|
دمشق - إسلام أون لاين.نت
منذ أن بدأت انتفاضة الأقصى المباركة اشتعل الغضب في أرجاء الوطن من مشرقه إلى مغربه، وأخذت الجهود تجتمع، لدعم هذه الانتفاضة وللتعبير عن الرفض المطلق لكل ما يجري منذ عقود طويلة ولكل الحلول التي باتت مسخة تصنعها إسرائيل لنلهو بها، ولتصنع من حولها الموت اليومي كما يحدث في جنين أو رام الله اليوم.
ومن بين هذه الجهود العربية كان الفيلم التلفزيوني الأول "بستان الموت" المنتج من قبل شركة "الشام للإنتاج السينمائي والتلفزيوني" بدمشق ضمن برنامج الإعلام المضاد.
"بستان الموت" محاولة اقتراب عاجلة للإعلام الصهيوني الذي يشوه الحقائق. وتناول العمل الحديث عن انتفاضة الأقصى المباركة، وحاول القائمون على العمل أن يكون محتفظاً بقيمة تاريخية وفنية غير مرتبطة بالحدث الآني ارتباطاً كلياً، بحيث لا يفقد تأثيره الفكري والفني بمرور الزمن، ويتأتى ذلك من طبيعة عناصر الصراع الفلسطيني الإسرائيلي التاريخية والمستقبلية في آن معاً.
وحاول العمل الانتقال بالأحداث إلى الطرف الآخر من طرفي الصراع، وهو هنا الطرف الصهيوني، فما يراه المواطن العربي الآن من أخبار تلفزيونية ومشاهد حية وتحليلات يومية يقتصر على الطرف الفلسطيني فقط، كيف يقذفون الأحجار ويشعلون الحرائق ثم يسقطون جرحى وشهداء على يد الصهاينة، بينما لا يظهر الطرف الإسرائيلي إلا داخل صورة متكررة لآلة العنف والقتل العشوائيين، دون توفر إجابة على سؤال جوهري هو: من أين يأتي هذا العنف كله، وما هي نتائجه؟!
بستان الموت حاول الإجابة على هذا السؤال وتوضيح صورة الأزمة الروحية والفكرية العنصرية التي يعيشها الفرد الصهيوني، وهو ما يغيب عن يوميات أخبار الانتفاضة.
ونقل هذا العمل اللحظات الحارة التي يعيشها شعب لم يقهره حتى الموت، عندما يحاول أحد ما أن ينتهك مقدساته ومحرماته.
الفيلم.. بيت وطابقان
وتدور أحداث الفيلم في منزل قديم في القدس الشرقية مكون من طابقين، تعيش في الطابق الأرضي منه أسرة فلسطينية مكونة من الأب "تيسير الرحال" والأم وولدين أحدهما في الرابعة عشرة والثاني في العاشرة، بالإضافة إلى ابنة شابة تدعى "شفاء" تمثل الوجدان الفلسطيني والخطاب الوطني الذي تبثه عبر مذكراتها عن أحداث الانتفاضة.
وفي الطابق العلوي تقطن مستوطنة إسرائيلية تدعى راشيل، وهي ممثلة مسرح متشبعة بالفكر الصهيوني ومتحمسة لإلغاء الطرف الآخر، يزورها في المنزل شاب إسرائيلي يدعى يوسي وهو رقيب في الجيش ومكلف مع بقية مجموعته بقمع الانتفاضة، وهذا العمل اليومي المرهق في قتل الأطفال وشبان الانتفاضة يترك بصماته على نفسيته ويجعله باستمرار يعيش حالة رعب من خطر أعمال المقاومة التي تترصده في كل خطوة يخطوها.
تشد العشيقة راشيل من أزره وتحقنه بالشجاعة اليومية بمساعدة عم لها يدعى بنيامين، وهو حاخام متطرف يدعو باستمرار إلى إبادة الشعب الفلسطيني لكي يعرف الإسرائيليون كيف يعيشون بهدوء وسلام.
الرقيب يوسي يعرف تقلب مزاج عشيقته الممثلة المسرحية راشيل ويعرف أنها متحررة من القيم الأخلاقية التي يمكن أن تمنعها من معاشرة غيره، ومع هذا يوليها مشاعره ويستسلم لتأثيرها الروحي والثقافي عليه، ولا يمنعه هذا من أن يبني في بطنها ابن المستقبل دون زواج ولهذا عندما تعود إلى حياتها القديمة، من دعارة ومخدرات… يسحبها على الأرض ويعيدها إلى المنزل ملطخة بالأوحال؛ لأنه لا يسمح لأحد أن ينام معها وابنه القادم في بطنها.
إنها رمز الثقافة الصهيونية التي تهيمن على الحياة داخل فلسطين المحتلة، وتعطي الانطباع بتفسخها الداخلي وهشاشة تركيبها القائم على العنصرية وإبادة الطرف الآخر، مع احتفاظها بملامح الحضارة المعاصرة بما فيها من مقولات ومظاهر كاذبة عن الحداثة والديمقراطية والإنسانية…
تخيط العلم كفناً
في الطرف المقابل، تقف العائلة الفلسطينية التي تعيش الحياة داخل خطر الموت اليومي، لكنه الموت المتوقع أو المشتهى؛ لأنه في سبيل تحرير الأرض والمقدسات والأحلام الفلسطينية في الاستقلال.
ولقد سقط لهذه الأسرة شهيد في انتفاضة الثمانينيات، وتفقد الآن خلال أحداث الفيلم شهيداً آخر.. لكن هذا لا يمنع الأبوين من إغلاق الباب على الابن المتبقي ودفع خطر الموت عنه. إن الأسرة الفلسطينية تعلن بكل بساطة، وبكل عذاب المقهورين، أنهم مستعدون للتضحية بأنفسهم وبأبنائهم في سبيل التحرير والأرض، فكما خاطت الأخت شفاء العلم الفلسطيني للشهيد الأول ككفن تستعد الأم لخياطة العلم الثاني للشهيد الثاني..
أما الأب فلا يجد ما يمكن أن يطفئ ناره على شهيدين إلا في قتل أحد المستوطنين ويكون في النهاية أحد ضحايا الرقيب يوسي داخل المسجد، حيث يقوم بقتله وهو يقرأ كتاب الله، ثم ينشب النار في جوانب المسجد لكن أطفال الحجارة يصعدون إلى شرفة المئذنة ليرفعوا الأذان، وليستمر اسم الله فوق أنقاض الكارثة.
وفي اللحظة التي يخرج فيها الرقيب يوسي إلى الساحة الخالية ويسير بين أنقاض انتفاضة الأمس مزهواً بالعمل الذي قام به يظهر لنا من زاوية الكادر وجه عربي.. ثم نسمع دوي طلق ناري يتهاوى يوسي على إثره فوق الأرض وتكون بداية النهاية.
كسرا لاعتيادية المشاهدة
وعن فكرة العمل يقول الكاتب قمر الزمان علوش: "جاءت فكرة العمل في فترة بدأت فيها أخبار الانتفاضة ضعيفة التأثير في المجتمع العربي، فمع بداية انطلاقة انتفاضة الأقصى بدأت العلاقة تتمتن بين الشارع العربي وانتفاضة الأقصى بتأثير متبادل، فقد حركت الانتفاضة مشاعر الإنسان العربي وردود فعله الغاضبة، لكن بعد مرور فترة من الوقت بدأت تستكين الأوضاع، وأخذ الإنسان العربي يتقبل أخبار الانتفاضة والقتل اليومي بشكل عادي، فوجدت أنه في هذه الفترة بالذات جاء دور الفن ليقوم بدوره ووظيفته التي تتكامل أو تتساند مع الأحداث القومية والوطنية الكبرى. من هنا جاءت فكرة بستان الموت؛ إذ إن فلسطين هي بستان بالأساس، لكن بعد أن جاء إليها الأغراب حولوها إلى مزرعة موت، واقترحت الفكرة على الشركة، وكانت الموافقة، وتم الإعداد والتحضير لها بزمن قصير جداً لكي ينتهي العمل وليكون شبه تحية لهؤلاء المقاومين داخل الأرض المحتلة، ولكي نقول أيضاً لبقية العرب بأن هناك من يتألم ويقتل في سبيل قضية تعني الجميع، هذا الشيء فرض علينا تسريع العمل بشكل أو بآخر وحاولت قدر الإمكان أن أخرج بمضمون العمل وبطريقة معالجته عن مفهوم المناسبة على أن يكون موضوعاً يشتمل على عناصر الصراع الأساسية بين الفلسطينيين والإسرائيليين مبدياً رأيي بهؤلاء الإسرائيليين العنصريين والمتطرفين الذين لا يفكرون إلا بإلغاء الإنسان العربي، مجندين طاقاتهم كلها لذلك".
ويضيف: "لم أكتب عن الصراع العربي الإسرائيلي، أو الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بصورة شاملة بل اتخذت زاوية منه ناسجاً على محورها حكاية شعب يقاتل ويقاوم، والتزمت بالانتفاضة لأنها الحدث المركزي للعمل، وتحدث بلغة مباشرة عن هذين المشروعين".
وأكد علوش أن العمل قام على أن بنية المجتمع الصهيوني تحتضن ثلاثة عناصر أساسية في السياسة الإسرائيلية هي "الجندي الإسرائيلي الذي مثلته شخصية يوسي، والتيار الديني الذي يمثله الحاخام بنيامين، والمؤسسة المدنية التي تمثلها الممثلة المسرحية راشيل، وهذه المؤسسات الثلاث قد تختلف بمعالجتها للموقف خلافات جزئية وظاهرية، وتتحدث ليس بطريقة حاملة أفكار بل إنها تعيش حياتها، لكن الهم الذي يطغى هو كيفية القضاء على الشعب الفلسطيني". وقد رفض علوش مسألة وجود تيار معتدل في إسرائيل يريد السلام، وقال: "إن هؤلاء الذين يدعون بأنهم معتدلون ويريدون السلام ليسوا إلا رؤوس حربة تخترعهم إسرائيل يومياً للتطبيع المستقبلي مع العرب".
دور تمثيلي لكن فعلي
وقد قام بتنفيذ الأدوار كوكبة من الفنانين السوريين، وكان على الخط الفلسطيني كل من نبيلة النابلسي، ورغداء شعراني، ولينا باتع، وقام بتجسيد دور الأب " تيسير الرّحال" الفنان القدير "زيناتي قدسية" الذي تحدث عن بعض تفاصيل دوره في الفيلم قائلاً: "حاولت أن أقدم شخصية فلسطينية هادئة وعقلانية وبعيدة عن الانفعال، رجل قليل الكلام يميل إلى الصمت المثقل بالمحمول الدرامي، راسخ القناعة بعدالة قضيته وحتمية انتصار شعبه، متماسك حتى في أدق اللحظات حساسية، قد يغضب، ولكن غضب الواثق والحاسم في قراره وقد يحزن إلى حد البكاء، وعلى العموم هذا كلام نظري يمكن أن يقوله أي ممثل عن دوره، والمحك الحقيقي هو التجسيد العملي لهذا الفهم النظري، ولا أعرف حقيقة إلى أي مدى وفقت في ترجمة هذه السمات، لكن الأمر الذي أعرفه جيداً هو أنني لم أتعامل مع التجربة كممثل حيادي سيؤدي دوره ويمضي، بل كنت ممتلئاً بالقلق، وبشعور ثقيل بالمسؤولية، وبأنني شريك فعلي وأساسي في التجربة، ولا أخفي عليكم أن هذه المشاعر مازالت تملؤني حتى هذه اللحظة، وهذا بالنسبة لي أمر حيوي وهام".
وفي الضفة الثانية
أما في الضفة الأخرى من العمل، والتي ترصد الشخصيات الصهيونية، وقف الفنان سامر المصري ليجسد شخصية الجندي الإسرائيلي، والفنانة مانيا نبواني لتجسد دور ممثلة المسرح، والفنان القدير عبد الرحمن أبو القاسم الذي قال عن دوره: "قمت بأداء شخصية الحاخام اليهودي بنيامين التي لا أتعاطف معها على الإطلاق، لما تحمل من فكر صهيوني متطرف، والذي يجسد نوعاً من الشخصيات من الصعب أن أقيم علاقة معها كممثل يحمل بداخله قضية مناقضة تماماً لما تحمله الشخصية التي أديتها، وليس لأن هذا الحاخام يؤمن باليهودية، فالإسلام يأمرنا باحترام الأديان الأخرى، ويشترط على المؤمن المسلم أن يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبالتالي لا بد أن نؤمن بالديانات السماوية جميعها، لكن لي موقف من هذا نموذج الحاخام اليهودي الذي أراه في كل يوم صباح مساء على شاشات الفضائية، وهو يحمل العصي والبنادق المختلفة يقتل بها الأطفال والنساء والشيوخ، مستمتعين بحملهم جثة أحد الشهداء الفلسطينيين يمثلون بها، الناس لا يمكن أن أستطيع إقامة علاقة بيني وبينهم حتى على مستوى الحوار، وفي العمل كنت مطالباً بتجسيد الشخصية اليهودية هذه، وقد عانيت من العذاب حتى استطعت أن أمثل هذه الشخصية، وعندما تم وضع المكياج وارتديت الطاقية، ونظرت إلى وجهي في المرآة شعرت بالخوف والرعب حقيقة، وجاء المصور الصحفي ليلتقط لي صورة فاعتذرت له؛ لأنني أخشى أن أحتفظ بها، وهذا النموذج صعب أن أراه، لكن وظيفتي كانت أن أعري هذا النموذج أمام المشاهد العربي والعالم بأسره، وعليه عملت ما يشبه المصالحة بين عبد الرحمن أبو القاسم، وهذا الحاخام اليهودي القاتل المأجور".
العدو بشكل أكثر منطقية
ويضيف أبو القاسم: "في هذا العمل كانت هناك قراءة جديدة للعدو الصهيوني؛ إذ إننا عادة نصوره رجلا ضعيفا، ويستطيع أي رجل منا أن يطارد عشرة أو عشرين رجلا إسرائيليا، ويقتلهم دفعة واحدة، والإعلام العربي كان مقصراً في توضيح الصورة الحقيقية للمتلقي عن هذا العدو، وقد جاء الآن الكاتب قمر الزمان علوش وقلب المعادلة معيداً كفتي الميزان إلى حقيقتهما؛ إذ قدم لنا المعادلة بشكلها المنطقي".
ويتابع: "ندما نستفتي قلوبنا وعقولنا نكتشف أن الانتفاضة جزء لا يتجزأ من دمنا، ويبدو أننا نحتاج إلى بساتين للموت، وليس إلى بستان واحد فقط؛ لأن هكذا العدو .. ملامح أكثر تفصيلاً انتفاضة، وهكذا شعب، في حال إنتاجنا في كل يوم فيلم يرصد البطولات ويصور التضحيات التي يقدمها، لا نستطيع أن نوفيه حقه، وبستان الموت هو الخطوة الأولى على طريق متابعة الكثير من البساتين".
أما مانيا نبواني التي جسدت درو راشيل تقول: " العمل يحكي قضيتنا، قضية الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، حيث تجري أحداثه ضمن بيت يقطنه سكان فلسطينيون، يأتي مستوطنون إسرائيليون ويستولون على الطابق الثاني منه، ونرى الصراع بين عائلتين، بينهما القهر والعداوة والدم والاغتصاب لأرض وسحق لكرامة، وبذات الوقت هم مرغمون على التعايش مع الإسرائيليين، وهل يستطيعون أن يتعايشوا معهم؟ ونحن من خلال هذا الفيلم نوضح انعدام إمكانية هذا التعايش، وما يحدث ضمن هذا البيت من موت وألم لا يعني أن الإسرائيليين يملكون قوة أكبر، ويفرضون سيطرتهم على البيت، وبالتالي على الأرض الفلسطينية، وإنما حاولنا تصوير مخزونهم الداخلي بما فيه من ضعف وقلق، لدرجة أن نظرة موجهة من عيون رجل فلسطيني كفيلة بدب الرعب في جسد وروح الجندي الإسرائيلي، وكفيلة بإدخاله في حالة من الهلع، محولة إياه إلى وحش، يضرب من حوله ليخفف مما يعتمل بداخله من الرعب الذي بات متجذراً في أعماقه".
وعن طريقة التعامل مع الدور قالت: "عندما عرض علي أن أجسد دور ممثلة يهودية، مررت بفترة عصيبة جداً، نتيجة حالة التردد والحيرة التي تملكتني، إلى أن حسمت أمري بتجسيده، وحالة التردد هذه جاءت من كون الشخصية التي نسبت لي، كما لاحظتموها، تعبر عن فكر النساء الإسرائيليات، وهذا طبعاً مناف لطبيعتي كامرأة عربية أحمل في داخلي مبادئ وقيم سامية أصبحت جزءًا من شخصيتي وهويتي كإنسانة عربية، وتحدد صورة الإنسان العربي الذي يحمل الهم الفلسطيني على أكتافه، متأملاً بيوم يحارب فيه أعداءه الذين اغتصبوا وشردوا أهله من الأرض المحتلة، وهاهم الآن يتابعون غطرستهم وتجبرهم بانتهاك المقدسات".
وأضافت: "فيلم بستان الموت كان صرخة في وجه هذا المغتصب، ومحاولة كشف لحقيقته التي باتت معروفة ولا مجال معها في التساهل أو التنازل عن حقوقنا، وأنا كممثلة ليس من السهل أن أجسد شخصية امرأة يهودية، وفي الوقت نفسه لا بد أن أكون مقنعة في عملي كممثلة، لذلك جهدت كثيراً لأرتاح مع هذه اليهودية التي تدعى راشيل المعبرة عن الفكر الصهيوني المرعب، وما جعلني استرخي من الداخل مع الدور، مع العلم أن قضية فلسطين هي قضيتنا الأولى وعندما أقدم الشخصية اليهودية أكون قد ساهمت في تقديم هذه القضية إلى الناس والرأي العام العالمي، وأيضاً أكشف هذه الشخصية كيف تفكر وما القيم التي تحملها، وما الهدف الذي تسعى للوصول إليه، واستطعت بالنهاية أن أتبناها إلى حد معقول، ولكنها تبقى ذكرى ليست طيبة في حياتي كممثلة بأنني لعبت دور امرأة يهودية".
اقرأ وشاهد معنا:
|