English

 

الأحد. يناير. 21, 2001

ثقافة وفن » ميديا

 
   
روابط من إسلام أون لاين

الفضائيات.. التطبيل لا يجدي

حمزة زوبع

في مقال نُشِر بموقع مجلة جينز الدفاعية Jane's Defense Magazine بتاريخ 3 من نوفمبر 2000 أن الحرب غير المتماثلة (Asymmetric warfare) هي وسيلة الدفاع للعديد من المنظمات (الإرهابية) على حد قولها - في أماكن عدة من العالم، ويعرض التقرير لخطورة الحرب الإعلامية عبر الإنترنت، وكيف نجح حزب الله في أن يفرض كلمته على هذه الساحة؟! ليس إبَّان وجود المحتل اليهودي في جنوب لبنان؛ بل وحتى في الوقت الراهن والانتفاضة الفلسطينية مشتعلة في فلسطين المسلمة.

الحديث هنا عن وسيلة أخرى أصبحت بفعل التقنية الحديثة والتطور وسيلة شبه شعبية، وهي الفضائيات العربية والإسلامية.

وبداية لا بد من الإقرار بأن انتفاضة الأقصى 2000 ليست كنظيرتها في 1987 فالأولى مرت مرور الكرام، واستطاعت الحكومات العربية عبر وسائل إعلامها الرسمية تطويق أخبارها والحد بدرجة كبيرة من تفاعل الشارع العربي معها، أما الأخيرة، فالفضائيات الخاصة قد عرفت طريقها الى قلب وعقل المشاهد من المحيط إلى الخليج، واستطاعت أن تواكب الحدث، وأزعم أنها استطاعت تفعيله، وساهمت في استمراريته.

وإذا أردنا الحديث عن هذه الفضائيات (غير المشفرة) فلا بد وأن نميز بين فضائية حكومية وأخرى خاصة، وليس بالضرورة أن تكون كل فضائية حكومية جامدة أو متحجرة، كما أن كل فضائية خاصة ليست بالضرورة مستقلة، وليست كذلك داعمة للانتفاضة.

الفضائيات الحكومية والانتفاضة

وبعيدًا عن الحديث الشائك عن دور الحكومات العربية أو بعضها، وخوفها من تأثير الانتفاضة الإعلامي على الشأن الداخلي فيها، إلا أنني ومن خلال رصد شبه يومي لما تبثه الفضائيات العربية وخصوصا على الـ"عرب سات" خرجت بما يلي:

1- هناك قنوات حكومية، خرجت عن حدود التزامها الحكومي المتعارف عليه ضمنا في عالمنا العربي، وأزعم أن قناة "أبو ظبي" تأتي في قمة هذه القنوات التي رغم أنها حكومية وملك لمؤسسة الإمارات للإعلام فإنها قدمت نموذجا حيًّا وصادقا وأمينا في التعامل مع الانتفاضة المباركة، وخصوصا عبر مراسليها في فلسطين وأخص بالذكر هنا "ليلى عودة" المراسلة النشطة والتي استطاعت في تغطيتها لاستشهاد محمد الدرة أن توقظ ضمير الأمة الذي كان في سبات عميق، كما كان لبرنامج "مدار الأخبار" والذي يُقدَّم في الحادية عشرة مساء كل ليلة حضور بارز نافس فيه مقدموه ومعدوه قنوات عالمية عريقة مثل الـ "بي. بي. سي"، وربما اقتربوا من الـ "سي. إن. إن"

ولا يقتصر نجاح قناة "أبو ظبي" في برامجها الإخبارية المتميزة بمراسليها الذين عرفوا كيف يحاكوا احتياجات الشارع العربي العاطفية والإنسانية تجاه قضية القدس وفلسطين عموما؛ بل تخطته إلى البرامج الحوارية التى استطاعت أن تطرح الانتفاضة على بساط البحث الدقيق بعيدا عن الضجيج والصخب؛ باستضافتها نخبة من كبار المفكرين والمحللين السياسيين، وإن اختلفت رؤاهم، لكن المحصلة في صالح المشاهد العربي، كما تميزت قناة "أبو ظبي" رغم أنها حكومية بمواكبتها لأبرز أخبار الانتفاضة خصوصا استشهاد أبطالها، وموافاتنا دوما بالخبر العاجل والذي يجعل المشاهد العربي أكثر ارتباطا بالانتفاضة وهو ربما يشاهد فيلما أو مسرحية أو برنامجا ليس سياسيًّا.

2- هناك قنوات حكومية فرغت نفسها لقضية فلسطين، ونقلت عن تليفزيون فلسطين مباشرة في لفتة تضامنية رائعة بعدما قصف اليهود مقر التليفزيون الرسمي الفلسطيني، ولا بد هنا من الإشادة بتلك القنوات وتحيتها، ومن بينها "تليفزيون الجمهورية العربية السورية" و"المملكة العربية السعودية" و"اليمن" و"مسقط"، وهذه القنوات رغم ما تعرف به من التزامها الحكومي الشديد فإنها خرجت من دائرة الصمت إلى دائرة نقل فعل الآخرين، وربما تجاوزت ذلك ببعض البرامج الحوارية التى تبدو محسوبة وبدقة.

3- هناك قنوات حكومية استطاعت أن تقدم وجبات تحليلية شبه يومية عن الانتفاضة، واستضافت العديد من المحللين، وتجاوزت بعضها عن جراح الماضي وآلامه، ونسيت الخصومة، وبرزت في مقدمة الصف مثل "القناة الفضائية الكويتية" والتي تقدم يوميًّا وجبة إعلامية دسمة حول الشئون السياسية وعلى رأسها الانتفاضة، بيد أن هذه الوجبة تبدو غير كافية نظرًا لأن ردة الفعل السياسي الكويتي كانت أكبر وأفعل من دور التليفزيون وربما سبقت الصحافة والإذاعة الكويتية التليفزيون في هذا الصدد.

4- فضائية عربية تميزت بخطابها الفريد إلى عالم الطفولة، وهي "قناة البحرين للأطفال" أو ما يُعرَف باسم (SPACE TOON) وقد قدمت مجموعة من أغنيات الانتفاضة الحماسية مثل (طلقة تلو الطلقة) والتي أنشدتها طفلة صغيرة أبدعت وأثرت - ولقد سمعت بالأنشودة من ابنتي - خمس سنوات - قبل أن أسمعها بنفسي في هذه القناة الأعجوبة، وهذا إضافة إلى إذاعة عدة ندوات وأمسيات شعرية دعما للانتفاضة… وقد يبدو ذلك مقبولا ومحمودا إذا ما علمنا أن هذه الفضائية نقلت على الهواء مسيرة تضامنية مع الانتفاضة وهو ما لم تفعله محطات لدول أكبر وأعرق.

5- هناك قنوات حكومية بدأت تفيق مؤخرا، وما زالت تواكب الأمور على استحياء، بل إن بعضا منها لم يخرج بلقاء واحد على الهواء مباشرة خشية المداخلات الشعبية غير المحسوبة وربما الغاضبة، وأذكر تحديدا "الفضائية المصرية" والتي أرسلت مُوفَدَهَا إلى أرض فلسطين لكي يحاور الساسة الفلسطينيين عن دور مصر، وكأنه ذهب كرد فعل لما قام به بعض المتعصبين بحرق علم مصر في مسيرة في فلسطين، وللأسف أن هذا المُوفَد لا يجيد قواعد اللغة العربية، ولا يبدو أنه محترف، وبالطبع لا يمكن مقارنته بالآخرين حتى في الفضائيات الحكومية التى ذكرناها سابقا، ولم تبث الفضائية المصرية برنامجا واحدا على الهواء مباشرة عن الانتفاضة أو غيرها، والمرة الوحيدة التى حدث فيها ذلك هو يوم استضاف برنامج "صباح الخير يا مصر" السفير المصري لدى دولة اليهود؛ لكي يبرهن للعالم أهمية دور مصر على الساحة العربية والدولية.

6- البعض الآخر لا يزال صامتا وعسى أن ينطق قريبا.

الفضائيات الخاصة ..والانتفاضة

أما الفضائيات العربية الخاصة؛ فيمكن تقسيمها إلى شقين: شق تجاري بحت وهذا انقسم إلى فريقين أيضا: (سيأتي بيانه)، وشق موجه - أى صاحب رسالة غير تجارية.

أما التجاري الأول؛ فهو فضائيات اعتمدت الفن وسيلة للربح، وبالتالي غابت عن القضية أو غيبها أسلوبها عن متابعة القضية؛ وبالتالي فإن ما حاولت أن تقدمه من برامج ( على قلتها) لم يكن له جمهور - إذ إن الشريحة المستهدفة لهذه القناة ليست هى المستهدفة بالسياسة أو بالانتفاضة.

والتجاري الثاني: بعضه كان يحمل قضيتين الربح والمضمون، وقد حاولت بعضها أن تقدم وجبات متوازنة غير متباعدة عن القضية الفلسطينية، وربما يعود السبب في ذلك لارتباط أصحابها أو القائمين عليها بأداء دور سياسي كما الحال في محطة المستقبل اللبنانية وقناة "إم. بي. سي" MBC ، والأخيرة صمتت حينا من الدهر مع بداية الانتفاضة، واستيقظت بدفعة قوية؛ لكنها لا ترقى إلى تاريخها كأول فضائية عربية خاصة.

أما القنوات الخاصة الموجهة أو التي يحلو للبعض القول بأنها مُسَيَّسَة، وأعني هنا قناتي الجزيرة، وشبكة الأخبار العربية "ANN" فالأولى أثارت حماسة الشارع العربي ولا يمكن لمراقب أن يغفل الدور البارز لشبكة الأخبار العربية وتخصيصها برنامجًا يوميًّا للانتفاضة تستضيف من خلاله العديد من المحللين والخبراء والساسة وقادة الانتفاضة الميدانيين كما تبنت القناة مساندة المنظمات العاملة في حقل الإغاثة لشعب فلسطين.

وبرزت مجموعة من برامجها على الساحة الإعلامية كبرامج حوارية هادئة لا تعتمد الصوت المرتفع، ولا تتبنى روح الصراع، بقدر ما تتبنى صناعة فكر حواري جاد والتركيز على أن الاختلاف في الرأي هو أساس العملية الديمقراطية، وأذكر من هذه البرامج ( قناديل في الظلام والنادي السياسي).

أما قناة الجزيرة فسأسمح لنفسي أن أعطيها مساحة ليست بقليلة للاعتبارات التالية:

1- الزخم الإعلامي الكبير الذى صاحب بروزها على الساحة.

2- التقنية العالية التي تتمتع بها القناة.

3- شبكة مراسليها ومكاتبها الفرعية المنتشرة في عواصم المناطق المختلفة.

4- الجدل الكبير الذي صنعته بسبب ما اعتبرته بعض الدول إساءة متعمدة إلى رموزها وقادتها.

5- الجدل الذى أحدثته القناة باستضافتها شخصيات يهودية من داخل الكيان الصهيوني للتعليق على ما يجري وكأنها طرف محايد وليست قناة عربية.

وعليه، وبمتابعتي لتغطية هذه القناة للأحداث الجارية أستطيع القول بما يلي:

1- كعادتها كانت الأسرع والأفضل في تغطيتها للحدث واستجابتها للشارع العربي.

2- وكعادتها أيضا لم تدرك أن التحريض الإيجابي الذي تنشده لا يصلح في المناخ السياسي العربي الراهن، بمعنى أن التحريض يكون ملائما في بيئة يملك الشارع قرارها أو على الأقل يحترم فيها، وهذا ما لم يحدث بعد في عالمنا العربي.

3- استفزت بعض الحكومات وهذا خطأ إستراتيجي قاتل، إذ إن قناة بهذا الحجم والفكر السياسي ما كان يجب عليها أن تبارز الحكومات بهذه الطريقة التي تعلم يقينا أنها لن تقدم على تلبية مطالب الشارع وأن لها حساباتها الخاصة، وكما نعلم جميعا أن التفسير الحكومي لما قامت به الجزيرة هو أنها لا تناصر الانتفاضة؛ بل تعادي الحكومات، وهنا اختلفت الأولويات برغم أنها يجب أن تتفق لأننا في قارب واحد.

أثبتت التجربة أن الخلاف بين أية قناة فضائية أو أية حكومة عربية، ليس في صالح الشارع العربي، كما أنه يُحسَم عادة لصالح الفضائيات؛ لأنها رغم كل شيء تعبر عن مساحة غائبة في الإعلام الرسمي العربي، وهذا ما يدفعنا دائما إلى القول بأن أحد أهم منجزات الانتفاضة هو التحول الكبير الذي طرأ على آلة الإعلام العربي الرسمي التي حاولت مجاراة ما تقدمه القنوات الفضائية الخاصة حتى ولو كانت مُسَيَّسَة.

وفي الختام:

فإن ما فعلته الفضائيات بالانتفاضة هو ما فعلته الفضائيات بنا نحن جموع المشاهدين، وأعني أننا تحركنا وتفاعلنا، والكثيرون بدءوا في رصد الظاهرة ما لها وما عليها، والكثيرون باتوا أكثر ريبة تجاه إعلام حكوماتهم الرسمي.

لكن النتيجة الأهم في نظري أن العديد من الوسائل الإعلامية الرسمية بدأت تتخلى عن دورها، ولو رويدا رويدا بعد أن أدركت أن عصر مواكبة الحكومات والتطبيل لها ربما يكون قد ولَّى إلى الأبد، أو هو أقرب إلى ذلك.

وربما تستمر الانتفاضة إلى وقت غير طويل، وعلينا أن نتابع أداء مَن أخفق، ونشاهد بدقة مَن أجاد وأبدع… وساعتها قد يكون لمثل هذه التقارير قيمة في تاريخ الانتفاضة وتوابعها.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم