|
|
| طفل صومالي وضع صورته على الإنترنت
|
الصومال ليست دولة الحروب الأهلية فقط، ولكنها دولة الإنترنت، ولكن على طريقتها الخاصة. حيث يتم استخدام الإنترنت في إدارة المعارك العسكرية، وتحصيل الضرائب، وتسجيل المواليد والوفيات!!
ويعود دخول الإنترنت في الصومال إلى وقت مبكر من التسعينيات؛ حيث انتشر بسرعة غريبة في المدن والقرى الصومالية، حتى أصبح قطاع الاتصالات الأكبر جذبا لاهتمامات المستثمرين المحليين بعد انتهاء الحروب الأهلية في البلاد وانتشار مستوى من السلام النسبي في معظم المناطق الصومالية.
وفي بلد يفتقر إلى حكومة مركزية قوية منذ 1991، ومنقسم إلى ما يشبه الكنتونات القبلية؛ فإن القطاع الخاص المحمي من قبل قوة القبيلة انتعش بطريقة جنونية ليشمل جميع قطاعات التجارة والتعليم والأمن وحتى العملة الوطنية!
ونظرا لانتشار المهاجرين الصوماليين الذين يقدرون بـ3 ملايين مهاجر ولاجئ في أوروبا وأمريكا والدول العربية ابتكرت عدة جهات قبلية صومالية طريقة سهلة للربط بين مهاجري القبيلة في الخارج وأهاليهم في الداخل؛ فقد تطور المهاجرون الصوماليون من لاجئين يبحثون عن لقمة العيش بعد أن فروا من جحيم الحرب الأهلية إلى مستقرين في الدول التي هاجروا إليها، ويمثلون جزءا مهما من اقتصاد هذه البلاد؛ حيث تقدر مساهمات العمالة والهجرة الصومالية في الخارج أكثر من 1 مليار دولار سنويا.
وقد ترتب على ذلك أن أصبح الكم الهائل من المهاجرين الصوماليين في الخارج رقما صعبا في الحياة السياسية والاقتصادية في الداخل، وأصبح شيخ القبيلة الصومالي يمارس سلطته خارج منطقة رعاياه، ويحكم ويوجه تجمعات قبلية في أوربا والولايات المتحدة والدول العربية، وكانت شبكة الإنترنت الكفيلة بكل هذه الأشياء. فالأمر لا يتطلب سوى إنشاء موقع قبلي خاص على الإنترنت وإدارة القبيلة في الداخل والخارج بواسطة أزرار الكمبيوتر بدل العصا المبرقشة القديمة.
مواقع لنشر أخبار القبيلة
وتعتبر المؤسسة القبلية في الصومال الرباط الأوثق بين المجتمع الصومالي، وحتى يمكن ضمان نوع من الترابط بين أفراد القبيلة في الخارج والقبيلة في الداخل تم إنشاء مواقع قبلية تعنى بشئون القبيلة ونشر قيمها وأشعارها وتقاليدها، بالإضافة إلى متابعة أخبار مشاهيرها ونجومها في الداخل والخارج، وتقوم هذه المواقع بنشر خرائط جيوغرافية للقبيلة التي تتبعها وامتداداتها الأخرى في المناطق الصومالية، وبيان الأراضي التي تملكها، وسرد الحجج والوثائق في ملكية هذه الأراضي.
معظم هذه المواقع مواقع معتدلة تعنى بشئون القبيلة، وتنشر مقابلات وتقارير عن زعماء القبيلة التقليديين والدينيين والسياسيين، وحتى عن أوليائهم الذين لهم مزارات يحج إليها الأتباع كنوع من الافتخار بالمكانة الدينية لهذه القبيلة التي تعكسها هذه المزارات أو تلك، كما تعمل هذه المواقع على طرح استفتاءات داخل القبيلة تناقش مستقبلها وتأثيرها السياسي والاقتصادي والحربي والديني أيضا.
مواقع للحرب والمواليد والوفيات!
|
22
|
| نورسيد صاحب أحد المواقع |
في الوقت الذي تكون فيه المواقع القبلية على الإنترنت مواقع سهلة الوصول فإن عددا آخر منها مشفر، وتوزع الأرقام السرية على عدد محدود من أفراد القبيلة، وهذه المواقع عبارة عن غرفة عمليات خاصة لقبيلة معينة لا يطلع عليها سوى أفراد معينين من القبيلة، وتمثل هذه المواقع نقطة اتصال سرية لتبادل الملفات في أوقات الحرب، ووضع خطط الحرب، ثم يتم تدميرها بعد استيفاء الغرض منها. كما وصلت ظاهرة إنشاء المواقع على الإنترنت إلى المستوى القروي أو الريفي؛ فلكي يكون المهاجرون الصوماليون من القبيلة في الخارج على صلة وثيقة بأخبار ذويهم في المدينة أو القرية فإنه تم إنشاء مواقع إخبارية خاصة تخص هذه المدينة أو تلك، تتناول جميع شئون المدينة السياسية والإخبارية والاجتماعية، وتنشر هذه المواقع أخبار الوفيات والمواليد والزواج التي يتم تحميلها على الشبكة فور وقوعها في المدينة على يد مراسليها المحليين القبليين لتكون متاحة لأفراد القبيلة في الخارج.
وتنشر هذه المواقع أيضا الحالة الاقتصادية من هطول الأمطار أو حصول جفاف أو شح المياه لإطلاع أفراد القبيلة الذين يرسلون المصروفات الشهرية إلى الأهالي في الداخل ليكونوا على معرفة بذلك، وكذلك الأسعار المحلية للسلع الاستهلاكية الأساسية وسعر الدولار واليورو أيضا؛ فبإمكان أي فرد من أهل المدينة في الخارج أن يعرف تكلفة احتياجات أسرته في المدينة، ويبعث لهم المصاريف على هذا الأساس، وتوفر له هذه المواقع عناء البحث والسؤال عن ذلك.
الإنترنت.. مؤشر لقوة القبيلة
في الماضي كان امتلاك بئر أو أكثر يعتبر مؤشرا على قوة القبيلة أو كثرة عددها؛ حيث إن القبيلة أو الفخيذة الصغيرة لا تستطيع توفير تكاليف حفر البئر لسقي مواشيها، وهي تحفر يدويا؛ فتكون القبيلة الصغيرة عالة على القبائل الكبيرة، ولا يسمح لها أن تسقي مواشيها إلا بعد أن تكمل الكبيرة حقها، فيما ينتظر أفراد القبيلة الصغيرة إخلاء القبيلة الكبيرة للمكان ثم تسقي مواشيها! واليوم يعتبر أفراد المدينة أو القرية أو القبيلة التي ليس لها مكان على الإنترنت جاهلين وغير منظمين؛ ولذلك أصبح مجرد امتلاك موقع على شبكة الإنترنت مكانة معتبرة للمدينة أو القرية التي تملكه، وينعكس ذلك على أفراد القبيلة الذين ينتمون إلى هذه المناطق.
وفي الماضي كان زعيم القبيلة ومعاونوه يجمعون الاشتراكات والغرامات القبلية بطريقة تقليدية؛ حيث يحفظون أسماء أفراد القبيلة المتزوجين عن ظهر قلب، ويجمعون هذه الأموال وفق نظام متوازن متعارف عليه، وكان ذلك عندما كانت القبيلة تعيش في نطاق جغرافي محدد له حدوده المعروفة. لكن مع انتشار الصوماليين في الخارج وظهور الإنترنت فإن هذه العملية أصبحت متطورة جدا؛ حيث يجب على كل فرد من القبيلة مقيم في أي بلد خارجي أن يسجل تليفونه وبريده الإلكتروني لدى لجنة خاصة من القبيلة تقوم بتصنيف المعلومات عبر تسجيل بلد الإقامة وظروفه الحياتية، وما إذا كان متزوجا أو غيره.
وفي حالة جمع الدية أو الغرامات القبلية يبعث المسئول عن جمع هذه الأموال بالبريد الإلكتروني معمما إلى الأفراد المسجلين عنده، والمبلغ المطلوب من كل واحد، ثم يطلب منهم تحويل الأموال في فترة زمنية محددة. ويتم ذلك بالفعل عن طريق البنوك القبلية أيضا!
أسواق الهجاء
|
33
|
| صورة مدينة مقديشيو من الجو |
وانتقل التلاسن القبلي بين شعراء القبيلة في المواسم العادية وفي حوليات الأجداد في عصر الإنترنت إلى الشكبة العنكبوتية؛ فجزء من الحرب الأهلية الصومالية يجري هنا على الشبكة عن طريق تبادل الهجاء على طريقة "جرير والفرزدق" لكنها على الإنترنت، والمتلقون هم جمهور قبلي لا يمل عن المتابعة، كما تعقد التحالفات الشعرية بين أفراد القبائل القريبة بعضها من بعض فيتصدون للشعراء الآخرين، وتجري كل هذه المعارك في فضاء لا يرى المحاربون أنفسهم وجها لوجه في الميدان، وهو ما اصطلح على تسميته بـ"حروب القعدان".
مراسلون قبليون
وفي المواقع القبلية أو المدن القبلية على الإنترنت يتقاسم أفراد القبيلة في الداخل والخارج مهمة إنشاء الموقع وإمداده بكل جديد عن المدينة أو القرية أو القبيلة؛ فتتحمل لجنة في الخارج تمويل الموقع وتصميمه فنيا. فيما تقوم شبكة من المراسلين المنتشرين في المنطقة المستهدفة بإمداد الموقع بالأخبار وكل جديد عن القبيلة بما فيها الأفراح والخطوبات والولادات والوفيات بالإضافة إلى الحركة التجارية والدينية في المنطقة، وكذلك توجيهات زعماء القبيلة وأوامرهم إلى أفراد القبيلة الموجودين بالخارج، ويتابع المهاجرون الموقع يوميا للتعرف على آخر أخبار ذويهم في الداخل، وبالمقابل فإن أي جديد مماثل لدى أفراد القبيلة في الخارج يتم طرحه في الشبكة ليصل إلى الداخل.
تقوم الشبكات القبلية على الإنترنت في حالة اختفاء بعض أفراد القبيلة لفترة غير عادية باقتفاء أثره، وإرسال بلاغات إلى أماكن تجمع أفراد القبيلة في الخارج حتى يتم العثور عليه. ويتم تعنيفه قبليا بسبب غيابه غير المبرر عن القبيلة. وتعقد هذه الشبكات في بعض الأحيان ندوات قبلية حول تطوير المدينة أو مناطق القبيلة، يترجم بعضها إلى مشاريع عملاقة من قبيل إنشاء المطارات أو المواني (إذا كانت القبيلة تسكن منطقة ساحلية) ليتم الوصول إليها جوا أو بحرا، خاصة أنه في حالة الحروب القبلية يتم إغلاق الطرق في منطقة الحرب عادة؛ فيكون الوصول عن طريق الجو أو البحر الوسيلة الوحيدة للوصول إلى منطقة القبيلة، أو إمدادها بالسلاح والمؤن في حالة الاحتياج إلى ذلك.
حصاد الدولة القبلية
|
44
|
| أحد شوارع مقديشيو |
إن ظاهرة إنشاء المدن والقرى القبلية على الشبكة الدولية الإنترنت التي أدمنها الصوماليون في السنوات الأخيرة هي نتاج طبيعي لتجذر المعايير القبلية في كل شيء في الصومال، وانعكس ذلك سلبا وإيجابا على الحياة السياسية في الصومال، ولم يحدث في تاريخ الصومال الحديث عن صعود أي شخصية سياسية أو اجتماعية ما لم تقف وراءها قبيلة قوية بغض النظر عن كل ما تحمل هذه الشخصية من كفاءة عالية أو ضعيفة.
وفي وقت من الأوقات من ستينيات القرن الماضي عندما نالت الصومال استقلالها عن بريطانيا وإيطاليا؛ فإن الأحزاب السياسية وصلت إلى أكثر من 80 حزبا معترفا بها قانونا، وكلها عبارة عن واجهات واضحة لقبيلة ما، حتى إن أجهزة الأمن الحكومية كانت تتصرف وفق منطق قبلي؛ ففي حالة فرار متهم من قبيلة ما أو سرقته أموالا من جهة حكومية أو غيرها دون أن يتم القبض عليه؛ فإن الحكومة تعطي مهلة لشيخ قبيلته لتسليم المتهم أو مواجهة الشرطة. فإذا انقضت المهلة ولم يتم تسليمه فإن قوات الشرطة تقوم بمهاجمة القبيلة التي ينتمي إليها المتهم، وتعتقل شيخ القبيلة وعائلة المتهم وتصادر ممتلكاتهم من الإبل والمواشي الأخرى، وتقوم باحتجازهم لدى الدولة حتى يقوم المتهم بتسليم نفسه إلى الحكومة، ومن ثم يطلق سراح جميع المعتقلين في قضيته ليواجه المتهم القضاء وحده.
تابع في الموضوع:
|