English

 

الأحد. أبريل. 7, 2002

ثقافة وفن » ميديا

 
   
روابط من إسلام أون لاين

إعلاميون تحت الحصار.. الكاميرا في يد والروح في الأخرى!!

اعتدال قنيطة - الجيل للصحافة

رفع رايته البيضاء فوق كاميرته يلوح بها، وهو يسير بين الدبابات الإسرائيلية والجنود المدججين بالسلاح، لا يدري هل يركز تفكيره على عدسة كاميرته؟ أم على روحه التي حملها على كفه الأخرى، ولا يدري من أي اتجاه سيحصدها رصاص قناصة جيش الاحتلال وجنوده؟

هذه صورة الإعلامي في الأراضي الفلسطينية في صراع بين البقاء وأمانة المهنة؛ ليضيء الحقيقة بعد أن أضيفت الراية البيضاء إلى أدواته بعد أن أصبحت المدن الفلسطينية في الضفة الغربية محذورة على الإعلاميين، وهدفا لقناصة جيش الاحتلال؛ حيث تعرض للاستشهاد والإصابة ما يزيد عن 73 إعلاميا.

سر الراية البيضاء

"نمشي بين حقل من الرصاص والدبابات".. بهذه الجملة اختصر لنا المصور الصحفي "جمال العاروري" معاناة الصحفي الفلسطيني الذي يعمل بين مرمى نيران جنود الاحتلال بعد أن حولت مدينة رام الله إلى منطقة عسكرية بوجه الإعلام. وأضاف: الجيش الإسرائيلي لا يميز بين صحفي وغيره؛ فكل شيء متحرك هدف لنيران قناصة المحتلين لكافة أسطح بيوت المدينة والدبابات المنتشرة في الشوارع، ونضطر أن نسير بينها لنؤدي عملنا، مبينا أن الصحفي أصبح لا يستطيع أن يسير في شوارع المدينة بدون راية بيضاء يلوح بها بوضوح أمام عيون جنود الاحتلال وإلا فقد حياته خلال ثوان معدودة.

وأكد العاروري أنه لأول مرة يتعرض لمثل هذا الخطر منذ عمله في الصحافة قبل 11 عاما مع وكالة رويتر، وقال: "منذ اجتياح مدينة رام الله ونحن معرضون للخطر؛ بل ويحاصرنا من كافة الاتجاهات، والإعلامي ينجو من إطلاق الرصاص الذي يتطاير فوق رأسه بأعجوبة". وأضاف: "بعد أسبوع من احتلال مدينة رام الله لم يفصل بيني وبين الإعاقة سوى 2سم فقط، بينما كنت أسير بين الدبابات أحمل كاميرتي وألوح بها أمام الجنود، إذ برصاصة جيش الاحتلال تخترق البنطال وتخرج من الاتجاه الآخر، ولولا رحمة الله لأصبحت معاقا حركيا وإعلاميا.

لا فرق بين عربي وأعجمي..

ولم تكن هذه الحادثة الوحيدة التي ينجو منها "العاروري"؛ فقد نجا منها كذلك وهو برفقة مجموعة السلام الأوروبية التي تمكنت من زيارة الرئيس ياسر عرفات، واستطرد ليصف لنا هذا فقال: "انتهزت فرصة وجود المجموعة الأوربية لكي أتمكن من تصوير العدوان الإسرائيلي على مقر الرئاسة، وأصل إلى أماكن محذور عليّ كصحفي الوصول إليها. وأردف قائلا: وفجأة وأثناء سيرنا انهال فوق رؤوسنا وابل رصاص رشاشات جيش الاحتلال غير عابئين بوجود هؤلاء الأجانب، فلم نجد حينها مفرا غير الاحتماء بالأرض، ولا أنكر أنه أصبح جل تفكيري في هذه اللحظة كيف أنجو من الموت، خاصة أني شاهدت حادثة إصابة الصحفي الأمريكي؟!!.

وأشار العاروري إلى أن جيش الاحتلال لا يفرق بين صحفي عربي وأجنبي؛ فكل من يعمل في الإعلام مرشح ليصبح ضحية للاحتلال.

وحول دور الصحفي في صد الهجمة البربرية لجيش الاحتلال على مدينة رام الله، قال بنبرة حزينة: "المصور الصحفي يشاهد أحداثا دموية كثيرا وإعدام أناس أبرياء ربما يعرفهم، ومناظر تشيب لها الولدان، وعندها فالكاميرا هي الوسيلة الوحيدة الذي يستطيع من خلالها أن يقدم الخدمة لغيره، والحقيقة واضحة بدون تشويه. وأضاف: "الكاميرا هي سلاح الصحفي لنشر الحقيقة وفضح العدوان وظلم جنود وقناصة الاحتلال".

إعلامي بلا بطاقة

الاحتلال لا يهدد حياة الإعلامي فقط، بل يتلذذ في تعذيبه عبر محاولته كسر قلمه تارة، أو حجب عدسته عن التصوير، أو سحب بطاقته الصحفية للنيل من همته، وإعاقة حركته تارة أخرى؛ فمنذ مطلع انتفاضة الأقصى بتاريخ 29/9/2000 تعرض الإعلاميون لكافة أنواع التعذيب على يد الجيش الصهيوني، وإن زادت حدتها بعد اجتياح مدن الضفة الغربية؛ حيث استشهد أربعة إعلاميين، وكان آخرهم الصحفي "روفاليل فرينو" (45 عاما) الذي بقي ينزف ما يزيد عن نصف ساعة دون أن تتمكن سيارة الإسعاف من الوصول إليه، وأصيب 69 صحفيا برصاص جيش الاحتلال، بينما تعرض 24 منهم للاحتجاز والتحقيق على يد المخابرات الصهيونية، فيما تم مصادرة معدات 9 آخرين.

وحول هذا تضيف "ليلى عودة" مراسلة قناة "أبوظبي" الفضائية -التي سحبت وجمدت وزارتا الداخلية والإعلام الإسرائيليتان بطاقتها الصحفية- بقولها الإعلامي: أصبح هدفا للاحتلال، ويبذلون قصارى جهودهم لحجب الحقيقة عنه، ومن ثم لعدم إيصالها إلى الرأي العام، ويقيدون حركته. وأضافت: "الإعلامي في الأراضي الفلسطينية يستحق لقب إعلامي حرب؛ لأنه مطارَد ومستهدَف من قبل جنود الاحتلال وقناصيه، ويشار إلى أن قناصة الاحتلال يحتلون كافة المباني العالية في المدن الفلسطينية التي أعادوا احتلالها، ويطلقون وابل رصاصهم على كل ما هو متحرك أمامهم من خلف سواتر رملية أو جُدر لا يبدو من بينها إلا فوهة الرشاشات".

وتكمل عودة: أعمل وفي يدي ورقي وقلمي، وفي الأخرى روحي التي لا أدري متى ستغادر الجسد؛ فهي عرضة لرصاص القناص من كل اتجاه، ومن عدو لا نراه يطلق وابل رصاصة على كل شيء متحرك أمامه، لا يفرق بين صحفي ومسلح، الجميع هدف صالح للقنص.

فنون الاحتلال

ولم تتوقف جرائم الاحتلال على إزهاق أرواح الإعلاميين؛ بل وترحيلهم عن المدن الفلسطينية المحتلة إلى أوطانهم حتى لا يثيروا الرأي الإعلامي الغربي ضدهم، فأشارت "ليلى" إلى أن قوات الاحتلال منعت العديد من الإعلاميين الأجانب من دخول مدينة رام الله أو بيت لحم، وأوقفوهم أمام الحاجز دون أن يُسمح لهم بالمرور.

وتروي لنا عودة قصة احتجازها أمام حاجز الرام، فتقول: "بذلت قصارى جهدي لأصل إلى مدينة رام الله أو بيت لحم؛ لأكون على اطلاع تام على الأحداث، وحتى لا أكتفي بما يقوم به مراسلونا. وأكملت: "المشاهدة تمكن الصحفي من معرفة الكثير من الخبايا والأسرار، واحتملت من أجل ذلك كثيرا، وكدت أختنق بقنابل الغاز التي أطلقها الجنود بكثافة، بالإضافة إلى قنابل الصوت والقاذورات أمام الحاجز".

يُذكر أن الإعلامية ليلى عودة اضطرت بعد اجتياح مدينة رام الله، وإعلانها منطقة عسكرية على الصحفيين إلى ممارسة عملها من مدينة القدس، ومتابعة أحداث المدن المحتلة عبر مساعديها المنتشرين في العديد من المدن الفلسطينية.

وتكمل عودة: "إن أشد ما يعذب الإعلامي هو أن يُحرم من الوصول إلى مكان الحدث، وكم تمنيت أن أتخطى هذه الحواجز، وأصل إلى مدينة رام الله وبيت لحم؛ لكي أتمكن من فضح جرائم العدو ونقل صورة واقعية عما يجري فيها!".

شهداء وجرحى

العديد من المكاتب الصحفية تعرضت للمداهمة من قِبل جيش الاحتلال، وتهديد مَن بها من الإعلاميين أو اعتقالهم واحتجازهم لعدة ساعات للتحقيق معهم؛ فقد تم محاصرة مجموعة من الإعلاميين الأجانب مع مطلع شهر إبريل الحالي في أماكن تواجدهم بأحد فنادق رام الله بالمصفحات والدبابات، ومن ثم ترحيلهم ومطالبتهم بمغادرة الأراضي الفلسطينية والعودة إلى أوطانهم، كما أصبحت وسائل الإعلام وخاصة الفضائيات العربية تشكل مصدر خطر على الكيان الصهيوني لتمكنها من نشر جرائمه بالصوت والصورة.

وأكدت عودة أن قنوات الإعلام العربية أصبحت تؤرق المكتب الحكومي الإسرائيلي بعد أن نجحت في تحريك الشارع العربي والغربي ضد جرائم الاحتلال الإسرائيلي؛ حيث بثت القناة الإسرائيلية الثانية برنامجا كاملا عن أخطار القنوات الفضائية.

يُشار إلى أن الإعلاميين اضطروا إلى استخدام أساليب جديدة لكي يؤدوا رسالتهم الإعلامية عبر العمل جماعات، واستخدام بعض السيارات المصفحة التي يمتلكها بعضهم، ووضع إشارة صحفي على صدره بحجم كبير يمكن رؤيتها من على مسافات بعيدة، وحمل الرايات البيضاء.

ويبقى صوت الإعلام مدويا رغم تشويش صوت القذائف ورصاص الاحتلال، يحاول أن يوقظ الرأي العام العربي والدولي على جرائم الاحتلال، بينما يمد القلم بالدم ليكتب ويجلو الظلم عن حقيقة المحتل.

 

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم