|
مات الملك.. أو بمعنى أصح، قتله ابنه وولي عهده قبل أن يحقق حلمه ويقيم ديمقراطية حقيقة في البلاد؛ ولأن الملك الابن يعرف مسبقا أن الشعب لا يحبه ولا يريده ولن يتقبله بسهوله فقد أعاد المصارعة الرومانية إلى ساحات روما الكبرى وأشرف عليها رجال بلاطه، بعد أن كانت محرمة وممنوعة بقرار من الملك الحكيم الراحل.
إنها حيلة في منتهى الذكاء، ولعبة أهم قواعدها القتال حتى الموت، يتقاتل البشر بلا أية آدمية، ومن يقتل الآخرين هو وحده الذي يحمل اللقب وينال رضى الجماهير وهتافاتهم.
رأينا ذلك في فيلم المصارع، وتعاطفنا مع نجمه "راسل كرو" الذي تحول من قائد للجيوش إلى مجرد عبد يصارع حاملا اسم الأسباني وتلك هي الطريقة التي يستخدمه بها سيده، حتى يعرف الملك هويته وتعرفها الجماهير فيقرر الملك الابن إكمال اللعبة بنزوله بنفسه إلى ساحة السباق.
تتكرر اللعبة نفسها الآن!
تتكرر المصارعة الرومانية بصيغة أقل قسوة ظاهريا، وتلك بالضبط هي مفاتيح برامج اكتشاف النجوم التي تقوم بالأساس على فكرة تكسير العظام أو الصعود على جثث الآخرين، فيما الجمهور يتفرج وهو في منتهى الحماس والثورة، وتزيد حماسته وثورته -وبالتالي يزيد ما يدفعه- كلما زادت سخونة المنافسة، وكلما زادت مأساوية القضاء على منافسي من وقع الاختيار عليه.
في ساحة المصارعة.. الفضائية!
على هذا الوتر لعب برنامج ستار ميكر، الذي أعطي فيه الضوء الأخضر لأعضاء لجنة التحكيم ليكونوا في منتهى القسوة مع المتسابقين، وقد يسمح لهم بتسفيههم والسخرية منهم عبر التعليق على الشكل أو طريقة الأداء أو الحركة على خشبة المسرح، ورغم إدراك الجمهور بأن الوزن الزائد أو الناقص وأن الرقص أو الوقوف في وضع الثبات لا علاقة له بموضوع المسابقة الذي يفترض أنه الصوت، فإن الجمهور -وفق دراسات محكمة- ينسحب وراء تلك اللعبة، مهما كانت تبعاتها ومهما كان الأثر النفسي السيئ الذي تخلفه لدى متسابق سخرت لجنة التحكيم من هيئته أو من تكوينه الجسدي!
من هذا الفخ المدروس أفلت برنامج أستوديو الفن الذي قنع صانعه سيمون أسمر بما سيتحقق له مستقبلا نتيجة سيطرته واحتكاره للأصوات التي تخرج من عباءته، فكانت قرارات لجان التحكيم شبه سرية، فقط كانت هناك نتيجة يتم الإعلان عنها في النهاية، وتفسير ذلك يرجع -كما قلنا- إلى عدم اعتماد صانع البرنامج للعبة توريط الجمهور، تلك اللعبة أو النظرية التي أقامت على أساسها شركة (free mental media) برنامج سوبر ستار الذي اشتراه منها تليفزيون المستقبل.
"إن نجاح المطرب سيكون مضمونا لو أن الجمهور نفسه هو الذي تورط في اختياره، والبرنامج سينجح لو اهتم الجمهور بما يكفي بالمتسابقين".
تلك هي المقولة التي جاءت على لسان سيمون كويل المغني البريطاني المعروف وصاحب فكرة البرنامج الأصلي، والتي التزم بها هناك وحاول البرنامج هنا أن يلتزم بها قدر استطاعته.
الالتزام بهذه النظرية جعل البرنامج البريطاني يحظى بـ14 مليون مشاهد و9 ملايين مكالمة تليفونية، أما عن الطريقة التي يتم بها توريط الجمهور فهي صيغة مدروسة مما أراد صانعو ستار ميكر أن يفعلوه لتسخين برنامجهم.
لكي تنجح ورط الجمهور
الطريقة تكمن في إعطاء أعضاء لجنة التحكيم موافقة غير مشروطة بأن يكونوا قساة إلى أقسى درجة على المتسابقين، وألا يترددوا في توجيه الانتقادات الحادة لهم أمام الجمهور، وليست هناك مشكلة لو وصل الأمر حد السخرية منه أو إهانته، ومن هنا تتولد رغبة لدى الجمهور إما بكراهية أعضاء لحنة التحكيم أو حبهم، وفي الحالتين فإنه سيكون مجبرا على التفاعل والمشاركة، وهكذا يكون صانعو البرنامج قد نجحوا في توريطه، ولا عزاء للضحايا أو المتسابقين الذين استشعر علماء نفس بريطانيون حجم المأساة التي قد تسببها لهم مثل هذه البرامج فبدءوا يجرون دراساتهم ويوجهون للمتسابقين نصائحهم، والتي كان أهمها: "لا تعط لأحد فرصة إهانتك أمام الجمهور، وإن حدث ذلك فقم على الفور وبأعصاب باردة برد الإهانة، لأن سكوتك يعني تدميرا لأعصابك ويعني مشاكل نفسية مزمنة لن تستطيع علاجها فيما بعد".
هذا ما يمتاز به برنامج سوبر ستار وما جعله مثار اهتمام الشارع العربي والشعوب العربية التي وجدت نفسها مقحمة في لعبة القرار والاختيار وهو ما يفتقده العرب في كافة الأصعدة، لقد أتاح لهم البرنامج اختيار مطربهم المفضل بأنفسهم وليس عبر لجنة تحكيم كما هو معتاد في مثل هذه المسابقات، فضلا عن الحملة الإعلامية المدروسة التي سبقت انطلاق البرنامج من بيروت مروراً بدبي ودمشق والقاهرة والعديد من العواصم العربية.
سياسة استلاب الجمهور
هل اتضحت الصورة أكثر؟
وهل وضح الشبه بين تلك البرامج التي تهدف بالأساس إلى توريط الجمهور والاستحواذ على اهتمامه وعلى ما في جيبه، وبين المصارعة الرومانية التي أراد بها الملك في فيلم المصارع أن يلهي الشعب عن ديكتاتوريته وعن فشله في إدارة البلاد؟
لتتضح الصورة أكثر تعالوا نقترب أكثر مما حدث في سوبر ستار.
منذ شهرين تقريبا تعرض تليفزيون المستقبل اللبناني لهجوم بالقذائف من سيارة عابرة، مما أسفر عن تحطم جزء من المبنى والأستوديوهات، ورغم استنكار جميع القوى السياسية اللبنانية للحادث فإن مظاهرة واحدة لم تخرج للشارع ولو من خمسة أفراد!!
وقبل نهائي سوبر ستار بأسبوع ظلت الكهرباء تنقطع عن بيروت الأمر الذي جعل ساكني المدينة يعيشون جحيما في صيف لا تطاق حرارته، ولم يعترض أو يتظاهر أو يكلف أحد نفسه عناء الاحتجاج أو الرفض!
وفيما كانت الحلقات مستعرة، كانت الغارات الجوية الصهيونية تحلق فوق لبنان، ولم يهمس أحد، ولم يخرج طفل إلى الشارع للتنديد به.
لكن عشرات الآلاف من الشباب خرجوا في مظاهرات صاخبة ضد "المؤامرة" التي تعرض لها ملحم زين، بعد أن ساد شعور لبناني عام بأنه لم يكن ليحرم من لقب "سوبر ستار" لولا التدخلات الخارجية والاستجابة للمطالب الآتية من خارج الحدود.
أصبحت قضية انقطاع التيار الكهربائي هامشية في لبنان، وغاب عن حديث الشارع انتهاك الطائرات الإسرائيلية المجال الجوي للعاصمة بيروت فجر الإثنين السابق على خروج ملحم زين المرشح اللبناني للقب "سوبر ستار".
إعلان نتائج تلك الحلقة رافقته صدامات ومشاجرات بالأيدي بين صفوف الجمهور الذين كانوا يتابعون وقائع الحلقة في أستديو "بيروت هول" مما استوجب اختصار البث والمسارعة إلى إخراج من كانوا على خشبة المسرح تحت حراسة أمنية خوفاً عليهم من رد فعل الجمهور الغاضب، الذي اندفع ليلاً إلى محيط فندق البريستول في شارع الحمراء، حيث يقيم المتنافسون حاملاً صور نجمه "الخاسر" ورافعاً العلم اللبناني ومردداً "بالروح بالدم نفديك يا ملحم". وكانت المتنافستان الأخريان رويدا عطية وديانا كارزون قد أصيبتا بالإغماء نتيجة تدافع الجمهور الغاضب نحوهن؛ وهو ما أدى إلى نقلهن إلى المستشفى.
وعلى الرغم من أن التجمعات والمظاهرات ممنوعة في لبنان من دون إذن مسبق تمنحه وزارة الداخلية فإن القوى الأمنية لم تستطع كبح جماح الغاضبين الذين واصلوا احتجاجهم في محيط مبنى تلفزيون "المستقبل" في منطقة الروشة في بيروت، حيث حل ملحم ضيفاً على برنامج "عالم الصباح"، وخاطب جمهوره طالبا منه ضبط النفس، ومؤكداً أنه سيتابع "النضال الفني".
لماذا.. وأين الحقيقة؟
حدث كل ذلك بعد أن أخفت إدارة القناة حقيقة مهمة كان إعلانها كفيلا بفض كل النزاعات، وهي أن الشركة المنتجة صاحبة حقوق البرنامج تراقب عملية التصويت من ألفها إلى يائها حفاظاً على مصداقيتها، وهذا أيضا ما تفعله الشركة التي ستتولى الفائز في المسابقة، والتي تراقب تفاصيل البرنامج.
وزيادة في تسييس السباق تم الإعلان مرارا وتكرارا عن أن رئيس مجلس الوزراء اللبناني رفيق الحريري اتصل بملحم زين وهنأه بالمرتبة الفنية المرموقة التي حققها وبتعاطف اللبنانيين معه والتفافهم من حوله، متمنياً له مزيداً من النجاح والتقدم في مسيرته الفنية.
والشيء نفسه تكرر بعد فوز ديانا كارزون باللقب لكن هذه المرة اتصل بها الحريري وملك الأردن شخصيا، الأمر الذي دعم الشائعات التي ترددت عن وجود تدخلات سياسية للتأثير على القرار!
نية قناة المستقبل كانت مبيتة، وكان الهدف الواضح نصب عينيها هو تسخين الجمهور بأي شكل وبأية طريقة بعيدا عن مشروعية هذه الطريقة أو ذلك الشكل.
فمنذ البداية ومقدمو البرنامج يضعون خطوطا عريضة تحت جنسية كل متسابق رغم أن كلهم عرب، فهذا ملحم زين اللبناني وهذه رويدا السورية وتلك ديانا الأردنية، وبالتدريج ظلت القناة تلهب نار النعرات القبلية حتى وصل الأمر ذروته بإهمال اسم المتسابق أحيانا والاستعاضة عنه بجنسيته!!
وآتت اللعبة ثمارها، وحققت المكسبين المادي والجماهيري، وهو ما يتضح من الأرقام المعلنة لنسب التصويت، ففي الحلقة المشكلة كان حوالي 79% من اللبنانيين قد صوتوا لصالح ملحم زين، و97% من السوريين اقترعوا لصالح رويدا عطية، و83% من الأردنيين لصالح ديانا كارزون، وهكذا كانت النتائج متقاربة إلى حد بعيد.
وزيادة في إذكاء التعصب القبلي سرت شائعات من عينة: أن ملك الأردن تدخل شخصيا لكي تفوز ديانا باللقب، وأن الفستان الذي كانت ترتديه مصنوع في القصر الملكي، كما سرت شائعات مماثلة حول تدخل شخصيات سورية كبرى، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل حاولت قناة المستقبل نفسها توريط مطربين لهم وزنهم في تلك اللعبة القبلية الممقوتة، فقالت: إن "جورج وسوف" اتصل تليفونيا بالمشتركة السورية رويدا عطية خلال الحلقة الأخيرة من البرنامج، وقبل إعلان النتائج بقليل قامت رويدا بتوجيه كلمة شكر إلى جورج؛ لأنه كما قالت اتصل بها في ذلك اليوم وعبر عن إعجابه بصوتها وتمنى لها التوفيق.
غير أن "جورج وسوف" استنكر ذلك ونفاه بشدة، مؤكدا أنه لم يشاهد البرنامج أساسا، وقال في المؤتمر الصحفي الذي عقده في عمان خلال مشاركته في مهرجان جرش لدورة 2003، إنه لم يتحيز يوماً لأي بلد عربي ضد آخر، فضلاً عن أن التحيز لم يكن يوماً من شيمه ولا أخلاقه.
أقل من إبداع وأسوأ من تقليد!
ناقلو فكرة البرنامج نقلوها مجردة، ولم ينقلوا معها قيمة أساسية ومهمة موجودة في البرامج الأوربية، ففي أوروبا تقام سنويًّا مسابقة غنائية تلفزيونية ناجحة اسمها "يوروفيجن سونج كونتست" (المسابقة التلفزيونية للأغنية الأوروبية)، وتنقل أحداثها كبريات محطات القارة.
المسابقة حصدت عبر 48 سنة نجاحا عظيما وتألق فيها نجوم كبار، بينهم مثلا المغنية اليونانية العالمية نانا موسكوري والمغني البريطاني العالمي كليف ريتشارد ومواطنته اللامعة لولو، كما فازت بلقبها فرقة "آبا" السويدية الشهيرة عام 1974، وانتزعت الفوز النجمة الكندية الأشهر سيلين ديون ـ ممثلة سويسرا ـ عام 1988.
ومع أن هذه المسابقة انطلقت من طموحات "وحدوية" أوروبية فقد أدرك القائمون عليها، بتفكير عملي سليم، ضرورة التنبه للولاءات المحلية وتفاوت الحجم السكاني بين دولة أوروبية وأخرى، ولغة أوروبية وأخرى، وبناء على ذلك تم حرمان ناخبي كل دولة من التصويت لممثلها (أو ممثلتها أو ممثليها) في المسابقة، وجعل لكل دولة العدد نفسه من الأصوات (أو النقاط) توزّعها على ممثلي الدول الأخرى بالترتيب التصاعدي، بعد تصويت ناخبي كل دولة على حدة محليًّا في بث مباشر.
هل بدت لكم الفروق بين هنا وهناك، وهل عرفتم كيف انجر العالم العربي للعبة استهدفت جر اهتمامه وانتباهه إلى المصارعة الرومانية على طريقتها الأحدث، فيما المنطقة العربية تشهد أحداثا جساما لها أثرها الواضح على المواطنين وتكاد بعد قليل تودي بهم، ولا تجد من يوليها اهتماما!!
صحفي مصري
|