبادئنا، بدلاً من أن يجعلوا  شاشاتنا مفتوحة لأفلام الغربيين؛  ليقوموا بحشو أدمغة أطفالنا بما نريد وما لا نريد.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم