English

 

الأحد. يناير. 11, 2004

ثقافة وفن » مساحات ثقافية

 
   
روابط من إسلام أون لاين

فرنسا والحجاب.. محاولة لفهم ما يحدث

معركة "بواتيه" الثانية لطرد الإسلام من أوربا

مصطفى عاشور

هل هي معركة انتزاع الإسلام من أوربا؟
  "ارتداء الحجاب مسلك عدواني من الصعب على الفرنسيين قبوله" الرئيس الفرنسي جاك شيراك.
"الحجاب يهدد العلمانية" برنار ستاسي.
"ثلثا الشعب الفرنسي يوافقون على قرار حظر الحجاب" صحيفة لوباز يزيان.
تلخص المقولات السابقة موقف الدولة والمجتمع الفرنسي من أزمة الحجاب التي أثارت كثيرا من الصخب والضجيج الذي ما زال في بداياته، وافتعلت أزمة دون سابق إنذار مع المسلمين، كان الحجاب هو قمة الجبل الظاهرة للعيان. أما جسم المشكلة وجذورها فيتعلق بالوجود الإسلامي في بلاد النور والعطور.

والغوص في أعماق مشكلة الحجاب المفتعلة حاليا في فرنسا، واحتشاد الدولة برموزها وهيبتها، والمجتمع بغالبية أطيافه السياسية والفكرية؛ لإصدار قانون يمنع الطالبات من ارتداء الحجاب في المدارس الحكومية يكشف عن أبعاد ثقافية وراء هذه الأزمة، يرتبط بعضها بجوهر العلمانية وصراعها مع الكنيسة؛ لإبعاد الخطاب الديني عن المجال السياسي فكرا وممارسة. واتسم هذا الصراع بنوع من العنف والحدة لازَم العلمانية الفرنسية بعد انتصار الدولة على الكنيسة. أما البعض الآخر فيرتبط بالتجربة الاستعمارية الفرنسية وعلاقة فرنسا مع الشعوب التي كانت خاضعة لها.

الحجاب وبواتيه الثانية

وأمام هذا الموقف الفرنسي الحازم من الحجاب طرحت شخصيات إسلامية أسئلة محيرة، يغري تفسيرها والإجابة عليها بالخوض في أطروحة "صدام الحضارات" التي تناول فيها الكاتب الأمريكي صمويل هنتنجتون عددا من الأمور، يطل بعضها برأسه في الأزمة الحالية، منها أن "خلق العدو" يؤدي إلى تحديد الهوية القومية، وأن خطوط الانقسام الثقافي ستكون المصدر الرئيسي للنزاعات المقبلة؛ نظرا للاختلافات الجوهرية والعميقة بين الحضارات، وأن التزايد السكاني يبعث معه الانتماءات المرتبطة بالحضارات والنزاعات المتصلة بذلك، وأن الغرب فقد جاذبيته بالنسبة للنخب الأخرى عند إعادة اكتشاف ذاتها، وأن اختلاف الهويات يعمق الاختلاف بين أبناء الحضارات.

ومن الأسئلة التي طُرحت: ما مدى خطورة الحجاب على مبادئ العلمانية؟ وهل أصبحت العلمانية دينا جديدا؟ ولماذا تخشى فرنسا العظمى من قطعة قماش تضعها فتاة صغيرة على رأسها حتى يتدخل رئيس الدولة وحكماء فرنسا لبحث القضية، واللجوء إلى هيبة الدولة وصرامة القانون للحيلولة بين الحجاب ورءوس نحو 1200 طالبة كما قدرهن تقرير ستاسي؟ ثم التساؤل حول ما إذا كانت فرنسا بدأت في خوض حرب "بواتيه" ثانية، ولكن بقيادة شيراك على غرار حرب بواتيه الأولى التي قادها شارل مارتل للحيلولة بين أوربا والإسلام؟ رغم أنه لم يمض على هذا الدين إلا حوالي 5 عقود في تلك البلاد، استطاع فيها أن يكون الدين الثاني بعد الكاثوليكية، ويشكل أتباعه عُشر سكان فرنسا مع وجود مبشرات مؤكدة بتضاعف هذه النسبة خلال أقل من 20 عاما.

العام الذي افتعلت فيه أزمة الحجاب بعد سلسلة من التمهيد من الدولة الفرنسية للمجتمع للتفاعل معها كان هو العام الذي شهد تطورا ملحوظا في التعامل الفرنسي مع الإسلام، بعد إصرار الدولة على تشكيل مجلس مسلمي فرنسا حتى يكون إطارا للتعبير عن المسلمين أمام الدوائر الرسمية الفرنسية بعد فترة من التهميش السياسي والاجتماعي للمسلمين، وهي الخطوة التي فهم البعض أنها تدعيم للوجود الإسلامي في فرنسا، وفهم آخرون أنها خطوة متقدمة من الدولة الفرنسية للاقتراب من الإسلام وتدجينه وتشكيله في إطار فرنسي؛ لإنتاج نسخة معدلة من الإسلام تتعايش مع العلمانية وقيمها، لكن السرعة في افتعال مشكلة الحجاب أزاحت الغيوم عن حقيقة الموقف الفرنسي سريعا، وأكدت أن الإسلام الفرنسي الذي راهن البعض على مساعي باريس لغرسه في أراضيها هو الآخر أصبح غير مرغوب فيه.

ومع أن القيادات الإسلامية في فرنسا أدركت بعض القسمات في وجه السياسة الفرنسية تجاههم عندما خطب وزير الداخلية ساركوزي أمام حشود المسلمين في ضاحية بورجيه الشهيرة في باريس عن ضرورة أن تكون المرأة حاسرة الرأس في الصورة الشمسية التي توضع على وثيقة السفر؛ فإنهم تعاملوا بمرونة مع هذه السياسة حتى لا يخوضوا معركة غير مبررة في التوقيت الغلط.

الدين والعلمانية 

شيراك يخوض معركة بواتيه الثانية 

العلاقة بين الدين والعلمانية من العلاقات الشائكة التي لم تحسم، ويسود حولها جدل طويل وافتراق كبير؛ فالدين في حقيقته ظاهرة اجتماعية ومكون ثقافي ومصدر للأخلاق والقيم في المجتمع، ومن ثم فهو متعمق في التصور وظاهر في السلوك، ويتقاطع دوما مع تطور الجماعة البشرية؛ لذا تبقى للدين وضعية في المجتمعات المختلفة تتراوح بين حدين متباعدين: هل الدين فوق المجتمع أم خارجه؟ ومن خلال تفاعل المجتمعات مع هذين الحدين والسياق التاريخي للمجتمعات يكون الاقتراب من تحديد وضعية الدين.

وقد شهدت فرنسا ثورة عنيفة سنة 1789 حددت مسار تعامل الدولة والمجتمع مع الدين (الكنيسة) أي مسار تعامل 24 مليون فرنسي مع 140 ألف رجل دين، وكانت نتيجة هذا الصراع هي الفصل الوظيفي التام بين الدين الممثل في الكنيسة الكاثوليكية، والمجال السياسي العام. ثم حققت الدولة انتصارا آخر في مجموعة القوانين التي صدرت في مطلع القرن العشرين، وكان أهمها قانون 1905 الذي فصل الدين عن الدولة نهائيا.

وتأسيسا على هذا السياق التاريخي اختفت نسبيا ثنائية العلاقة بين الدين والدولة من الثقافة الفرنسية، مع استمرار وجود الدين في المخزون الثقافي، وظلت فرنسا تحتفل بعدد من الأعياد المسيحية؛ لأن المجتمعات البشرية لا تعرف الانقطاعات التامة في وعيها وثقافتها؛ ولأن ما حدث في فرنسا هو تجريد المؤسسة الدينية من مميزاتها، وتغيير في الخريطة المجتمعية، ولكن تنامي الوجود الإسلامي في فرنسا أيقظ العلمانية من جديد، وطرح أمامها إشكاليات كبيرة أهمها: هل العلمانية للإنسان، أم الإنسان للعلمانية؟ وهل المطلوب من تطبيق العلمانية تحقيق وحدة النسيج الاجتماعي ضمن تعددية الآراء والمعتقدات والعادات؟ أم صوغ الجميع في قالب واحد؟ وهل العلمانية إنكار الدين من المجتمع؟ أم اعتراف بالدين مع تحييد تأثيره في السياسة؟

المواطنة.. من وجوه المعركة

يقوم النموذج الفرنسي الثقافي والاجتماعي في المواطنة على تقديس حرية الفرد ومساواته بالآخرين مجردا من انتمائه الإثني أو الديني؛ فهو يحشد المواطنة خلف الجمهورية وقيمها، وكانت قوانين العلمانية في ذلك الشأن تناسب الفترة التي نشأ فيها؛ كذلك فإن النموذج الفرنسي يقوم على إدماج المهاجرين في بنيته الثقافية والاجتماعية؛ لأن النموذج ليس مبنيا على التعايش بين الجماعات المختلفة.

وقد شكلت قوة الدفع الثقافي والروحي التي يتميز بها الإسلام تحديا واضحا للدولة الفرنسية لم تستطع خلاله استيعاب الظاهرة الإسلامية أو إخضاعها؛ وهو ما عصف بمبدأ التعايش، ودفع باريس لتأخذ المبادرة لوضع الإسلام في سياقه كما تراه، حتى لا تخلق ثنائية مجتمعية بين مهاجرين غالبيتهم مسلمون وحاصلون على الجنسية الفرنسية، ويتخذون من فرنسا وطنا ومستقرا، ويعتبرونها -كما يقول الزعيم الإسلامي راشد الغنوشي- "دار إسلام"، وبين المواطنين الفرنسيين الأوربيين الذين يدين غالبيتهم بالمسيحية الكاثوليكية؛ فهذه الازدواجية من النظرة الفرنسية في مفهوم المواطنة تعد أمرا مرفوضا، ولعل هذا يفسر تكتل اليمين واليسار في فرنسا لاستصدار قانون حظر الحجاب.

وفي كتاب "فوبيا الإسلام الجديدة" للأكاديمي الفرنسي المرموق فانسان جيسر الصادر هذا العام تأكيد على أن هناك تصديا للإسلام في فرنسا بدوافع أمنية ووجود مصالح متقاربة بين اليمين واليسار تجاه الإسلام، وأن الجميع وجد في الحجاب ذريعة شارع يميني مهيأ سلفا بعوارض البطالة والأزمة الاقتصادية.

ثقافة الاستعمار: الاندماج أو الاختفاء

في مقاله الأخير أكد الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل أن الموروث الثقافي لديه فرصة الكمون الطويلة حتى تستند عليه المستجدات؛ فإذا هو يعيد نفسه على المثال الذي تشكل به ابتداء؛ فما يفعله الأمريكيون في العراق لا يختلف عما فعله آباؤهم الأوائل مع الهنود الحمر.

وتبدو هذه القراءة كاشفة بعض الشيء للتعامل الفرنسي مع الحجاب؛ ففي كتاب "الحكم الاستعماري الفرنسي في المغرب وآثاره" للكاتب موشيه جيرشوفيتش توضيح هذا الأمر؛ إذ إن الاستعمار الفرنسي وضع في أولويته القصوى تأمين النفوذ الفرنسي في العالم؛ صيانة للمصالح الفرنسية.

وأمام هذه الأولوية الطاغية كان لا يهمه سحق الشعوب أو توظيفها في خدمة أهدافه؛ ولذلك طبقت فرنسا سياسة الإدماج طوعا أو قسرا على الشعوب المستعمرة؛ فكانت هذه السياسة اختراعا فرنسيا، ولم يعد أمام الشعوب إلا أن تصبح فرنسية، وكان التطبيق الأكثر بشاعة لسياسة الإدماج القسري في الجزائر، وظل هذا المنطق محفورا في المكون الثقافي في الذاكرة الفرنسية؛ وهو ضرورة أن تتخلى عن عقيدتك وعاداتك ولسانك إذا أردت أن تصبح فرنسيا.

وكان قادة تلك الفترة يرددون: "يستطيع العرب أن يثوروا لكن سوف يتم إدماجهم"، وهى لغة لا تختلف كثيرا عن اللغة التي ترددها فرنسا حاليا في أن العلمانية مبدأ غير قابل للتفاوض، ولن يتم إعادة صياغته، وإذا كان الاستعمار الفرنسي قد لجأ إلى قوة السلاح والبشاعات ضد الشعوب فإن الدولة الفرنسية لجأت إلى قهر القانون لقهر الحجاب.

وفي كتاب "التاريخ الاستعماري والهجرة اختراع أجنبي" للأكاديمي الفرنسي إيريك سافاريس محاولة رائدة للربط بين الخبرة الاستعمارية كمكون ثقافي في علاقة الدولة والمجتمع الفرنسي بالأجانب خاصة الوافدين من شمال إفريقيا؛ حيث أشار إلى وجود ارتباط عضوي بين فوبيا الأجانب والحقبة الاستعمارية في الذاكرة الفرنسية، وأن مشاعر هذه الفوبيا تتصاعد في أوقات الكساد الاقتصادي. فالماضي ما زال مطويا ومتمركزا في اللاوعي الجمعي للفرنسيين، إلا أنه يتكاثف في المخيلة العامة إلا في اللحظات التي يمر فيها المجتمع بضغوط اقتصادية واجتماعية؛ لذا تم ربط مشاكل فرنسا بالأجانب، وطرحت حلول جذرية ضد الأجانب المسلمين كالطرد والترحيل وإلغاء الضمان الاجتماعي.

المستقبل للإسلام

إن ما يجري في فرنسا حول الحجاب هو تعبير عن أزمة ثقافية عميقة بين العلمانية والتحولات الجديدة التي فرضها تنامي الوجود الإسلامي، وأبرزها أن الإسلام لم يعد مهاجرا في فرنسا؛ بل هو مواطن يبحث عن حقوقه الكاملة، ويسعى للاندماج في البنية الثقافية والاجتماعية دون أن يذوب؛ بل ليكون أحد مكوناتها.

ولعل هذا ما جعل حراس العلمانية في حالة قلق من هذا التطور النوعي الجديد، ودعوتهم لكتابة نصوص تحفظ العلمانية، ويقيمون مرصدا للعلمانية؛ وهو ما يؤكد أن الإسلام كقوة ثقافية تجاوز مستويات القلق على مستقبله؛ لأن العلمانية الفرنسية هي التي أشهرت أسلحتها، وتمترست خلف مبادئها تنذر وتهدد الزحف الإسلامي الحضاري الهادئ على حصونها ومعبدها.

تابع في الملف:


مدير تحرير نطاق "ثقافة وفن" في شبكة إسلام أون لاين.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم