English

 

الخميس. سبتمبر. 11, 2003

ثقافة وفن » مساحات ثقافية

 

طارق البشري يجيب على أسئلة الزمن الصعب:

العنف أو اللاعنف.. كيف نقاوم المستعمر؟

حسام تمام

  كيف نقاوم؟

نستكين أم نثور؟ وهل لا توجد غير هذه المعادلة الحدية؟

وكيف يمكننا التعامل مع الوضع الراهن الذي يشهد هجمة وتواجدا عسكريا أمريكيا غير مسبوق؟ كيف يمكن التصدي له ومقاومته؟

هل يفرض التفوق الأمريكي الساحق تغييرا ثقافيا وفكريا لمفاهيم مستقرة كالجهاد أو في طريقته؟

وهل تجد مفاهيم مثل "اللاعنف" طريقها إلى بنيتنا الثقافية والفكرية؟

عن كل ذلك وعن إمكانية إنجاز مثلث الاستقلال الوطني (سياسي/ حضاري/ اقتصادي) ناقشنا المستشار طارق البشري، وتحدثنا معه حول أجندة الفكر الإسلامي التي بدأنا منها النقاش بسؤاله عن تقييمه لها في الـ 20 عاما الماضية، وما الأجندة المطروحة في الفترة القادمة؟

فأجاب:

-يبدو لي أننا انشغلنا في السنوات الماضية بقضايا أكثر ثانوية دون الالتفات إلى المشكلة الأساسية. وأقصد بالتحديد موضوع التحرير الوطني؛ ففي خلال الـ 20 عاما الماضية لم نستطع أن نقول إننا متحررون، إنما قلنا: مارسنا الحوارات وصياغة المشاكل كما لو كانت قضية الخطر الخارجي علينا أقل مما هو في الواقع بالفعل، سواء بالنسبة لإسرائيل أو بالنسبة للأطماع الأمريكية بالرغم من محاولتهم توهين الإرادة الوطنية وتوهين إمكانيات المقاوم.

ومن بين هذه الأمور مثلا: إثارة خلافات داخلية؛ بمعنى أن على مدار الـ 20 سنة الماضية أثير موضوع حقوق الإنسان وموضوعات تتعلق بين الداخل والداخل، مثل الخلافات بين الأهالي والحكومة، أو بين المواطنين وبعضهم البعض فيما يتعلق بحرية التفكير والتعبير، كما أثير موضوع حقوق المرأة والرجل، وأثير موضوع الأقليات المختلفة، وكلها موضوعات وخلافات الداخل مع الداخل؛ وهو ما يثير علامات الاستفهام مقارنة بما أثير من موضوعات وقضايا في الخمسينيات والستينيات وما قبلها.

** لكن في تلك الفترة (الخمسينيات والستينيات) كانت هناك أيضا قضايا من هذا النوع!!

- أتفق معكم في ذلك لكنها كانت قضايا هامشية، أما الموضوع الأساسي الذي كان مطروحا فهو المُستَعمِر والمُستَعَمَر وموضوع الشمال والجنوب أو الدول المتقدمة والدول النامية. فدائما ما كانت تثار الموضوعات المتعلقة بالخارج؛ فهذه هو الأكثر خطورة فيما يواجهنا من قضايا، لكن حدث الآن عكس ذلك، ويخيل لي أن هذا يتم بقصد، وهذا القصد آت من الخارج. فوسائل الإعلام ومراكز البحوث الخارجية حولتنا إلى النظر الداخلي فقط دون النظر إلى العلاقة مع الخارج؛ باعتبارها العلاقة الحاكمة والمؤثرة.

 ونقول جزى الله الشدائد خيرا!! فالمقاومة الفلسطينية كانت كالقاطرات التي شدتنا إلى تحديد ما هو المشكل الرئيسي، ومن أين يأتي الخطر الرئيسي المتمثل في الاحتلال الأجنبي وخطر الأطماع الأجنبية وهو ما سميناه الاستعمار، والذي لم يظهر فقط أيام بوش، وإنما كان موجودا، ولكن كان يلبس ثوبا مختلفا، مثل التدخل في الشئون السياسية والتعليم والثقافة، ولكن كان موجودًا بأيدينا أكثر مما كان بأيدٍ خارجية.

** الملمح الأساسي للأجندة إذن هو مقاومة المستعمر أو مقاومة المحتل بشكل أساسي..

- حاليا هذا هو ما يجب أن يمثل الأساس.

**وما هي أبرز القضايا المطروحة الآن بالأجندة؟

- أغلب القضايا التي كانت مثارة ما زالت مطروحة ولكنها محكومة، مثل قضايا الاقتصاد فما زالت موجودة، وقضية الاحتياج للخارج أو عدم الاحتياج له، وتوزيع الدخل في الداخل، كما أن الجانب الثقافي موجود بشكل قوي؛ لأنهم يريدون تغيير هذا الجانب، ولكن كل هذا محكوم بشيء، وهي القضية الأساسية والحاكمة ألا وهي الخطر الخارجي؛ وذلك يتبدى في احتلال أراضي الدول، وكسر الإرادة الوطنية في دول أخرى، ويتبدى لي أيضا في شكل انتهاكات لموجبات الأمن القومي، إن لم يكن احتلالا عسكريًّا مباشرًا.

فمثلا إسرائيل لا تحتل مصر، ولكنها عندما تضرب رفح يؤثر هذا في الجيوش على الحدود.. أليس هذا عدوانا على الحدود؟!

**هل هناك أولويات يحددها العنصر الحاكم في هذه الأجندة فيما يتعلق بمقاومة المستعمر؟ بمعنى آخر: هل هناك متطلبات أساسية ترتبط بالعنصر الحاكم في مقاومة الاستعمار؟

- من أكثر القضايا المؤثرة هي موضوع الديمقراطية؛ لأنها تتعلق بالعلاقة بين الحكومات وشعوبها فيما يتعلق بموضوع الحركة الوطنية، وموضوع مقاومة الخطر الخارجي. وأعتقد أن الديمقراطية في بلادنا لم تنجح إلا عندما ارتبطت بأكثر القضايا حيوية في المجتمع. فمثلا ممكن أن نقول: ديمقراطية من أجل حرية التعبير الأدبي والفني، أو ديمقراطية من أجل الدفاع عن الوطن.

فإذا نظرنا إلى أفغانستان وباكستان فسنجد أن باكستان أقوى من حيث الجيش وتوافر السلاح، ولكن من كان أكثر في مواجهة الهجوم الأمريكي بعد 11 سبتمبر؟ والإجابة هي أن أفغانستان أثبتت من الصمود والقدرة أكثر من باكستان، كذلك نموذج مثل سوريا ولبنان؛ فنجد أن سوريا أكثر قوة وقدرة، ومع ذلك لا تستطيع أن تكون دولة مُحررة، في حين أن لبنان أضعف من حيث القوة، وجيشها ضعيف، واستطاعت أن تحرر الجنوب اللبناني بعد 22 سنة، وفي خلال 22 سنة لم تكن الأمور هادئة، كانت دائما هناك مقاومة، وكذا العلاقة في فلسطين.. العلاقة بين حركة المقاومة الشعبية والسلطة؛ فنجد أن حركة فتح تعد تنظيما أهليا وليست تابعة للسلطة، إذن فكل التحركات شعبية، أما السلطة فلديها من الضوابط ما يجعل قدراتها محدودة في مواجهة هذا الأمر، ونستطيع القول: إن حركات التحرر الوطني عموما هي حركات شعبية أكثر منها حركات متعلقة بالسلطة.

** ما موقف الدولة في ظل أجندة التحرر الوطني الجديدة؟ وهل هذا التوصيف (أي التحرر الوطني) يتعلق بمسألة الدولة الوطنية التي قد تقيد قوى المجتمع في مواجهة الخطر الخارجي وفي نفس الوقت تعطي المستعمر فرصة التحرك في الداخل؟

- لا بد من مواجهة هذه السياسات، ولن يكون هذا إلا بالعمل الشعبي، ولكن أساليب العمل الشعبي في مواجهة الدول تختلف تماما عن أساليب مقاومة الخطر الخارجي، ويعطينا الدرس الفلسطيني قدوة ومثلا مهمًّا الآن. فالفلسطينيون يستخدمون العنف ضد المحتلين الصهاينة، وكل الظروف تحاول أن تدفعهم للعراك مع فلسطين السلطة، وهم يتفادون هذا تماما، وقوّاهم الله على استبقاء هذا الأمر.

** نفهم من كلامك أنك ترفض أو لا تستسيغ استخدام الفلسطينيين للعنف..

- إذا كانت المقاومة الفلسطينية لا ترى أمامها إلا استخدام العنف لردع العدوان الأمريكي الصهيوني فلا بد من استخدامه، رغم أن ذلك قد يستخدم بالخارج على اعتبار أنه إرهاب، ولكنها ستستخدمه ثم تبرر موقفها لهؤلاء، إنما استخدام العنف ضد المواطنين -أوروبيين أو أجانب أو أمريكيين- في بلادهم خطأ محض، كذلك استخدام العنف ضد مدنيين في بلادنا خطأ محض، واستخدام العنف بين شعوبنا والحكومات مع الاختلافات القوية بينهما هو خطأ محض وضار، ولا بد من مقاومته بكل الوسائل؛ فهذا لا يمثلنا، ونتبرأ منه.

**يقودنا هذا الكلام إلى الحديث عن مفهوم اللاعنف الذي يتم إدراجه ضمن بنية الثقافة والفكر الإسلامي الذي يحاول إسقاط فكرة المقاومة المسلحة طارحًا أسبابًا كثيرة، مثل تغيير صورة العرب لدى الغرب، وعدم وجود توازن في القوة.. فهل أنت مع هذا المفهوم؟

- استخدام العنف يضر بك أكثر من غيرك؛ فالتضحيات الداخلية تكون أكثر من تضحيات غيرك؛ فأنت لا تلجأ إليها إلا إما حماقة أو مضطرًا، ودعنا من الحماقة لأنها خطأ؟ أما المضطر مثل المقاومة الفلسطينية أو في أفغانستان فمع أنه سيخسر فيها من الأرواح والقوى البشرية أكثر كثيرًا جدًّا مما يخسر المحتلون، فإنه ليس أمامه وسيلة أخرى؛ فهو يدافع عن بلده.

**قد تسقط مقاومة العنف بشكل مرحلي ضد العدوان أو الاستعمار، لكن هل ترى أن التطور العالمي والوضع الجديد يمكن أن يسقط الفكرة تمامًا لتكون فكرة النضال المدني بديلا عن العنف؟

- هذه أقاويل الأدباء والمفكرين، وإنما أنت تواجه اقتلاعًا بالقوة المسلحة في فلسطين والعراق وتهديد سوريا باستخدام العدوان المسلح. فمن الصعب استبعاد فكرة استخدام العنف مع وجود محتلين في أرض بلدك.. فكيف يمكن ذلك؟! فهل من انتهك حرمة البيت تستطيع أن تقنعه بالسلام؟ وحتى إذا طرأت فكرة أنه أقوى مني ففي حالة اقتحام بيتي لن أفكر بهذا الشكل، بل سألجأ إلى العنف بالطبع.

**ألم تقل من قبل إن هذا انتحار؟

- عندما تم التفاوض مع سعد زغلول بعد الحرب العالمية الأولى لأجل مؤتمر السلام دخل له العقلاء بالوفد وواجهوه بأنه متمسك بمطالب مستحيلة، وأنه يواجه أقوى دولة في العالم خرجت من الحرب العالمية منتصرة، ومعها دول أخرى؛ فكان رده كالتالي: "إنهم يسرقون الأوطان"، فالرد هنا لا يعتمد على مقياس ميزان القوة، ولكن هناك لصًّا يجب مواجهته، وليس أمام الفلسطينيين سوى العمليات الاستشهادية، فلا توجد أمامهم إمكانية أخرى، وإذا لم يفعلوا فسيقتلون يوميًّا، كما أنه ليست هناك وسيلة أمام أفغانستان والعراق سوى ما يفعلونه الآن.

**وهل يمكن للثقافة الفقهية أن تهضم هذا الكلام كنوع من غسيل المخ والتأثير الثقافي؛ وذلك لأن هناك مفكرين وبعض الشخصيات الإسلامية تطرح هذا الكلام باعتبار أن مسيرة البشرية تطورت، وأن صيغة الجهاد العنيف انتهت، والآن جاء دور جهاد الكلمة؟

- وهل كان عدوان الأمريكان عدوان كلمة؟!

**إن هذا الطرح موجه لنا، وليس للأمريكان!!

- أرى أنه يجب ألا نشغل أنفسنا بهذا كثيرًا؛ وذلك لأن المسألة تتعلق بالإمكانية المادية فقط؛ فهل توجد وسيلة سلمية لتحقيق الاستقلال للبلاد والدفاع عنها؟ فإذا كانت موجودة فعلي أن أتبعها، أما إذا لم توجد فلا سبيل آخر، والعنف يضر مستخدمه أكثر من المحتل، فمثلا فيتنام يقال: إن نسبة الضحايا في حربها مع أمريكا كانت من 1 إلى 8، والبعض الآخر يقول من 1 إلى 20؛ أي أنه في مقابل مقتل أمريكي واحد يوجد 20 فيتناميا يموتون؛ فالثمن رهيب؛ لأن تكلفة العنف باهظة على من يستخدمه وعلى شعبه أولا؛ فعليه ألا يستخدمها إلا إذا انتفت الوسائل الأخرى، لكن مسألة أن يتنازل عن أهدافه فهذا بكل المقاييس خيانة، سواء بالفكر الوضعي أو الفكر الديني الإسلامي أو أي فكر آخر، ونحن سنسأل عما فعلناه تجاه القدس يوم القيامة والفرقة الناجية الوحيدة هم من استشهدوا.

اقرأ في الحوار:

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم