English

 

الأحد. أغسطس. 18, 2002

ثقافة وفن » ميديا

 
   
روابط من إسلام أون لاين

بعد إنابة القضاء المصري في قضية إبراهيم نافع

"معاداة السامية" على الطريقة الفرنسية

حمدي الحسيني

معاداة السامية
انتهت عاصفة استدعاء القضاء الفرنسي لـ"إبراهيم نافع" نقيب الصحفيين المصريين، رئيس مجلس إدارة صحيفة الأهرام المصرية.. بإلغاء قرار الاستدعاء، وإنابة القضاء المصري بالتحقيق -في قضية اتهامه بمعاداة السامية على إثر إحدى المقالات التي نُشرت بالأهرام- وإطلاع القضاء الفرنسي على النتائج النهائية.

وربما بهذه النهاية تكون قد بدأت أزمة جديدة تستهدف القضاء المصري مستقبلاً بعد تساؤلات حول نجاح عملية الاستدعاء الفرنسية في إرهاب أصحاب الفكر والكُتّاب لعدم الاقتراب من القضايا التي تتعلق باليهود وإسرائيل مستقبلاً، وبالرغم من انتهاء الأزمة بهذا الحل الوسط فإن السؤال ما زال مطروحًا: ماذا فعل الصحفيون المصريون والعرب للرد العملي على إثارة مثل هذه الأزمات التي غالبًا ما تقف وراءها جماعات صهيونية موالية لإسرائيل تسعى لاستغلال القوانين الأوروبية لصالحها؟ والسؤال الأكثر تعقيدًا: هل نحتاج لمراجعة خطابنا وضبط رؤيتنا في التعامل مع القضايا والمصطلحات من جانب، والاستفادة من الأدوات الحقوقية والمدنية لتفعيل أدوارنا والدفاع عن قضايانا من جانب آخر؟

بداية الحكاية.. فطيرة يهودية

وتعود القضية إلى مقال "فطيرة يهودية من دم العرب" الذي نُشر في صحيفة الأهرام يوم 28-10-2000م، وهو المقال الذي فجَّر الأزمة، واستغلته منظمة تُدعى "الرابطة الدولية لمناهضة العنصرية ومعاداة السامية"، وجميع أعضائها من الصهاينة المؤيدين لسياسة شارون وإسرائيل، وتتخذ من العواصم الأوروبية مقرًّا لها، وتتولى ملاحقة الكُتاب والمفكرين الغربيين والعرب الذين يحاولون كشف حقيقة المد الصهيوني الذي يتخذ من إسرائيل واجهة له في منطقة الشرق الأوسط.

"عادل حمودة" صاحب المقال الذي أثار القضية يدافع عن حقه في البحث والتحري ككاتب حر للبرهنة على الجذور التاريخية لجرائم شارون؛ حيث اكتشف بمحض الصدفة -كما يقول- كتابًا للعماد مصطفى طلاس وزير الدفاع السوري منشورًا في دمشق في عدة طبعات آخرها الطبعة الثامنة 2001م، تضمن الكتاب العديد من الوثائق والاعترافات التي تكشف حادث اختطاف الأب "توما" الذي قتلته عائلة هراري اليهودية، ووضع جثته في طست حتى تصفى دمه تمامًا، وقاموا بتقطيع جثته، ووضعها في جوال، والتخلص منها، بينما صنعوا من دمه فطيرة، وفقًا لاعترافات الشهود، حسب الرواية المنشورة في كتاب العماد طلاس بعنوان "فطيرة صهيون"، وترجع تلك الأحداث إلى عام 1840م، حيث جرت وقائعها في حي اليهود بمدينة دمشق.

ويرى حمودة أن تحرك المنظمة الصهيونية، وإقامتها الدعوى أمام القضاء الفرنسي.. لن يخرج عن كونه خطوة خطيرة لإرهاب كل من تسول له نفسه ويحاول الكتابة أو فضح الفظائع الإسرائيلية، وهو يصف هؤلاء بأنهم يعملون طابورًا خامسًا لتوفير المناخ الدولي الملائم لاستمرار عمليات الاغتصاب الإسرائيلية التي تجري في منطقة الشرق الأوسط. ويقترح حمودة أن نلجأ إلى نفس الأسلوب الذي يحاولون إرهابنا به وهو الملاحقة القضائية؛ حيث يوجد في إسرائيل كتابات وصحف وتصريحات لوزراء ومسئولين مليئة بالكتابات العنصرية والمثيرة للكراهية ضد العرب، بل هناك من ينشر صورًا للرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- على شكل خنزير يكتب القرآن في شوارع القدس المحتلة.. أليس هذا احتقارًا لدين سماوي؟!! ألم يدعُ يوسف عوفاديا زعيم حزب شاس المتطرف إلى إبادة العرب، ووصفهم بأنهم ثعابين يتكاثرون كالنمل، وتم نشر تصريحاته في جميع وسائل الإعلام، فضلاً عن الأفعال اليومية التي تذاع على الهواء مباشرة.

حملات مالية للمراقبة الإعلامية

المستشار "محمد مجدي مرجان" الأمين العام لاتحاد الكتاب الأفارقة يتفق مع ما طرحه عادل حمودة في ضرورة التحرك الشعبي والمجتمع المدني -أفرادًا أو مؤسسات أو منظمات- بهدف تشكيل لجان تتولى مراقبة ورصد ما نُشر في الصحف الإسرائيلية، بل والصحف الدولية المختلفة التي يتم من خلالها تشويه صورة المسلمين والعرب -وهو ما يحدث بصورة منهجية بدون أن يتحرك أحد- على أن تكون مهمة هذه اللجان توثيق وجمع المواد المنشورة المتضمنة للإساءات والتشويه، وخاصة ما يمس الدين، وبناء عليها يتم التحرك لدى الجهات القضائية المعنية في كل دول أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية. وهو سلاح يجب استخدامه في معركتنا العادلة لاستعادة حقوقنا التي يحاول الإسرائيليون تزييفها في ظلِّ غياب الجهات التي تتولى تصحيح الصورة، والرد على كل ما ينشر، وملاحقة كل من يتعمد الإساءة والمساس بنا كأمة عربية إسلامية.

ويضيف المستشار محمد مجدي مرجان أن المشكلة التي ستواجه من يحاولون إقامة مثل هذه الوحدات هو التمويل، ومن الممكن تنظيم حملات للتبرع ودعوة الأثرياء العرب للتضامن ودعم مثل هذا المشروع.

فخ إنابة القضاء المصري

أما "مكرم محمد أحمد" -نقيب الصحفيين الأسبق، رئيس تحرير مجلة المصور- فقد حذَّر من فخ إنابة القضية إلى القضاء المصري؛ لأن ذلك يُعَدّ تمهيدًا لحملة أخرى بعد ذلك لتشويه القضاء والعدوان عليه على غرار ما حدث في القضية الأساسية التي لم تستهدف أشخاصًا بعينهم بقدر استهدافها أي صاحب رأي أو فكر ينتقد تصرفات إسرائيل.

ويقول مكرم محمد أحمد: إن مسألة تأسيس مكاتب أو لجان تتولى متابعة ما يكتب في الصحف الإسرائيلية أصبحت قضية أساسية، بشرط أن تقوم بها جهات غير حكومية ومنظمات أهلية تكون مهمتها متابعة ما تنشره وسائل الإعلام الإسرائيلية والغربية عن مصر أو العرب أو المسلمين بشكل عام، خاصة بعد 11 سبتمبر 2001م الذي كان بمثابة الضوء الأخضر لإلصاق أي تهمة بالعرب والمسلمين في كل مكان، وحوَّلهم إلى أشخاص مستهدفين أينما ذهبوا، وهذا في حد ذاته جريمة ونوع من العنصرية التي يجب التصدي لها.

يضيف مكرم محمد أحمد أن هيئة الاستعلامات المصرية لديها وحدة لمتابعة وتوثيق ما يُنشر في معظم صحف العالم، وهي جهة حكومية، ومطلوب إنشاء منظمات مماثلة غير حكومية؛ لأن الاستعلامات ترفع تقاريرها إلى الجهات الرسمية؛ حيث يحرص الرئيس المصري "مبارك" في كل زياراته للولايات المتحدة وأوروبا أن يصطحب معه هذا التقرير الذي يقدمه لكل من يتحدث معه عما تنشره الصحف المصرية عن إسرائيل واليهود، ويزعمون أنهم ضد السامية، بينما يتجاهلون أننا -كعرب- ساميون.

وفد الحاخامات.. تبادل الملفات

ويؤكد نقيب الصحافيين الأسبق أن كبار المسئولين في إسرائيل.. يجاهرون علنًا بعدائهم للعرب، ويطالبون بقتلهم.. فلا تنسَ الوزير "زائيفي" الذي قُتل على أيدي مجهولين؛ فقد كان يعلن معاداته لكل شيء عربي، ويحرض على طرد العرب من فلسطين، وجميع الأحزاب الدينية المتطرفة بإسرائيل تضع في برامجها فقرات وأهدافًا سياسية تقوم على معاداة العرب، والتحقير من شأنهم، بل المناهج التعليمية والفنون الثقافية الإسرائيلية قائمة على العداء للعرب، والاستعلاء عليهم، والتقليل من شأنهم. وكلها جرائم عنصرية يتم التغاضي عنها، فضلاً عن القتل والمذابح والمطاردة والملاحقة التي تقوم بها قوات الاحتلال الإسرائيلي ضد أصحاب الأرض الآمنين.. أليس هذا هو الإرهاب والعنصرية بعينها؟!

ويذكر مكرم محمد أحمد أنه أثناء توليه منصب نقيب الصحفيين المصريين جاء وفد من الحاخامات إلى مصر، وقابل الرئيس المصري مبارك، وعرض عليه شكوى مما يُكتب في الصحف المصرية ضد إسرائيل، وقد أرسلهم لي الرئيس، فقمت بدوري بتسليم كل واحد منهم ملفًا بالمقالات والرسومات التي نُشرت في الصحف الإسرائيلية ضد مصر، وتسخر من المصريين بشكل لا يمكن قبوله، وقلت لهم جملة واحدة: "لا يوجد حب بالقوة"، والتطبيع في العلاقات لا يمكن فرضه على الشعب المصري بقرار حكومي.

ويقترح محمد أحمد أن تتم دعوة الأمانة العامة لمؤتمر ديربان من خلال منظمات حقوق الإنسان المصرية والعربية لعقد جلسة خاصة لوضع الضوابط القانونية التي تحكم عملية الملاحقة القانونية حتى لا يكون ذلك على حساب حرية الرأي والانتقاد التي هي أساس العملية الصحفية.

ويتفق "حافظ أبو سعدة" الأمين العام للمنظمة المصرية لحقوق الإنسان على أن المهمة القادمة لمنظمات المجتمع المدني يجب أن تنصب في هذا الاتجاه بالتعاون مع المنظمات الدولية التي تحرص على عدم الخلط بين حرية الرأي والملاحقة لأصحاب الرأي والأقلام لأهداف سياسية تحترم دولاً أو أغراضًا معينة.

وأضاف أبو سعدة أن المنظمة المصرية تقدمت بالفعل بمذكرة عاجلة إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان؛ للمطالبة بإلغاء جميع النصوص القانونية التي تتعارض مع حرية الرأي والتعبير الموجودة في قوانين بعض الدول الأوروبية.

وأضاف أبو سعدة أنه باعتباره يشغل منصب نائب رئيس الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في جنيف.. فإن معظم المنظمات العربية لحقوق الإنسان بدأت في التنسيق لمواجهة المحاولات الرامية لتكميم أصحاب الرأي والفكر في العالم العربي.

بريطاني: العنصرية الإسرائيلية تزيد

وعلى الجانب الآخر يرى أندروهومند -مراسل بريطاني يعمل في تغطية أحداث الشرق الأوسط، ويتنقل بين القاهرة وتل أبيب- أن القضية الأخيرة هي واحدة من محاولات اللوبي المؤيد لإسرائيل في أوروبا لإسكات أي صوت يحاول كشف ما ترتكبه إسرائيل من مخالفات جسيمة ضد حقوق الإنسان، وتتعارض مع كافة الأعراف والقوانين الموجودة في أوروبا، خاصة أن الانتفاضة الفلسطينية كسبت أرضًا ومعارك كثيرة على مستوى الرأي العام الأوروبي الذي بدأ يميل إلى التعاطف مع مرتكبي العمليات الاستشهادية ضد المستوطنين الذين يحتلون الأرض الفلسطينية؛ حيث إن أي محايد لا يمكن أن يصف ما ترتكبه القوات العسكرية الإسرائيلية ضد المدنيين في الأراضي المحتلة.. بأقل من أنه إرهاب دولة وعنصرية مرفوضة في أوروبا؛ ولذلك فإن محاولة جرجرة الصحفيين المصريين للمحاكم عملية مدبرة ومخطط لها بدقة من جانب إسرائيل والمتعاطفين معها في أوروبا.

وحول إمكانية استخدام العرب نفس الأسلوب يرى أندروهومند أنه من خلال متابعته لما يُنشر في الصحف المصرية.. فإن حجم العنصرية 10%، بينما في الصحف الإسرائيلية تزيد على 50%، وإذا نظرنا إلى تاريخ إسرائيل كدولة محتلة حاربت وقتلت الآلاف من أبناء الشعب المصري.. فسيكون حجم العداء المصري لإسرائيل منطقيًّا، أما العكس وما يحدث داخل المجتمع الإسرائيلي تجاه العرب فهي العنصرية الحقيقية؛ ولذلك فمن الممكن مقاضاة الكُتاب الإسرائيليين بسهولة، والصحف الإسرائيلية مليئة بالعنصرية، ولكن المشكلة فيمن يتبنى هذا التوجه داخل أوروبا.. لا بد أن يكون ممثلاً للمجتمع المدني وليس منتميًا لتيارات الإسلام السياسي لحساسية هذا الأمر بالنسبة للأوروبيين، والأفضل أن تقوم بها جهات غير حكومية تمثل المجتمع المدني ومنظمات مثل "الجامعة العربية".

ويؤكد المراسل البريطاني أنه من السهل فتح جبهة من هذا النوع على إسرائيل وجرائمها في أوروبا لا الولايات المتحدة، خاصة أن الأوروبيين هم الأقرب جغرافيًّا وتاريخيًّا، وهم مُلمون أكثر بجذور القضية الفلسطينية. ويلاحَظ أن هناك رعبًا في الجيش الإسرائيليين وبين المسئولين الإسرائيليين من احتمالات منع دخولهم إلى أوروبا مستقبلاً أو ملاحقتهم جنائيًّا على المذابح الجماعية التي يرتكبونها بحق المدنيين في الأراضي المحتلة.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم