|
|
| عشرات الآلاف من الحجاج كل عام
|
يحج بيت الله الحرام ملايين الحجاج سنويا.. يتوجهون إلى الأراضي المقدسة محمِّلين المؤسسة الصحية السعودية عبئا ينوء به أولو القوة من الدول. ورغم ذلك فقد احتلت المملكة عام 1421هـ المرتبة السادسة والعشرين بين 190 دولة تم ترتيبها وفقا لمستوى الرعاية الصحية في تقرير لمنظمة الصحة العالمية.
وقد سبق أن تم إجراء تقييم مشابه منذ حوالي قرن من الزمان، مركزا على الحالة الصحية للحجاج والرعاية التي يلقونها بالأراضي السعودية، إلا أن النتائج جاءت مختلفة تماما؛ فقد كان الحجاج يسافرون للأراضي المقدسة بالجمال برا وبالسفن بحرا، متحملين الكثير من المشقة والتعب والإجهاد؛ وهو ما يجعل أجسادهم المنهكة عرضة لتسرب الأمراض إليها. إضافة إلى الزحام الشديد في مكة المكرمة والمدينة المنورة؛ وهو ما يساعد على انتقال الأمراض والأوبئة فيما بين الحجاج.
وإزاء الدعاية السيئة التي قام بها الرحالة الأجانب وعلى رأسهم الإيطالي جيوفاني فيناتي Giovanni Finati حول الأحوال الصحية في الحجاز.. أوفد السلطان العثماني عبد الحميد (1876م – 1909م) الطبيب شاكر القيساري الذي كان يعمل بمستشفى حيدر باشا في إستانبول لمرافقة بعثة الحج العثمانية إلى الحجاز عام 1306هـ، 1890م. وكلفه بتوفير الرعاية الصحية للحجاج الأتراك وتقصي الأحوال الطبية بالحجاز والتقدم باقتراحات من شأنها زيادة الرعاية المقدمة لحجاج بيت الله الحرام، والارتقاء بمستواهم الصحي.
وبعد عودة الحجاج العثمانيين إلى إستانبول تقدم شاكر القيسارى بتقريره إلى السلطان، وأورد فيه الطرق والوسائل التي رأى أنها ستساعد في الحفاظ على صحة الحجيج.
حماية الحجاج.. خطوة بخطوة
كانت الخطوة الأولى من وجهة نظر القيساري هي وجود إشراف صارم على السفن التي تقل الحجاج. ومنع الازدحام على أسطحها وتوفير المياه النقية الصالحة للشرب، والحفاظ على نظافة الخزانات، بالإضافة إلى ضرورة تنظيف مخازن السفينة وحماماتها.
أوصى القيساري كذلك بعدم منح الإذن بالحج للمرضى والفقراء والطاعنين في السن. كما رأى أنه من الأفضل إطالة ملابس الإحرام، وجعلها من قماش سميك لحماية الحجاج من تقلبات الجو.
|
|
الحرم الشريف قديما
|
دون الموفد العثماني أيضا ملاحظاته حول مدينة جدة. حيث ذكر أن جوها شديد الحرارة، ومعدل الرطوبة بها مرتفع. وكنتيجة لذلك فإن صهاريج المياه معرضة دائما لحدوث عطن ونمو بكتيري بها. الأمر الذي يساعد على ظهور أمراض الملاريا والدوسنتاريا وغيرها. وبما أن جدة كانت هي الميناء الرئيسي الذي يستقبل عشرات الآلاف من الحجاج من مختلف الأجناس من أفارقة وآسيويين وهنود؛ فقد كانت في رأي القيساري عرضة لانتشار الأوبئة الفتاكة بها. ولذا اقترح الطبيب العثماني جمع الحجاج في أكواخ خارج مدينة جدة. وتشييد مستشفى خاص بهم بقسميه للرجال والنساء مجهز بأقسام منفصلة للأمراض المعدية والجدري، كما أكد على إعداد نساء مؤهلات لفحص أمراض السيدات من الحجاج.
وبعد أن توجهت بعثة الحج العثمانية لمكة المكرمة، وبعد أن شاهد شاكر القيسارى مستوى الرعاية الصحية بها.. اقترح إنشاء دار للحجاج تتألف من عدة أكواخ خشبية لإيواء الحجاج المرضى والفقراء والطاعنين في السن الذين يفترشون شوارع مكة. كما أوصى بضرورة نظافة المسعى بين الصفا والمروة، وعدم السماح بوجود الحيوانات هناك، وعدم السماح لأهالي مكة بتجاوز الحد عند تسكين الحجاج في منازلهم؛ إذ إنهم يقومون بتكديسهم في غرف ضيقة.
وعلى جبل عرفات رأى القيساري ضرورة إقامة خيام قوية للحجاج على غرار خيام معسكرات الجيش العثماني، إضافة إلى ضرورة تجهيز حفر عميقة خلف الخيام لا تسمح بتعفن قضاء حاجة الحجاج، كما يجب أن يقوم العمال بإهالة الرمال والأتربة على تلك الحفر.
بئر زمزم.. ملوثة!!
بعد أن انتهت شعائر الحج رصد الطبيب شاكر القيساري ظهور وباء الكوليرا في منى ثاني أيام العيد، وذكر أنها جاءت مع الحجاج الهنود، وتسببت في موت المئات من الحجاج، وخاصة الإيرانيين منهم. وبعد أن راقب القيساري مراسم ذبح الأضاحي أوصى بضرورة إشراف أطباء بلدية مكة البيطريين على الذبائح واللحوم وعدم السماح بذبح الحيوانات المريضة، وضرورة التخلص من جلود الأضاحي بطريقة صحية.
وأكد كذلك على ضرورة منع الحلاقين الذين يقومون بأعمال الحجامة، وفصد الدم بالقرب من الحرم الشريف تماما، فضلا عن عدم السماح للحجاج بربط دوابهم بالقرب من الحرم الشريف لما يسببه ذلك من تلوث.
وتصديا للمزاعم التي أشاعها الرحالة الأوربيون حول تلوث بئر زمزم ومسئوليته عن تفشي وباء الكوليرا بين الحجاج، فقد وجه الطبيب شاكر القيساري اهتمامه نحو التحقق من ذلك قبل السفر إلى الأراضي المقدسة، وعزم على أن يحلل مياه البئر. فقام بجمع عدة عينات من مياه زمزم. وطلب من الكيميائي واصل نعوم أفندي -زميله في مستشفى حيدر باشا بإستانبول- أن يقوم بتحليلها وجاءت نتيجة التحليل سلبية. وكعادة العالم المدقق قام شاكر القيساري بإجراء تحليل آخر بواسطة بونكوسكي باشا كبير الكيميائيين لدى السلطان العثماني عبد الحميد وأحمد أفندي أستاذ الكيمياء في الكلية الحربية بإستانبول اللذين أجريا تحليلاتهما الكيميائية والميكروسكوبية على العينات التي جلبها الطبيب شاكر من بئر زمزم وجاءت النتيجة سلبية تماما أيضا. حيث وجد أن العينات كانت براقة تماما بعد الترسيب، بلا لون ولا رائحة وطعمها محلّى بدرجة بسيطة. كما أظهر التفاعل الكيميائي للعينات أنها قلوية إلى حد ما. وقدرت صلاحيتها بعام واحد في حالة الحفظ في زجاجات.
صحة الحجاج في المدينة المنورة
|
|
المدينة المنورة
|
توجهت بعثة الحج العثمانية بعد ذلك نحو المدينة المنورة لزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وسلم. وهناك لاحظ شاكر القيساري ازدحام المدينة بالحجاج الذين حذوا حذو الحجاج الأتراك. وبالتالي وجب توفير الرعاية الصحية لأعدادهم الكبيرة، وإيجاد وسيلة مناسبة لصرف صحي يتماشى مع أعداد الحجاج الكبيرة بالمدينة.
وهكذا أوصى الطبيب في تقريره بضرورة إقامة دار للغرباء في أماكن مناسبة داخل المدينة من أجل أولئك الذين لا مأوى لهم، ويفترشون الشوارع المجاورة لمسجد الرسول، ولا يريدون أن تفوتهم زيارة المسجد النبوي الشريف، خاصة أنهم جاءوا من بلدان وأقطار بعيدة لأداء فريضة الحج، وربما لا تسنح لهم الفرصة بالعودة إلى الأراضي الحجازية مرة أخرى.
وأشار الطبيب شاكر على السلطان بضرورة إقامة مستشفى متكامل بحي الأنصار لرعاية الحجاج، وسرعة محاصرة الأمراض التي تحيق بهم. هذا بجانب مستشفى آخر عسكري بجوار المستشفى المقترح لعلاج الجنود والحرس الذين يقومون بتنظيم وإدارة أمور الحجاج في المدينة المنورة.
وطالب القيساري كذلك بضرورة وجود طبيب بيطري مسئول لمعالجة دواب الحجاج التي تتكدس في ساحة الأنصار بمقابل مادي.
|
|
مراقبة الأسواق بالمدينة .. ضرورية
|
وفضلا عن ذلك نوه الطبيب شاكر القيساري إلى ضرورة مراقبة الأسواق، ومصادرة الأطعمة الضارة بالصحة، ومنع بيع الفاكهة المعطوبة، وضرورة تعمير وترميم بئر غرس الموجودة في حي العوالي، والحفاظ عليها من التلوث حفاظا على صحة الحجاج وزوار قبر النبي.
عاد الطبيب شاكر القيساري إلى التأكيد على أن الحجاج الهنود هم الذين جلبوا معهم وباء الكوليرا الذي تفشى إبان حجزهم مع الحجاج الآخرين في الحجر الصحي بميناء جدة. ولم يفته أيضا الإشارة إلى أن وباء الكوليرا قد وصل إلى أراضي الحجاز برفقة قافلة حج يمنية جاءت عن طريق البر.
ونظرا لعدم وجود معلومات لدى الدولة العثمانية حول كيفية مجيء حجاج الهند، وكيفية نقلهم لوباء الكوليرا؛ فقد أوصى شاكر القيساري في تقريره بمنع دخول هؤلاء الحجاج مرة أخرى إلى بلاد الحجاز. مع ضرورة إرسال العديد من الأطباء إلى الأراضي المقدسة لمحاصرة هذا المرض وتطويقه.
ولم يغفل أيضا عن أن يذكر أن من أكثر الأسباب التي تؤدي إلى الوفاة في بلاد الحجاز بشكل عام مرض الإسهال المدمم المسمى بالذخيرة. وهو بداية أعراض مرض الجدري الذي يؤدي إلى ظهور وفيات عديدة. ونصح بالتلقيح بالمصل المضاد للجدري الذي لم يكن معروفا في مكة المكرمة؛ وهذا ما سبب زيادة الوفيات بهذا المرض.
وفي ختام تقريره المقدم إلى السلطان عبد الحميد أوصى الطبيب العثماني شاكر القيساري بضرورة زيادة النفقات التي تدفعها الدولة العثمانية للعناية بمدن مكة والمدينة إلى 8 أضعاف قيمتها من أجل الاهتمام بصحة الحجاج بشكل أفضل، وخاصة الحجاج المرضى والفقراء الذين تضيق طاقة ولاة مكة والمدينة على استيعاب نفقاتهم. وحتى يستطيع الحجاج الذين وصلوا إلى الأراضي الحجازية بعد مشقة بالغة أن يقوموا بإكمال أداء شعائر فريضة الحج، وهم في صحة جيدة وعلى أكمل وجه.
أستاذ التاريخ في جامعة الزقازيق - مصر
|