English

 

الأربعاء. أغسطس. 11, 2004

ثقافة وفن » سينما ومسرح

 
   
روابط من إسلام أون لاين

فيلم مايكل مور.. خطأ العرب وخطايا فندي

محمد مرسي

هل أخطأ العرب فى قراءة فيلم مايكل مور
إذا كان العرب -لأسباب عاطفية وربما عن غير قصد- قد أخطئوا في قراءة فيلم مايكل مور (فهرنهايت 11-9) فقد أخطأ كذلك مأمون فندي لأسباب تبدو عقلانية، ولكنها في الحقيقة تتخذ العقلانية ستارًا لتمرير الخطأ المقصود وهذا هو الأكثر خطرًا!.

شاهدت فيلم فهرنهايت 11-9 بعد قراءتي مقال مأمون فندي المُعَنون "الديمقراطيون وكراهية العرب" الذي أعاد موقع "إسلام أون لاين.نت" نشره، ثم أعدت قراءة المقال فور انتهائي من مشاهدة الفيلم على الفور، وخرجت بملاحظات تكشف كلها أن خطأ فندي كان أكبر من خطأ من انتقدهم.

البداية الخطأ

ينتقد فندي -وهو محق في ذلك- الاحتفاء العربي الكبير بفيلم مور حتى قبل مشاهدته لمجرد كونه معاديًا لبوش والنظر إليه "كمخلص" يفعل ما يفعله خصيصًا من أجل العرب.. فمور صنع فيلمه كسلاح انتخابي من أجل الإطاحة ببوش ويجب أن يقرأ فيلمه في هذا الإطار، ولكن لا يعني هذا القول بعنصرية خطاب الفيلم الذي يستدعي منعه كما ذهب فندي الذي أشعر أنه تسلل من بين أخطاء المعجبين بالفيلم دون مشاهدته ليهاجم الفيلم ويطالب بمنعه، وأتعجب من دعوته الجمهور العربي إلى عدم مشاهدة الفيلم، وهو نفس الخطأ الساذج الذي أوقعهم في الحكم السطحي عليه مما يمنعهم في النهاية من الحكم عليه! ولو كان الأمر مرتبطًا بعدم الرغبة في منح مور نقودًا إضافية، فقد صرّح مور بأنه لا يمانع إذا نسخ الفيلم ووزع بصورة غير شرعية دون اهتمام بحقوق الطبع، وهي الصورة التي أتوقع أن يشاهد بها معظم الجمهور العربي هذا الفيلم.. (1)

يُعَدّ فيلم فهرنهايت 11-9 امتدادًا مرئيًّا لكتابات مور السابقة في كتابيه "رجال بيض أغبياء" و"أين بلدي يا صاحبي؟"، ويردد فيه نفس اليتيمات التي ركز عليها سابقًا: انتخابات فلوريدا 2000 وعدم شرعية رئاسة بوش، غباء وعدم كفاءة بوش كرئيس، هجمات 11 سبتمبر وتهريبه بعض أفراد أسرة بن لادن لعلاقته بها، الفساد المالي وتحالف السلطة والثروة، زيف مبررات حرب العراق والأثر المدمر لها... لكن الصورة دائمًا أكثر تأثيرًا من الكلمة المكتوبة، ففي الفيلم لقطات لا تنسى: بعضها لكوميديته؛ مثل اللقطات التي تظهر بوش يتفوه بجمل في غاية البلاهة، وبعضها لكونه مؤلمًا مثل مشهد الجندي الأمريكي الذي يغني: "احترق.. احترق.. يا ابن العاهرة.. احترق".

مور ونظرية المؤامرة

يتهم فندي الفيلم بعنصريته المعادية للعرب، وهنا أختلف معه في الرأي.. فأمر صحيح أن مور يشن في الربع الثاني من الفيلم هجومًا قاسيًا على العائلة المالكة السعودية، ولكن من قال إن هجومه كان بلا أسباب ولمجرد كراهيته "للجنس العربي القذر"؟

أتصور أن مور هاجم العائلة المالكة السعودية؛ لأنه يرى فيها حليفًا لتيار اليمين الأمريكي عدوه الأول والذي خص كل أقطابه بهجوم قاس، فقد شكل اليمين الأمريكي والمملكة تحالفًا من نوع خاص في فترة الثمانينيات، ودعموا ريجان سياسيًّا وماليًّا وأيديولوجيًّا، وتعاونوا سرية في الاستفادة من الأفغان العرب (ونفض أيديهم منهم لاحقًا)، وظل التعاون على المستوى المالي مستمرًّا بين الأثرياء والمسئولين السعوديين ونظرائهم الأمريكيين، ثم جاءت أحداث سبتمبر؛ وكما أذيع من تقارير استخباراتية فقد اختار بن لادن 15 سعوديًّا للمشاركة في الهجمات خصيصًا لتسميم العلاقات السعودية الأمريكية، ولكنه لم ينجح في فك الارتباط بين العائلة المالكة السعودية والولايات المتحدة، وهنا التفت اليسار الأمريكي ممثلاً بمور إلى اليمين الحاكم ليتساءل: إذا كان بن لادن سعوديًّا ومن شارك في الهجمات سعوديين، وإذا كان صدام قد أدين بناء على لا شيء فلماذا لا ندين المملكة؟ هل لا ترغبون في إدانتها لنفوذها ورشوتها إياكم؟ ويمكن أن نقرأ في هذا الإطار أيضًا دعوات النشطاء الديمقراطيين إلى التخلي عن البترول العربي؛ لأنه يدعم الإرهاب! فهم يرون أن منتجي النفط (السعوديين) يتعاونون مع شركات النفط العملاقة (اليمين الأمريكي)، وأن "أشياء مريبة" تجري بينهما ينتج عنها تراخٍ في التعامل مع الإرهاب.

وفي رأيي فإن هذا الجزء من الفيلم الذي يهاجم العائلة المالكة السعودية هو أقل أجزاء الفيلم منطقية، فقد سقط مور في فخ نظرية المؤامرة؛ إذ لا يوجد أي دليل على أن المملكة العربية السعودية قد تهاجم حليفها (وهو ما أكدته لجنة التحقيق التابعة للكونجرس مؤخرًا)، أما على مستوى خطأ السياسات الذي يدفع بالأشخاص نحو الإرهاب (التواجد الأمريكي العسكري في الخليج، انقلاب السياسة السعودية في تعاملها مع الماركسيين في اليمن)، فلا تلام بقدر أكبر من لوم الولايات المتحدة على الآثار البعدية لسياساتها.. كما أن مور يطرح نقطة غير منطقية أخرى فهو يتحدث عن حجم الأموال السعودية في الولايات المتحدة (ويبالغ بوضوح في حجمها)، ولكن إن سلمنا بهذا فلماذا يعمد السعوديون إلى مهاجمة البلد الذي يستثمرون فيه 60% من استثماراتهم الخارجية؟ (2)، وإذا كانوا يستثمرون هذا القدر من النقود فلن يكون من مصلحتهم تدمير الاقتصاد الأمريكي.

أما بخصوص صور القرود التي ظهرت عند الحديث عن المغرب فهذه نقطة مراوغة تحتاج لتوضيح.. فقد أورد مور بعض أسماء الدول الأعضاء في "تحالف الراغبين" في الحرب ضد الإرهاب على خلفية صور نمطية من بلدانهم: فمع آيسلاند أظهر صور مقاتلي فايكنج، وكوستاريكا عربة يجرها الجاموس، وأفغانستان أناس تحصد زهرة الخشخاش، وهولندا شاب يشرب الحشيش، ورومانيا صورة لدراكيولا، أما المغرب فأورد القرود وذكر بعدها سبب ذلك عندما قال إن المغرب بدل المشاركة في الحرب عرضت 2000 قرد للمشاركة في تدمير الألغام، ثم أورد لقطة لرامسفيلد وهو يصف هذا التحالف بأم كل التحالفات، ويرد مور بقوله إنه ليس لأي من هذه الدول جيوش، وبالتالي سنقوم نحن بكل العمل العسكري.

شكرًا أمريكا الوجه الجميل

ولست أدري كيف يمكننا أن نقول إن مور عنصري ضد العرب إذا كان قد ساهم بإيصال صورة إنسانية وبشرية للعراقيين القتلى والجرحى لقدر كبير من الأمريكيين ليروا جانبًا من الحرب لم يروه من قبل.. وأغلبية العراقيين عرب كما نعلم.. ولنتذكر أن العنصريين هم من يتحدثون عن إخضاع العراق وبقية العرب، وعن أن العرب لا يفهمون سوى لغة القوة، ويجب تحديثهم ودمقرطتهم بالقوة وعصرنة مجتمعاتهم المتخلفة الكريهة، وهؤلاء هم الجمهوريون الذين يواجههم مور.. ومن العراق اقتبس من كتابات السيدة فائزة الأعرجي التي تكتب يومياتها من بغداد: "نعم، بكيت على مشاهد العراقيين وهم يصرخون ويبكون أيام القصف علينا، ولا أحد يرحمهم ويوقف العذاب.. كأن العالم كله تواطأ ضدنا، بين مؤيد لبوش، وخائف منه.. ثم صور العراقيين في الليل في بيوتهم وقوات الاحتلال تداهم البيوت، والابن على الأرض مربوط اليدين، والأم تجلس على الدرج في الظلام تبكي وتتساءل: ماذا فعل ابني؟ حرام عليكم، إنه طالب في الكلية في الصف الثالث..

كم من أشياء جميلة تمزقت وتحطمت بفعل هذه الحرب؟؟؟"

"لم يتطرق الفيلم لقصة ملفقة، كل الذي تكلم عنه هنا هو صحيح.. ونحن نشكر مايكل مور وروحه الصادقة الشفافة التي تعامل فيها مع أجواء الفيلم من البداية للنهاية.

أشكره وأشكر الوجه الجميل من أمريكا الذي ساند مور لإخراج هذا الفيلم للوجود. فيه إنصاف وإنسانية في التعامل مع الإنسان العراقي. ليس فقط الأمريكي الذي يستحق أن تبكيه أمه وأصدقاؤه، العراقي أيضًا يستحق أن يجد من يبكي عليه؛ لأنه إنسان، له ماضٍ وذكريات وأم وأب وعائلة وأصدقاء وأقارب.. يتألمون لسماع خبر موته.. ويبكونه، ويسخطون على من أشعل هذه الحرب اللعينة" (3).

أخطأ ولكن..

أعود لأكرر أن الفيلم معادٍ للعائلة المالكة السعودية، ولكنه ليس معاديًا -بالضرورة- للعرب، كما لا ينطلق مور في معاداته للعائلة المالكة السعودية من مجرد مشاعر كراهية عنصرية ضد جنس مخالف، بل لديه أسبابه (حتى وإن كان منطقها مغلوطًا)، ولا يعني مجرد نقد نظام سياسي عربي معاداة العرب، وإلا فإن نقد إسرائيل يعني بالتالي معاداة السامية وهي التهمة التي ترفع سيفًا فوق رقبة كل من ينتقد سياسات إسرائيل.. كما أن السعوديين كانوا أكثر صراحة من مأمون فندي، فقد تحدثوا عن نقد مور الخاطئ لسياساتهم، والكويتيون منعوا الفيلم وقالوا إنهم منعوه لمعارضته حرب العراق ومعاداته للأسرة المالكة السعودية.. فليدافع السعوديون عن أنفسهم وليستخدموا وسائل الإعلام المقربة منهم للدفاع عن أنفسهم ضد هجوم مور (وهذا حقهم، وهم قادرون عليه)، ولكن لا أرى داعيًا لاستنفار الجماهير العربية ومشاعرها ضد مور واتهامه بالعنصرية ومنعهم من مشاهدة الفيلم، وخلط بين سياسات دولة واحدة لا تشتكي نقصًا في النفوذ، وبين القضايا التي تهم جميع العرب إجمالاً.

أما بخصوص إعلان فندي أن هذه المرة مختلفة لأن العرب (ويعني العائلة المالكة السعودية) أصبحوا لعبة انتخابية فأؤكد له أن هذه ليست المرة الأولى؛ لأنهم موجودون بالفعل وبقوة على الساحة السياسية الأمريكية والساحة الانتخابية أيضًا، فكما كشف مؤخرًا فقد عرضوا التحكم في سعر النفط لصالح بوش أثناء الانتخابات.. (4)، فضلاً عن أن هذا الكلام مليء بالتدليس المستفز إذا كان يعني أن العرب كلهم بالفعل قد أصبحوا لعبة انتخابية "للمرة الأولى" بحديث الديمقراطيين عن السعودية.. إذن ماذا يكون العراق؟ ألا تحتل أمريكا بلدًا عربيًّا وتديره بالكامل وتضع مخططات مستقبله، وأصبح الاختلاف حول سياسة إدارته المستقبلية أحد أهم البنود الانتخابية؟ أليست الحرب على الإرهاب والتي تهم العرب بصورة مباشرة أهم البنود الانتخابية؟؟ أليس الصراع العربي الإسرائيلي ضيفًا دائمًا في الانتخابات الأمريكية؟ ألا تستغل الإدارة الحالية أزمة دارفور والعراق وقضايا الإصلاح العربي لأغراض انتخابية؟..

لفيلم مور أخطاؤه، كما أنه لم يصنع خصيصًا لنا، لكن هذا لا يعني أن أمريكا التي يدعو إليها مور ليست أفضل من أمريكا الحالية؛ ولهذا أقول إن مور صديقنا بالفعل؛ لأنه يدعو إلى أمريكا ذات سياسة أقل حدة وأكثر إنسانية وبعيدة عن الأحادية، كما أن كيري يحمل الأمل -حتى ولو كان بسيطًا- في أن يتخلى عن عناد واستكبار بوش، ويلجأ لحل حقيقي لأزمة العراق متضمنًا انسحابًا تحت إطار الأمم المتحدة، كما أن نجاحه يعني ابتعادًا للمحافظين الجدد الذين ينصحون بالكراهية للعرب والعنصرية المقيتة.. وهي الأمور التي يتجاهلها مقال فندي.

وفي النهاية، ما زلنا من جديد متفرجين، نشاهد دون أن نؤثر، ونعجب بشجاعة مور دون أن نستطيع تكرار ما قام به بنسخة محلية.. كل ما نقوم به هو الفرجة.. ولكن حتى هذه الفرجة يبدو أن البعض يريد حرماننا منها.

طالع نص مقالة مأمون فندي:

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم