دمشق - إسلام أون لاين.نت
ولكن أخذ البعض على العمل بأنه أظهر ضعف الجانب الفلسطيني مقابل الجانب الصهيوني، وأكد الفنان زيناتي قدسية أنه أيضاً شعر بشيء من هذا القبيل بعد قراءته الأولى للسيناريو، إلى أن الكاتب أكد أن الحق الفلسطيني بيِّن وواضح أيضاً لذلك لم يكن منشغلاً بتحقيق التوازن الرهيف بين خطابين، أحدهما فلسطيني والآخر صهيوني، بل كان هاجسه الأول هو إلقاء الضوء على المساحات التي ما تزال معتمة بالنسبة للمواطن العربي في دهاليز العقل اليهودي التوراتي، وفضح الفكرة الظلامية الرهيبة في العقلية الصهيونية اللإنسانية، والتي تختبئ خلف بندقية المستوطن ورشاش الجندي ودبابات وطائرات وصواريخ جيش الدفاع الإسرائيلي فأزاح القشرة الخارجية المتمثلة بالبطش الظاهر، ليمضي بنا إلى العمق، إلى المحرك الأساسي لهذه الآلة المدمرة.
وهذه وجهة نظر كاتب يريد أن يقدم رؤية وموقفاً من هذا الصراع، ومن زاوية نظر وقراءة خاصة حددها لنفسه سلفاً، وهذا حقّ مشروع لأي كاتب يصرّ على أن يكون صادقاً مع نفسه، أميناً لرؤاه في إطار من الاحترام لعقلية المشاهد الذي يتوجه إليه، وأعتقد أنه نجح في ذلك، وقمر الزمان كان يدرك أن المساحة التي منحها لأبطاله الفلسطينيين قليلة بالتوازي مع مساحة الشخصيات اليهودية، وهذا إجراء فني مقصود مع توجه مادته أصلاً.
وأضاف: أستطيع أن أتفهم دلالة وبعد هذا الإجراء الجريء، وأؤكد على كلمة جريء وأقول: لكأن الانتفاضة/ الثورة الشعبية الفلسطينية بحضورها الطاغي في الواقع، هي البديل والمعادل الموضوعي والواقعي لغياب البطولة والفعل المقاوم الإعجازي الذي كان يمكن أن يرصده السيناريو "فنيًا" هي التعويض عن رغبتنا في اتساع الجانب الفلسطيني بمعنى آخر.
كأن قمر الزمان يفترض أن ما يحققه المجاهدون الفلسطينيون من بطولات عظيمة وتضحيات جسيمة على أرض الواقع، هو السيناريو الأكبر الذي يشاهده المواطن العربي يومياً، وما "بستان الموت" إلاّ جزء من هذا السيناريو، مهمته الأساسية التصدي في العمق على الجانب الآخر.. هذه فكرة حساسة وتستحق التوقف والتأمل.
وبدوره أكد الكاتب قمر الزمان علوش على أن الواقع الفلسطيني قد يكون أغنى بكثير مما قدم في "بستان الموت"، لكن عندما يرتبط الأمر بالانتفاضة، فإن الشعب الفلسطيني ليس أمامه سوى أن يموت في سبيل وطنه، هذا العمل الذي يقوم به بصورة يومية، وباندفاع وحماسة لانعدام الخيارات والبدائل الأخرى، وبطولة الشعب الفلسطيني الآن هي بالحقيقة في موته اليومي، وفي تقديم ضحاياه بشكل يومي وسفك دمائهم على الشوارع في مواجهة الدبابات، وهم لا يحملون سوى الحجارة، قد يبدو للوهلة الأولى أن الطرف في المشروع الفلسطيني، كما قدم في العمل، ذو فعالية بسيطة، وبأنه يتقبل الموت ويبكي، لكن الحقيقة تكمن في عظمة قبوله لهذا الموت، واستعداده لليوم الآخر لتقديم شهداء آخرين، ومن ثم البكاء عليهم للحظات فقط؛ لأنه في اليوم التالي لا يعرف من سيفقدون، والأبطال الحقيقيون في هذه الانتفاضة هم الآباء الذين يرسلون أبناءهم إلى الموت يومياً، وهم يشعرون أو يستشعرون بأن الابن يخرج من البيت ولا يعود إليه، وتضحيتهم بأبنائهم وفق هذه الطريقة هي أقوى من التضحية بالنفس، وبطولتهم التاريخية تكمن في هذا، وبعزيمتهم وتضحيتهم سينالون استقلالهم ودولتهم التي شرعها العالم لهم، وعاصمتها القدس.
المباشرة في الطرح
وحول انتقاد البعض للمباشر ة في الطرح يقول الكاتب: "بدأت الكتابة من فهم مفاده أن قضية الصراع العربي - الإسرائيلي، والفلسطيني - الإسرائيلي، هي الحامل الأساسي للعمل الفني المزمع تناوله، وقررت ألا أترك مساحة للخيال على حساب الواقع، لإيماني بأن الواقع أوسع وأعمق من الخيال، فهذا التدفق اليومي لأخبار الانتفاضة وحوادث الموت اليومي، هي مشاهد تغلق العين كلها، ولا تترك مجالاً للخيال، وتضخم شاشة التلفزيون لتأخذ مساحة الحجرة التي نعيش فيها، لذلك فكرت بطريقة تقترب من المباشرة أطرح من خلالها الأفكار بحيث لا نسيء إلى القضية المركزية على حساب الناحية الفنية، وعندما بدأت بنقل الواقع إلى نص مكتوب بشكل فني انتفت أمامي أشكال الخيال والتخيل والفنتازيا الأدبية السينمائية أو التلفزيونية.. وكان بذهني فقط تقديم تقرير تكون فيه أحداث انتفاضة الأقصى بؤرة العمل الفني، مفترضاً إمكانية توقفها مع مرور الزمن، على أن يبقى الفيلم في حال عرضه بعد سنوات عدة شاهداً على الحدث ومؤرخاً له بطريقة فنية، وأردت أن يكون العمل مرتبطاً بمناسبة الانتفاضة، لكنه مستقل عنها بذات الوقت.
أما الفنان زيناتي قدسية فيقول عن المباشرة في الفيلم التلفزيوني بستان الموت: "إنها تعبير ملتبس وغير دقيق، وكل يفهمه بطريقته الخاصة، والمباشرة ليست نقيصة في كل الأحوال، بالعكس، هناك أعمال فنية رائعة، سينما، مسرح، رواية، شعر، تشكيل - لو خلت من لمسة المباشرة الواعية الأنيقة بحجة أنها نقيصة أو مأخذ، لفقدت هذه الأعمال قيمتها الإنسانية الحارة، وروحها المتدفق، وقد تفقد أيضاً مبرر وجودها".
ويضيف: "في التباس المعنى وغياب الدقة، ما المقصود إذن بالمباشرة في عمل فني كـ "بستان الموت"؟ الفيلم كسيناريو على الورق كان يسعى للوصول إلى ما يشبه المقاربة مع ما يحدث - على صعوبتها - منطلقاً من حرارة اللحظة الراهنة ومن المواجهات والإنجازات الكبيرة التي تحققها يومياً انتفاضة شعبنا العربي الفلسطيني في الأراضي المحتلة. ويتحرك فوق حقل من ألغام الرموز المبهمة، والإيحاءات الموغلة في التأويل والغموض الأعمى والمغلق، وهو سعي مشروع بطبيعة الحال".
ويؤكد زيناتي قدسية أنه مع ذلك اقتصرت المعالجة الفنية على مواجهة واحدة بين أبطال الانتفاضة وجنود ومستوطني الاحتلال الصهيوني، أسفرت عن استشهاد الفتى حسين بن تيسير الرَّحال، وظهر في الكادر المتحرك بعض الكلمات القليلة المكتوبة على كتل حجرية ملقاة في الشارع ثم جنازة صامته بسيطة للعجوز أم خالد. وجنازة الشهيد حسين حيث أطلق المشيعون فيها بعض الهتافات، إضافة إلى فهم تيسير الرَّحال للانتفاضة وأهدافها وطبيعة العدو الصهيوني، وقد تكشف كل هذا بجملة واحدة في مشهد المقابلة التلفزيونية.. وكذلك تداعيات ابنته شفاء التي تسجلها على أوراق خاصة لتظل شاهداً حياً في ذاكرة الأجيال والتاريخ، والسؤال الآن لو لم يرصد السيناريو هذه الأجزاء أو المقاطع القليلة في كل ما تضمنته هذه المقاطع فماذا يتبقى من الفيلم؟ ثم أين "المباشرة" بمعناها السلبي في كل ما تضمنته هذه المقاطع؟ كيف يمكن لعمل فني ينهض من قلب حدث يفقأ عيوننا ليل نهار كحدث الانتفاضة العظيم، ثم يجيز الكاتب لنفسه أن يتجاوز اللغة وصيغ التعبير التي يتحدث بها صانعو هذا الحدث، أو أن يصادر الوسيلة والشكل والأداء عند طرفيّ الصراع - ويخترع لغة ووسائل وأشكالا مختلفة ومغايرة للواقع وحقائق الصراع على الأرض بحجة الابتعاد عن المباشرة؟؟!!
ويتابع القول: وإن شئت الحق، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح هو: ما الجدوى من اعتماد الرمز والإيحاء والصور الغامضة في حدث يُستشهد فيه الفلسطينيون وتنزف دماؤهم وتدمر بيوتهم ويواجهون بصدورهم العارية أعتى آلة عسكرية وبفروسية نادرة الحدوث كما هي ناصعة الوضوح… كل ذلك في سبيل أن يدمروا فكرة "الرمز" ومأساوية الإيحاء وكارثية "الغموض والتأمل"؟
هذا هو السؤال الجوهري الذي ينبغي أن يطرح… السؤال الذي لا يفرق بين الأدب، الفن ومرجعه كمضمون وكجوهر.
اقرأ وشاهد معنا:
|