English

 

السبت. ديسمبر. 27, 2003

ثقافة وفن » مساحات ثقافية

 

فرنسا والحجاب.. محاولة لفهم ما يحدث

فتش عن خصوصية العلمانية الفرنسية

يسرا زهران

مظاهرة نظمتها 6 آلاف مسلمة بالعاصمة الفرنسية باريس احتجاجا على خطاب شيراك
  "كل تلك الضجة التي أثيرت في فرنسا حول الحجاب سببها ببساطة هو أن فرنسا ليست كأي بلد آخر، وأن الإسلام دين ليس كأي دين آخر".

ربما كانت العبارة السابقة هي أكثر الجمل كشفا لما يجري الآن في فرنسا، رغم عنصرية كاتبها (كلود أمبرت، وهو يصف الإسلام دوما بأنه دين غير قابل للإصلاح، ولم يستطع أن يخفي شماتته بسبب قرار منع الحجاب وكل العلامات الدينية الأخرى في فرنسا مؤخرا).

فقد كان من الممكن ألا تثار كل هذه الضجة لو أن ذلك القرار صدر في دولة أخرى غير فرنسا، لكن الأمر هنا يدور حول دولة تمزقت دوما بين طرفي نقيض: بين الخضوع التام لسلطة الكنيسة والرضوخ لحق الملوك الإلهي المقدس في الحكم، وبين العلمانية الصارمة التي صارت تحتل مكانة أعلى من أي شيء وأي ميول سياسية أو دينية أخرى، حتى كادت تصبح اليوم دينا مستقلا في حد ذاته، يمكن التضحية بأي شيء آخر في سبيله.

العلامات الدينية.. أم الحجاب؟

ظهر الرئيس جاك شيراك مؤخرا وهو يعلن عن قراره بمنع كل العلامات الدينية المميزة والظاهرة في مؤسسات الدولة، وعلى رأسها الطاقية اليهودية والصلبان الكبيرة والحجاب. لاقى قراره تأييدا مطلقا من جهات ورفضا عنيفا من دول أخرى ومؤسسات دينية رأت أن قراره يحد من حرية الفرد التي ينبغي له أن يحميها.

لكن الحجاب يظل دوما ذا وضع خاص؛ نظرا لارتباطه بأتباع ثاني أكبر ديانة في فرنسا اليوم، ونظرا لأن العديد من التيارات الفرنسية ترى أن القانون الأخير قد صدر أصلا بسببه، وأن إضافة الصلبان والطاقية اليهودية هي مجرد "خطوة تكتيكية وقائية" حتى لا يعتبر المسلمون القرار موجها ضد دينهم وحده.

كان رفض المسلمين لقرار الرئيس الفرنسي أمرا مبررا للغاية، ربما جسدته بوضوح الرسالة التي أطلقتها الرابطة الفرنسية للمرأة المسلمة على شبكة الإنترنت للاحتجاج على هذا القرار، لقد قالت الجمعية في الرسالة: "إن الكل ينسى أن وراء الحجاب امرأة، مواطنة فرنسية مستقلة تضطر لمواجهة الضغوط السياسية رغما عنها. يطالبها الناس بأن تحارب من أجل الحرية، بينما يتم منعها من ارتداء شيء تعتبره جزءا من صميم عقيدتها وشخصيتها. يا من تنصبون أنفسكم حماة للديمقراطية والحرية، لماذا تجرمون من يريد ممارسة شعائر دينه كما ينبغي؟ وهل تكون محاربة خضوع المرأة عن طريق إجبارها على الرضوخ لقوانين مجحفة تحد من حريتها؟!".

خصوصية العلمانية الفرنسية

لكن يمكن إلى حد ما كذلك رد سبب رفض الفرنسيين للمظاهر الدينية ومن ضمنها الحجاب إلى أن مبدأ علمانية الدولة الفرنسية هو أول المبادئ التي ينص عليها الدستور الفرنسي، وما حرية ممارسة العقيدة والأنشطة الأساسية إلا نتائج له. لقد كان الهدف الأساسي لقانون فصل الدين عن الدولة فيما مضى هو منع وجود أي ديانة مميزة عن الأخرى حتى وإن كانت غالبية الفرنسيين تعتنقها، ولا يمكن فهم سبب القوة التي تتمتع بها العلمانية في فرنسا اليوم إلا بإلقاء نظرة قصيرة على التاريخ الديني الفرنسي الذي كان سببا في وجودها اليوم.

كانت الديانة المسيحية هي المحور الذي تم تأسيس الوحدة الفرنسية حوله منذ أكثر من ألف عام، وبدت فرنسا في وقت من الأوقات كما لو كانت الذراع اليمنى والطولى للكنيسة الكاثوليكية، بينما يرتكز ملوكها في حكمهم لها على حق إلهي صارم تؤيده الكنيسة، وهو ما جعل مصالح الدولة والكنيسة تتداخلان، وتصيران في خندق واحد دائما ضد كل محاولات الإصلاح الديني، خاصة تلك التي بدأت في منتصف القرن السادس عشر، عندما بدأ الإصلاحيون يرون أن الكنيسة هي دولة داخل الدولة، لها جيش مستقل بذاته هو "المؤمنون"؛ وهو ما جعل الحل الوحيد للخروج من سيطرتها هو اتباع كلمات المسيح نفسها التي تؤكد على ترك ما لله لله وما لقيصر لقيصر.

ولم تأخذ هذه المحاولات الإصلاحية طريقها إلى التطبيق إلا مع قيام الثورة الفرنسية عام 1789، وإعلان حقوق الإنسان وحقوق المواطن وإعلان قيام الجمهورية الفرنسية بدلا من الملكية فيها. كل تلك الخطوات جاءت كي تقيم، وفقا لمبدأ المساواة، نوعا من التوافق بين الفرنسيين (كان أغلبهم لحظتها ينقسمون بين كاثوليك وبروتستانت ويهود) كي يندمجوا جميعا في الكيان الفرنسي الجديد.

وذلك هو أساس علمانية الدولة الفرنسية اليوم، ترتكز على حرية الفكر التي لا يحدها شيء، وعلى حرية العقيدة التي يمكن أن يحدها القانون لأسباب تتعلق بالأمن والنظام العام.

هذه النقطة الأخيرة بالذات هي التي لا يستطيع المسلمون في فرنسا تقبلها، ولا يستطيع الفرنسيون فهم سبب تعارضها مع الإسلام. يصر المسلمون على أن الحجاب جزء من التشريع الإلهي الذي لا يتجزأ، وأن القانون الإلهي فوق كل اعتبار، أما الفرنسيون فهم يتمسكون بدورهم بعلمانية دولتهم التي تؤكد على أن القانون الفرنسي هو صاحب أعلى سلطة على الأفراد، أعلى حتى من القوانين الدينية، بالتالي فلا بد -من وجهة النظر الفرنسية الرسمية- أن يرضخ المسلمون لأي قانون يمنع ارتداء الحجاب في المؤسسات العامة للدولة التي تخضع لقانونها العلماني، وإلا فإن رفضهم سيعد رفضا للاندماج في الكيان الفرنسي والإصرار على تشكيل كيان مستقل يرتكز على أسس دينية ويعيد إلى الأذهان فكرة "الدولة داخل الدولة" التي كانت تمثلها الكنيسة من قبل.

لم يكن صناع القرار الأخير الذي يقضي بمنع الحجاب وكل المظاهر الدينية الأخرى في المؤسسات العامة، غافلين عن التأثير الذي يمكن أن يحدثه هذا القرار. وقد نشرت مجلة "لوفيجارو" الأسبوعية الفرنسية تقريرا كاملا عن كواليس صياغة القرار الأخير الذي أعلنه شيراك، قرار كانت المشكلة الأساسية فيه هي وضع صياغة تؤكد علمانية الدولة، ولا يتم في الوقت نفسه تفسيره على أنه موجه ضد الحجاب وحده. وزير الداخلية نيكولا ساركوزي وافق على مضض على أن يكون هناك مشروع لذلك القانون بشرط أن يكون بأخف صيغة ممكنة، أما رئيس الحكومة الفرنسية جان بيير رافاران فلم يتحمس إطلاقا لفكرة القانون، وجاك شيراك نفسه كان يحسب بدقة كل المخاطر التي يمكن أن يتعرض لها بسبب القانون واختار أقلها ضررا بالنسبة له، هي تمرير قانون يؤكد صرامة الدولة وعلمانيتها.

حسابات السياسة.. حاضرة

مراحل صناعة وصياغة ذلك القانون الجديد ترتبط كلها بالعملية الانتخابية في فرنسا، كل من اليسار واليمين يتصارعان على أصوات الناخبين، بينما يسعى شيراك إلى اجتذاب هذه الأصوات مع المحافظة على مبدأ توفيق كل الأوضاع حتى وإن كانت متعارضة؛ لذلك كانت أولى خطوات صناعة القانون الحالي هي صياغة نص بكلمات شديدة العمومية تؤكد على علمانية الدولة، وتمنح كل مؤسسة تعليمية الحق في تطبيق قواعدها الخاصة وممارسة نوع من الرقابة الذاتية على ما يحدث فيها، ثم جاءت المرحلة الثانية التي كان الأساس فيها هو منع ارتداء أي علامة دينية مميزة في مؤسسات الدولة مع عدم النص على أن الحجاب من ضمنها، وكانت ميزة هذه الصياغة غير الواضحة وهي أنها تصب في مصلحة اجتذاب أكبر عدد من الأصوات الانتخابية، تعطي الانطباع بأن الحكومة الفرنسية "تفعل شيئا" كي تطمئن الناخبين القلقين من تزايد نفوذ المسلمين في فرنسا، لكن من دون أن تفقد أصوات الناخبين الذين ينحدرون من أصول عربية أو إسلامية كذلك، تحافظ على المنطق الاشتراكي الذي يقود فرنسا دون الاصطدام بالمؤسسات الدينية الراسخة في الدولة، إلا أن مشكلة هذه الصياغة ظهرت أيضا بسبب عدم وضوحها، إذ وجد كل من يريدون استبعاد الفتيات المحجبات من المدارس أنفسهم في مأزق، بسبب عدم وجود نص صريح يعتبر الحجاب من العلامات الدينية الظاهرة.

لذلك لم يجد شيراك أمامه حلا آخر، فأعلن صراحة أن الحجاب من العلامات الدينية التي تتعارض مع علمانية الدولة، وأضاف إليه كلا من الصلبان الكبيرة والطاقية اليهودية تأكيدا لمبدأ المساواة، حتى وإن كانت في الظلم، أملا في أن تصبح في النهاية نوعا من العدل.

تابع في الملف:

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم