|
منذ تأسيس مجمع اللغة العربية في القاهرة كان الأهم بين المجامع العربية؛ فهو أكبرها من حيث العضوية، وصاحب الثقل والاعتراف العالمي، ورئيسه هو رئيس اتحاد المجامع العربية، وهذه صورة من قريب عن المجمع، ومحاولة لاكتشاف بوصلة مسيرته التي يبدو أنها غابت معالمها، فأفقدته كثيرًا من قوته وتأثيره.
عالمية المجمع
نص مرسوم إنشاء المجمع الذي أصدره الملك فؤاد الأول عام 1932 على أن يتكون من 20 عضوًا من العلماء المعروفين بتبحرهم في اللغة العربية، نصفهم من المصريين، والنصف الآخر من العرب والمستشرقين؛ وهو ما كان يعني أن مجمع اللغة العربية عالمي التكوين، لا يتقيد بجنسية معينة ولا بديانة معينة، وأن معيار الاختيار هو القدرة والكفاءة. وكانت هذه أهم ميزة للمجمع المصري عن غيره من المجامع الأخرى، خاصة المجمع السوري الذي اقتصرت عضويته العاملة على السوريين فقط.
خريطة العضوية
وكانت أهم ملاحظة في تركيبة المجمع أن الأعضاء المصريين العشرة فضلا عن كونهم من أهل الاختصاص الدقيق والعلم الواسع.. كانوا يمثلون المؤسسات التعليمية في المجتمع المصري؛ فمن وزارة المعارف اختير علي الجارم، وأحمد العوامري، والدكتور منصور فهمي عميد كلية الآداب من الجامعة المصرية، ومن الأزهر الشريف اختير الشيخ إبراهيم حمروش عميد كلية اللغة العربية، ومحمد الخضر حسين الذي صار شيخًا للأزهر بعد ذلك. وإلى جانب ذلك اختير اثنان من ذوي النفوذ والتأثير؛ أولهما: محمد توفيق رفعت وهو سياسي كبير شغل مناصب وزارية متعددة ورأس مجلس النواب، أما الآخر فهو فارس نمر صحفي كبير، وحياته حافلة في ميادين اللغة والأدب والنشاط السياسي.
وكان من بين الأعضاء المصريين حبر اليهود في مصر حاييم ناحوم، وهو تركي استقر في مصر وتجنس بجنسيتها، وكان على حظ وافر من معرفة اللغات الشرقية والمغربية.
وانشغلت المجموعة الأولى التي دخلت مجمع اللغة العربية بوضع اللوائح المنظمة لأعماله، وتحديد أغراضه. وبعد أن اكتمل بناء المجمع وانتظمت أحواله أضيف إلى أعضائه 10 آخرون سنة 1940م، وكانوا جميعًا من أعلام النهضة الفكرية والأدبية ومن ذوي النفوذ والتأثير في الحياة، من أمثال طه حسين وأحمد وعلي إبراهيم باشا الجراح المشهور، وأحمد لطفي السيد، والشيخ محمد مصطفى المراغي، وعبد القادر حمزة باشا، وعباس محمود العقاد، وعبد العزيز فهمي باشا الذي رأس حزب الأحرار الدستوريين، وتولى رئاسة محكمة النقض.
ثم دخلت مجموعة أخرى سنة 1942م كان من بينها أنطون الجميل رئيس تحرير جريدة الأهرام، والشيخ أحمد إبراهيم بك وكيل كلية الحقوق، وأحمد حافظ عوض عضو مجلس الشيوخ والصحفي المعروف.
ثم ضم المجمع 10 أعضاء آخرين سنة 1946م، كانوا جميعًا من شيوخ الأدب والفكر والعلم والثقافة، وحسبك أن يكون من بينهم الشيخ محمود شلتوت، والدكتور عبد الرازق السنهوري القانوني الكبير ومؤسس مجلس الدولة، والدكتور أحمد زكي، ومصطفى نظيف، ومحمد فريد أبو حديد، وفيلسوف اللغة إبراهيم بيومي مدكور.
إستراتيجية الاختيار
وفي أثناء ذلك كانت الأعراف المجمعية قد استقرت، ووضعت لائحة لاختيار الأعضاء، ورسخت مكانة المجمع في الحياة العامة؛ باعتباره المؤسسة التي تضم كبار رجال العلم والأدب، وبدأ يمارس دوره المنوط به في الحياة الثقافية.
وكان المجمع دقيقًا في اختيار أعضائه؛ فإذا خلا مكان عضو اختير من على شاكلته علمًا وأدبًا، ويندر أن يكون في هذه الفترة من كان يستحق عضوية المجمع وتجاوزه الاختيار؛ ولذلك أصبح الانتساب إلى المجمع أملا يراود كثيرين من نجوم الأدب والفكر.
وحرص المجمع على أن يكون من بين أعضائه عدد من ذوي النفوذ الفكري والثقافي حتى يضمن لقراراته التأثير في الحياة، وكان من بين هؤلاء كبار الصحفيين، ورؤساء بعض الأحزاب، ووزراء، ورؤساء مجلسي النواب والشيوخ، وشيوخ الجامع الأزهر، ومديرو الجامعات، ولم يكن اختيار هؤلاء لمناصبهم فحسب؛ بل لأنهم كانوا -أيضا- من المتمكنين في العربية وآدابها ويكتبون بلغة أدبية راقية.
ماذا حدث؟
ظل المجمع يسير على هذه السنة في اختيار أعضائه سنوات طويلة، مراعيًا الأعراف المجمعية وتمثيل المؤسسات التعليمية والثقافية، ثم تبدل الحال وأصبح المتابعون للحياة الثقافية في مصر يفاجَئون باختيار أعضاء للمجمع على غير ما هو متوقع ومأمول، لا لأن المختارين ليسوا من أهل العلم والأدب، ولكن لأن الأكثر جدارة يتخطاهم الاختيار في كل مرة، ولا يُعرف سبب لتجاوزهم، وإذا تعجبت من هذا، قيل لك: إن أعضاء المجمع ينتخبون بالاقتراع السري، وليس ثمة مجاملة لأحد، غير أن الواقع يناقض ذلك القول.
فكثيرا ما اختار المجمع أعضاء به بعدما تجاوزوا فترة العطاء وتقدمت بهم السن؛ فلا يستفيد المجمع بعطائهم، مثلما حدث مع الصحفي الكبير مصطفى أمين الذي اختير لعضويته وكان يعاني من أمراض الشيخوخة، فلحق بربه دون أن يستفيد منه المجمع بكلمة واحدة. وقبل ذلك اختير العلامة الدكتور علي عبد الواحد وافي لعضوية المجمع بعدما تجاوز الثالثة والثمانين من عمره، واختير العلامة محمود محمد شاكر بعدما تجاوز الرابعة والسبعين وقلت حركته وعطاؤه. وكان من الأجدر اختياره في فترة تألقه في الخمسينيات من عمره حين كان يتحلق حوله ويستفيد من علمه الواسع كثر من رجال الفكر والأدب.
وفي تلك الفترة التي كان فيها بعيدًا عن المجمع يعترف "محمد مهدي علام" نائب رئيس المجمع أنه كان يكتب له مستفتيًا في كثير مما يعرض له في لجان المعجم الكبير، وأنه كان سريع التلبية؛ وهو ما ساعد كثيرًا في حل بعض الطلاسم التي تأتي عند بعض قدامى اللغويين، ولم يدخل محمود محمد شاكر المجمع إلا بعد وفاة طه حسين بسبب المعركة الأدبية التي كانت بينهما، وكان طه حسين ذا سطوة على الحياة الثقافية في مصر، وكان يزرع تلاميذه في المواقع ذات التأثير.
واستمرارًا لعدم التوفيق في اختيار الأعضاء الجدد أصبح من غير المستغرب أن ينتخب المجمع واحدًا من كبار إدارييه ممن لهم بعض الإنتاج لعضوية المجمع، ويصعد به إلى منصب الأمين العام، أو أن تصبح أغلبية الأعضاء من ذوي التخصصات العلمية في فترة من الفترات، أو يقل التمثيل للأزهر في المجمع في الوقت الذي يزداد فيه التميز في اختيار أساتذة دار العلوم لعضوية المجمع.
لماذا استبعد هؤلاء؟
وفي الانتخابات الأخيرة لعضوية المجمع كانت النتيجة مثيرة للدهشة؛ ففي الوقت الذي كان ينتظر فيه المتابعون اختيار من يملكون توجيه الحياة الفكرية والثقافية من رجال الشريعة والقانون والصحافة والفكر، إذا بهم يصدمون في انتخاب عدد من أساتذة الجامعات لا يملكون أي تأثير أو توجيه في الرأي العام والحياة الثقافية والفكرية، حتى ولو كانوا من ذوي التخصصات الدقيقة في الشريعة واللغة والفلسفة والطب.
فتم تجاوز الأستاذ محمد حسنين هيكل من عضوية المجمع، وهو الذي لا يختلف أحد على مكانته كأكبر وأهم صحفي في العالم العربي في النصف الأخير من القرن العشرين، ويتحرك في الحياة السياسية كمؤسسة، ويكتب بلغة جميلة لا تخطئها العين، ولو لم يكن صحفيًا موهوبًا لكان قصاصًا كبيرًا، كما -فضلا عن ذلك- من ذوي التأثير الكبير في الحياة السياسية والفكرية، وكان انضمامه لمجمع اللغة مكسبًا كبيرًا له، وكان المجمع فيما قبل يحرص دائمًا على عضوية من هم على شاكلة هيكل، لكنه لم يفعل!
وتجاوز المجمع في اختياره فقيه العصر الدكتور يوسف القرضاوي، الإمام المجتهد، والشيخ المصلح، والخطيب المفوه، وهو إلى جانب إمامته في الفقه شاعر متمكن، وأديب ذو بيان صاف، ويجمع بين سعة العلم وغزارة التأليف والتأثير الواضح في الحياة المعاصرة، وهو خليفة شيوخ الأزهر المجددين من أمثال محمد عبده والمراغي ومحمود شلتوت وأحمد إبراهيم، وعبد الوهاب خلاف، وعلي الخفيف.
وتخطى المجمع في انتخاباته المؤرخ الكبير والقاضي الفقيه الأستاذ طارق البشري أحد أعلام مدرسة القانونيين الذين اشتغلوا بالتاريخ من أمثال عبد الرحمن الرافعي ومحمد حسين هيكل، ومحمد عبد الله عنان، وإلى جانب ذلك شغل أرفع المناصب القضائية، وله مئات الفتاوى القانونية، وتتميز لغته العربية بالدقة والتعبير الدقيق فيما يكتب، وعطاؤه في الحياة العامة مستمر ومقالاته ودراساته العميقة يتابعها الكثيرون كما أنه سليل عائلة عرفت بالعناية باللغة والدين فجده الشيخ سليم البشري شيخ الأزهر وعمه الأديب الشيخ عبد العزيز البشري جاحظ العصر.
وأغفل المجمع اختيار الدكتور محمد عمارة عضو مجمع البحوث الإسلامية، والمفكر المعروف الذي يملأ الحياة الفكرية بكتبه ومقالاته ومحاضراته، وصاحب الحضور القوي والتأثير النافذ بثقافته الواسعة وقدرته الهائلة على الجدل والمناظرة.
وفي الوقت الذي لم يختر فيه الدكتور سعيد بدوي الأستاذ بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، انتدبته جامعة "لندن" لوضع معجم بالإنجليزية لألفاظ القرآن الكريم، فهو صاحب خبرة بصناعة المعاجم تأليفًا وتنفيذًا، وكان يمكن للمجمع الاستفادة به في هذا الشأن، خاصة أن "المعجم الكبير" لا يزال صدوره متعثرًا إلى الآن منذ أن خرج الجزء الأول منه سنة 1960م، وتوقف التعديل والتطوير في المعجم الوسيط، وكأن مؤلفه قد مات من سنوات طويلة!
واختار المجمع أحد أساتذة التاريخ لعضويته، وأغفل أستاذًا عملاقًا هو الدكتور حسن حبشي الذي لا يزال يترجم إلى الآن كتب الحروب الصليبية المكتوبة بالفرنسية القديمة إلى العربية على الرغم من سنه الكبيرة، ويمد المكتبة العربية بمؤلفاته وتحقيقاته، وهو يعد أكبر متخصص في الحروب الصليبية في العالم العربي، وهو مترجم بارع يكتب بلغة عربية آسرة.
ولم ينل الدكتور محمد رجب البيومي عضوية المجمع، وهو من القلائل الذين يكتبون مقالات أدبية وتاريخية على مستوى بياني رفيع، وكان من كتاب مجلة الرسالة المعروفة ولم يزل طالبًا في الجامعة الأزهرية، وهو يكتب إلى الآن بانتظام في مجلة الهلال المصرية ويرأس تحرير مجلة الأزهر. وللدكتور البيومي قصة طريفة مع مجمع اللغة العربية، حيث نال على مدى أربع سنوات متتالية جائزة المجمع (في المسرحية الشعرية، والشعر، والدراسات الأدبية، والتراجم الأدبية)، فاضطر المجمع إلى أن يغير لائحته، وينص على عدم منح جائزته مرتين متتاليتين لفائز واحد.
وإلى جانب هؤلاء أغفل المجمع اختيار عدد من ذوي النفوذ والتأثير الفكري والسياسي، من أمثال الدكتور أحمد فتحي سرور الفقيه القانوني ورئيس مجلس الشعب، والدكتور ثروت عكاشة وزير الثقافة الأسبق صاحب موسوعة تاريخ الفنون في العالم (العين تسمع والأذن ترى) وشيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي، ولم يكن مثل هؤلاء يغيبون عن عضوية المجمع منذ إنشائه.
وكان من أثر هذه السياسة التي بدأت من فترة غير طويلة أن تأثرت حركة المجمع، وأصبحت بطيئة جدًا تحت مسمى التمهل والدقة، وغاب دوره المؤثر في الحياة، ولم يعد أحد يشعر به مثلما كان من قبل، وفقدت جوائزه بريقها، وتعطل صدور إنتاجه.
باحث مصري في التاريخ والتراث.
|