|
من 5 صحف فقط لا يزيد عدد نسخها اليومية على 100 ألف كانت تصدر لأكثر من 25 مليون عراقي أصبح هناك ما يزيد عن 90 صحيفة تصدر في عراق ما بعد انهيار نظام صدام حسين، وبدلا من أجواء القهر والكبت التي كانت تعيشها الصحافة العراقية انقلب الحال، وتهدَّم الجدار، ولكن ليترك فوضى عارمة؛ هي لا شك فوضى المحرومين من الحرية الذين طال جوعهم.
تنويعات على نغمة واحدة!
في حكم النظام البعثي كانت أربع من خمس صحف يصدرها النظام تنطق بصوت واحد، وبتوجهات موحدة وحازمة، إلى الحد الذي يتعذر على القارئ التمييز بين واحدة وأخرى إلا من خلال أسمائها. كلها كانت تحمل في صدر صفحاتها الأولى يوميا صورة للرئيس العراقي السابق صدام حسين حتى لو لم يقترن ذلك بأي نشاط للرئيس. وبات ذلك تقليدا ثابتا يعتبر التصرف به من المحرمات. ناهيك عن تطابق المانشيتات والعناوين الرئيسية والأخبار. ولا عجب في ذلك إذا ما علمنا أن الإعلام كان موجها ومركزيا يتقيد بتعليمات صارمة تصدر مباشرة عن مكتب رئيس الجمهورية، ولا تملك أي جهة مهما كان مستواها في الدولة أي هامش للتصرف أو التغيير.
صحافة النظام السابق
|
| الشارع امتلأ بالصحف |
الصحف الرسمية الأربع كانت "الثورة" وهي جريدة حزب البعث الحاكم. وجريدة "الجمهورية" وهي الناطقة بلسان الدولة. و"القادسية" وهي جريدة القوات المسلحة، وقد تأسست إبان الحرب العراقية الإيرانية.. وجريدة "العراق" وهي ناطقة بلسان الأحزاب الكردية الموالية للحكومة .
أما الصحيفة الخامسة "بابل" فكانت تنفرد بنشر الأخبار المحرم نشرها في بقية الصحف.. وتملك جرأة الخروج على نمطية التوجيهات المركزية؛ لأن صاحبها هو "عدي" النجل الأكبر للرئيس السابق صدام حسين، وكانت وحدها القادرة على نقد أو شتيمة أي مسئول مهما كان رفيعا في الدولة عندما لا يروق لرئيس التحرير، بل وغالبا ما كان التعرض لذلك المسئول إشارة تمهد للإطاحة به.
وهكذا فإن وسائل الإعلام المقروءة والمرئية والمسموعة في البلاد كانت مكرسة بالكامل لأغراض الدولة الداخلية والخارجية، وتنطوي على ذات الخطاب السياسي للنظام .
وشهدت الصحف اليومية تراجعا كبيرا في مبيعاتها، ليس بسبب اعتبارها آلة الدعاية المباشرة للنظام ولرئيسه على وجه التحديد، وإنما نتيجة مضاعفة أسعارها مرات عديدة؛ فقد كان سعر النسخة الواحدة من أي صحيفة يومية يبلغ "5 دنانير" حتى عام 1997، بينما ارتفع إلى 25 دينارا، ثم 100 دينار، ثم 250 دينارا عام 2000، لم يكن لهذا الارتفاع غير المنطقي أي تبرير؛ حيث لا تغير في أبوابها ولا زيادة في عدد صفحاتها، فاضطرت مثلا الصحيفة الرسمية للدولة (الجمهورية) أن تخفض كميات الطبع إلى "20" ألف نسخة، فيما كانت تطبع أكثر من "150" ألف نسخة يوميا، كما اضطرت صحيفة الحزب الحاكم (الثورة) إلى خفض كميات الطبع من "200" ألف نسخة إلى "25" ألف نسخة، وشمل التراجع الصحيفة الأسبوعية الوحيدة في البلاد "ألف باء"؛ حيث كانت تطبع ما يقرب من "180" ألف، ثم تدنت الكمية إلى "20" ألف نسخة .
ويقول أحد باعة الصحف على قارعة الطريق (السيد حسن أسود): من يشتري الصحف بشكل أساسي هو الموظف، وإذا ما أقدم على شراء صحيفة أو المجلة الوحيدة الأسبوعية فإن عليه أن يدفع ثلثي راتبه الشهري، ويضيف: أن المرء لا يجد شيئا في الصحف؛ فهي لا تتحدث عن همومه، ولا تعرف مطالبه باستثناء حقل "الشكاوى" الذي يتضمن ردودا مسبقة من الدوائر المشكو منها.. وتدني مستوى الاهتمام بالصحف وما تنشره إلى حدود لم تصلها في أي فترة من فترات العراق المظلمة.
صحف.. للأكل!
ويروي أحد ضباط التوجيه السياسي -وهي الجهة المعنية بالتوعية السياسية والإعلامية في الجيش العراقي التي كانت معنية أيضا بتوزيع الصحف اليومية وترويجها مجانا على أوسع نطاق في الجيش- أن الرئيس السابق صدام حسين كان يزور الوحدة العسكرية التي ينتمي إليها، وكانت ترابط قرب الحدود مع إيران، فسأل بنفسه أحد الجنود: هل تصل إليكم الصحف اليومية؟ فأجاب الجندي بسرعة وعفوية: لا سيدي.. نحن نأكل على الأرض منذ فترة طويلة، ضحك الرئيس السابق لإجابة الجندي؛ حيث أدرك أن الجنود كانوا يستخدمون الصحف لأغراض الآكل وذلك بفرشها على الأرض، وليس للقراءة أو المتابعة .
من 5 إلى 90!
بعد الاحتلال الأمريكي البريطاني للعراق في 9 نيسان/إبريل 2003 وإثر سقوط بغداد في أيدي قوات الاحتلال.. ازدحمت أرصفة باعة الصحف، وتناثرت العناوين على مساحات شاسعة من الأرض، وامتلأت بالألوان والصور على اختلاف أنواعها.
يشير موزع رئيسي للصحف -وهو حسين جاسم طه- إلى أن عدد هذه الصحف بلغ حتى الأسبوع الثالث من شهر يونيه 2003 أكثر من 90 صحيفة، بينها صحف يومية، وأخرى أسبوعية، ثم نصف أسبوعية وشهرية، وكذلك صحف تصدر بين يوم وآخر، وتتداخل اختصاصات ولافتات كل واحدة من هذه الصحف؛ فبعضها يصر على أنها مستقلة عامة، والبعض الآخر تنطق باسم الجهات التي تمولها وتقف وراء صدورها؛ ففي المرتبة الأولى تأتي الصحف التي تنتمي إلى الأحزاب والتيارات السياسية المعلنة في العراق -كما يقول طه- وفي المرتبة الثانية تأتي صحف تحمل أسماء أصحاب امتياز سابقين كانوا يصدرونها في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي .
ولا ينظم شئون هذه الصحف على اختلاف أنواعها وإحجامها ومشاربها وأهدافها قانون، كما يقول مدحت الربيعي، مدير الشؤون القانونية في وزارة الإعلام الملغاة .
بين الدين والسياسة
|
| رغم الاختلال الصحف تتزايد |
وإذا كانت الصحف التي تنطق باسم الأحزاب والحركات السياسية تحتل المرتبة الأولى من حيث تاريخ صدورها -أي الإعلان عن نفسها في الشارع- فإن هناك صحفا تنتمي لمنظمات دينية مقرها العراق بينما هي تدين بالولاء للثورة الإيرانية.
وتكشف الصحف الدينية عن عمق الخلاف بين المنظمات والتيارات التي تنتمي إليها برغم أنها جميعا تدين بالولاء للمذهب الشيعي .
أما جماعة المذهب السني فلا وجود لصحيفة واحدة تمثلهم أو تعبر عن وجهة نظرهم، وليس ثمة أي أسباب تحول دون صدور صحف عن ذلك المذهب، إنما يعود الأمر إلى رجال السنة أنفسهم، حيث كانت تصدر عنهم أو عن مجموعة منهم مجلة شهرية تدعى "الفتوى"، وتطبع بحدود 8 آلاف نسخة في ظل نظام صدام حسين ودعم حكومته لها. ولم تعاود الصدور الآن نظرا لارتباط القائمين عليها من رجال الدين مع النظام السابق.. ومن أبرز الصحف ذات الصبغة الدينية التي ظلت تصدر حتى قبل سقوط نظام صدام ببضعة أشهر وفي ظل رقابة صارمة ومشددة ثم استأنفت صدورها بعد سقوطه مجلة "الكوثر"، وهي نصف شهرية اكتسبت أهميتها من خلال بساطة تناولها لشؤون الشيعة وتركيزها على "آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم"، من غير تطرف أو تعرض للمذاهب الأخرى، وبذلك صارت المجلة الأوسع انتشارا؛ حيث تبلغ كمية المطبوع منها حدود 30 ألف نسخة يقبل على شرائها الشيعة والسنة على حد سواء .
ويقول رئيس تحرير الكوثر عادل ناجح البصيصي: إن مجلته تعتمد بصورة قاطعة على مبيعاتها، ولا تمولها أي جهة كانت، كما أنها لا تنتمي لأي طائفة أو مرجعية برغم طابعها الشيعي الواضح؛ حيث تصدر في مدينة النجف الأشرف، ويجري تحريرها وإعدادها للطباعة هناك .
يؤكد كثير من باعة الصحف اليومية والأسبوعية والشهرية أن كثيرا من المطبوعات التي تصدر عن المراجع الدينية -ربما باستثناء مجلة مثل الكوثر- يشهد تراجعا في مبيعاتها، وتقابل بفتور واضح من القراء؛ بسبب غلو بعضها في تناول الرموز الشيعية والتركيز على رجال الدين البارزين من الشيعة بمناسبة وغير مناسبة؛ وهو ما جعلها مكررة ومملة أحيانا.
لقد زاد في انحسار الصحف ذات الطبيعة الدينية اتجاه صحف أخرى (مستقلة وعامة) إلى تناول الأحداث والرموز الشيعية بصورة واسعة، وكأنها مثلما يقول "سبتي خضير" -وهو أحد الموزعين البارزين- ترويج وإعلان عن تلك الصحف لجذب الانتباه إليها ولأغراض تجارية فحسب.
ويوضح سبتي خضير أن الصحف ذات الصبغة الدينية والتي تتماشى مع هذا الخط بهدف الرواج والانتشار لا تزيد كمياتها عن 5 آلاف نسخة، ومعظمها تطبع بثلاثة آلاف نسخة، غير أن المرجوع منها يقدر بـ 50%
أما الصحف اليومية والأسبوعية المستقلة فليس هناك استقرار في كمية طباعتها؛ حيث إن الصحيفة التي يقل ثمنها عن 250 دينارا تبيع أكثر من 3 آلاف نسخة في أحسن الأحوال، وهي تعتمد على عنصر الإثارة في العناوين والأخبار أو الصور شبه العارية.. وهناك صحف تصدر هذا الأسبوع لتتوارى عن الأنظار في الأسبوع التالي ثم تظهر بعد بضعة أيام باسم آخر .
أسماء مسروقة
التقيت حسين السامرائي -مدير عام شركة الروابط للنشر والتوزيع، وهي إحدى 3 شركات من القطاع الخاص في البلاد- الذي أكد أن هناك مشكلة قانونية تتمثل في أن بعض الصحف التي صدرت مؤخرا بأسماء صحف معروفة في الأزمنة السابقة مثل صحيفة "الزمان" اللندنية بطبعتها العراقية تواجه اعتراضات حادة من أبناء وأحفاد أصحاب الامتياز للصحف القديمة، ويهدد هؤلاء باللجوء إلى القانون الذي يحرم استخدام نفس الأسماء والعناوين من قبل الغير.
وتعد صحيفة "الزمان" من بين الصحف الرائجة في العراق، رغم أن كمية الطبع لا تزيد على "15" ألف نسخة لكل العراق، إلى جانب صحيفة "الساعة" التي يصدرها الداعية الإسلامي الشيخ "أحمد الكبيسي" المقيم في الإمارات، و"الاتحاد" التابعة للاتحاد الديمقراطي الكردستاني والتي تطبع بكميات متقاربة؛ فإن رواج الأخيرة وانتشارها الواسع يعود بالدرجة الأساسية إلى سعر النسخة الذي لا يتجاوز "150" دينارا.
صحف.. بلا ثمن!
ويؤكد السيد السامرائي أن هناك صحيفتين تطبعان كميات كبيرة تصل إلى 50 ألف نسخة، إلا أنهما توزعان بسعر منخفض وبدون مقابل في أغلب الأوقات.. إذ تقوم قوات التحالف التي ترابط في مداخل ومخارج الطرق العامة بتوزيع هاتين الصحيفتين مجاناً برغم أنهما تشيران أسفل العنوان أنهما من الصحف المستقلة؛ الأولى هي "الصباح" التي تطبع ملونة، وتتصدر صفحتها الأولى أخبار قوات التحالف، أما الثانية "سومر" فهي تعبر عن ذات التوجه السياسي في مقالاتها وتحليلاتها.
كما تشرف القوات الأمريكية على إصدار صحيفة أسبوعية باسم "العراق اليوم" توزع مجاناً، وتصدر باللغتين العربية والإنجليزية، وتروِّج للمفاهيم والأفكار التي تطرحها القيادة العسكرية الأمريكية.
ويتوزع على الصحف التي تصدر في العراق الآن صحفيون عمل معظمهم في صحف النظام السابق ولا سيما المحترفين منهم.. بينما ظلت الأسماء المعروفة التي تولت مواقع قيادية في نظام صدام معتكفة وبعيدة عن جو الصحافة الآن، ويرجع اعتكاف بعضهم لأسباب إيديولوجية، والبعض الآخر احتراما للنفس واعتدادا بالموقف الاجتماعي .
ومن جهة أخرى فإن بعض الموسرين قد توهموا أن تجارة الصحف ستدر عليهم أرباحا كبيرة.. كما أن بعض المغامرين الذين يدخرون المال قد استهوتهم فكرة إصدار صحيفة يومية تبدأ مرة في الأسبوع، ثم يستعصي عليهم الاستمرار في الأسبوع الثاني لنضوب المادة الفكرية التي بحوزة منفذي الصفحات، أو بسبب الخسارة الفادحة للعدد الأول الذي لم تصل مبيعاته إلى 200 نسخة بينما هو مطبوع بخمسة آلاف نسخة.
مستقبل مجهول
هذا هو مناخ الصحف والصحافة في العراق حتى اليوم؛ فهو إفراز طبيعي للكبت والرقابة الفكرية التي ظل خطابها السياسي يتردد لأكثر من 30 عاما، وفي جانب آخر هو المناخ الطبيعي لحرية الرأي التي ظلت تنشدها كل الأحزاب والقوى الفاعلة.. لكن هناك شكا في أن هذا المناخ سيعمر طويلا، في ظل ما تردد عن إجراءات تعسفية هددت قوات الاحتلال باتخاذها تجاه الصحافة والصحفيين، ولكن إلى أن يحين موعد تنفيذ هذه الإجراءات العقابية تبدو تجربة الانتشار الواسعة في عناوين الصحف على النحو الجاري آخذة في الأفول مرة بسبب الظروف الذاتية لكل صحيفة وللقائمين عليها، وأخرى بسبب عدم توفر الدعم المالي لاستمرارها في الصدور، وأخيرا بسبب منافسة الصحف المدعومة والممولة من حيث السعر والإمكانات المهنية والتقنية.
|