|
تُعَدّ قناة المنار اللبنانية التابعة لحزب الله أكثر القنوات التي تسببت في "صداع مُزمن" في رأس إسرائيل التي أعدت عددًا من الدراسات الإعلامية لكيفية مواجهة هذه القناة التي باتت -على حد وصف صحيفة هتسوفيه- أكثر القنوات العربية نجاحًا في بث الخوف لدى الشعب الإسرائيلي والمهاجرين اليهود. لدرجة جعلت مركز "سياسة الشرق الأدنى" - وهو مؤسسة بحثية موالية لإسرائيل في واشنطن- تُكلف الكاتب اليهودي "آفي جوريتش" بتأليف كتاب عن المنار.
وقد تم افتتاح الخدمة العبرية في قناة المنار اللبنانية التابعة لحزب الله في شهر مارس عام 2000، واعتمدت هذه الخدمة في مضمونها على بث برامج وأكلاشيهات باللغة العبرية تهدف إلى دعم الحق العربي والإسلامي في استرداد الأرض ودحر الاحتلال الإسرائيلي.
وفي يوليو 2000 قرّر حزب الله أن يبدأ بث برامجه كلها عبر الأقمار الصناعية ليغطي المنطقة العربية وأوروبا، وبالتالي أصبحت رؤية الإسرائيليين أنفسهم لمواد القناة أكثر من ذي قبل. إضافة إلى يهود العالم في الدول الأوروبية وفي الولايات المتحدة، لكن حزب الله كان قد بدأ تجربة بث مواد إعلامية بالعبرية لأول مرة قبل افتتاح القناة وذلك في إبريل 1996 عندما شنت إسرائيل هجومًا على الجنوب اللبناني، فقام الحزب عبر إذاعة النور المملوكة له والتي تصل إلى آخر نقطة للجنوب الإسرائيلي ببث رسائل تهديد بالعبرية للشعب الإسرائيلي كان لها أثر في إثارة الخوف داخل الإسرائيليين.
ويعمل في البث العبري فريق مكون من خبراء الإعلام والشئون الإسرائيلية يتولى الإعداد للبرامج باللغة العبرية والإشراف عليها بهدف ممارسة الحرب النفسية على الإسرائيليين.
وتهدف برامج المنار الفضائية المُقدمة بالعبرية إلى التركيز على تناقضات المجتمع الإسرائيلي وإثارة النقمة على السلطة.
وتسير المنار في تغطياتها في اتجاهين متوازيين: الأول يعتمد على عرض القضية بمنطق الضحية، فتركز على رصد معاناة الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة. أما الثاني والذي سبب أزمات كبيرة داخل المجتمع الإسرائيلي فيعتمد على التوجه المباشر إلى الإسرائيليين بالترهيب والتخويف من مصير الموت الذي ينتظرهم، وفي هذا الصدد تؤكد صحيفة هاآرتس في دراسة حول دور الإعلام العربي في الصراع العربي الإسرائيلي أن المنار: "لعبت دورًا كبيرًا في التأثير على جنودنا قبل الانسحاب من الجنوب اللبناني 24-5-2000 عندما نقلت لجنودنا الشعور بأن الموت سيلاحقهم واحدًا تلو الآخر في جنوب لبنان، ونجحت في استخدام لقطات حية مؤثرة على كل إسرائيلي بفضل حشدها لخبراء في مجال اللغات والتكنولوجيا وتجنيدها لمصورين بارعين". واستدلت هاآرتس على ذلك باللقطات التي يصرخ فيها عدد من الجنود الإسرائيليين مُطالبين قادتهم بالانسحاب الفوري من جنوب لبنان خوفًا من الموت، مُضيفة أن أشهر اللقطات تأثيرًا على المواطنين الإسرائيليين من قبل قناة المنار هي تلك اللقطة التي يظهر فيها أحد المهاجرين اليهود بعد إحدى العمليات الاستشهادية الفلسطينية مُستندًا على الحائط في موقع العملية والدماء تنزف من وجهه صارخًا بأنه سيعود لبلده الذي أتى منه، رافضًا كل ما يقال عن أرض الميعاد المزعومة.
ولكن تظل المشكلة في صعوبة وصول القناة للمشاهد الإسرائيلي، حيث لا يمكن التقاطها إلا عن طريق "الدش"، بينما يظل نظام الكوابل هو السائد في إسرائيل.
صوت داود
في 11 يونيو 2002 وبعد مراقبة دقيقة للتجربتين المصرية والسورية خرجت وزارة الإعلام الإيرانية ببثها العبري المعروف باسم "صوت داود"، وبدأ البث بساعتين يوميًّا مباشرة من 6 : 8 مساء، وتم إسناد مهمة البث لنائب رئيس الإذاعة والتليفزيون للبرامج الخارجية محمد سرافراز الذي عمل على تلافي أخطاء البث المصري والسوري، فقد عمد إلى مخاطبة اليهود في الكيان الصهيوني، وركز على مشروع السلام الذي طرحه قائد الثورة الإسلامية "علي خامنئي" القائم على عودة اللاجئين وإجراء استفتاء يشارك فيه جميع سكان فلسطين الأصليين لاختيار النظام الذي يريدونه. كما اهتم صوت داود بتوضيح الاختلاف بين اليهودية والصهيونية، بل وشرعت في بدأ حوارات مع عدد من اليهود المعارضين للصهيونية، وهو ما كانت قد كشفت عنه صحيفة هاآرتس الإسرائيلية.
نال البث الإيراني رضا واستحسان المواطنين الإسرائيليين ربما بسبب البداية القوية التي بدأ بها البث تجربته عندما افتتح الحاخام "منوتشهار ألياسي" أحد قادة الجالية اليهودية في إيران البث بإلقائه كلمة الافتتاح، علاوة على أن البث الإيراني ضم اليهودي "أمير باهستي" يهودي الديانة أشهر مقدم للنشرات العبرية، ومعظم القائمين عليه من يهود إيران الذين يجيدون العبرية إجادة تامة، ولديهم القدرة على توصيل الرسالة الإعلامية.
وتصف هاآرتس البث الإيراني بأنه عدواني في غالبيته، لكنه يتمتع بالواقعية في معظم مواده، مُشيرة إلى أن نجاح الإيرانيين نابع من تحديد هدف رسالتهم الإعلامية وهي تشويه صورة الصهيونية، والتعاطف مع اليهودية التي يعترف بها الإسلام؛ لذلك لم يكن مُستبعدًا أن يلجأ الإيرانيون إلى الاهتمام بأخبار حركة "ناطوري كارتا" اليهودية التي ترفض الدولة العبرية الحالية وتتهمها دومًا بأنها دولة عنصرية قامت على أيدي عصابات الصهيونية وليس لها علاقة باليهودية.
ومن أهم مميزات صوت داود -كما أشارت إليها هاآرتس- خط الاتصال المباشر بينها وبين المستمع الإسرائيلي من خلال برامج التواصل عبر الهاتف لاستقبال ردود فعل المستمعين الإسرائيليين أنفسهم، إضافة إلى نوعية البرامج التي تصل يهود إيران بذويهم في إسرائيل.
ويبدو أن القائمين على الخطاب الإعلامي في هذا البث يدركون طبيعة المجتمع الإسرائيلي ونوعية محطاته الموجهة؛ لذلك فهم يستخدمون مصطلحات تسري بسهولة في ذهن الإسرائيليين ويكسبون من خلالها أرضية ومصداقية لدى المستمع الإسرائيلي. فيطلق -مثلاً- على الفلسطيني الذي يقوم بتفجير نفسه في إسرائيليين "مُنفذ العملية"، وهو "الاستشهادي" حسب المصطلح العربي، و"الانتحاري" حسب المصطلح الإسرائيلي، وهذا سيجعلهم مستقبلا ينجحون في ترسيخ العديد من المصطلحات بشكل خفي في ذهن المستمع الإسرائيلي بعد أن اعتقد هذا المواطن الإسرائيلي بأن البث واقعي وذو مصداقية.
اقرأ في الموضوع:
|