|
تصاعدت في الآونة الأخيرة الدعوة إلى تجديد الخطاب الديني في العالم العربي، وهذا ليس جديدا في حد ذاته وإنما الجديد أنها صارت تأتي -مؤخرا- ترافقها دعوة موازية لاستصحاب التجارب الإسلامية غير العربية في التجديد الديني بدعوى الخروج عن المركزية العربية التي يحملها البعض قدرا لا بأس به من مسئولية تعثر خطاب التجديد وحركته.
وكان من أبرز ما حمل هذه الفكرة مؤخرا المؤتمر الذي نظمه مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان بالتعاون مع شبكة الإسلام الليبرالي بإندونيسيا بدعم من المفوضية الأوروبية والذي حمل عنوانا مباشرا واضح الدلالة: (حقوق الإنسان وتجديد الخطاب الديني: كيف يستفيد العالم العربي من تجارب العالم الإسلامي غير العربي).
كانت أوراق المؤتمر ومناقشاته ثرية ومتنوعة، وشارك فيها عدد من المفكرين والباحثين المتميزين من أنحاء متفرقة من العالم العربي والإسلامي، فكان هناك مشاركون من ماليزيا وإندونيسيا وجنوب أفريقيا ومساهمات من إيران وتركيا إضافة إلى باحثين من المهجرين؛ الأوروبي والأمريكي.
كانت الأفكار تلتقي جميعها في الدعوة إلى انفتاح العالم العربي على تجارب إسلامية غير عربية في تجديد الخطاب الديني خاصة في قضايا حقوق الإنسان؛ وهو ما يستلزم تجاوز ما سمي بـ"المركزية العربية" واستلهام خبرات أخرى من العالم الإسلامي غير العربي.
بشكل عام تبدو الفكرة الرئيسية للمؤتمر جيدة؛ حيث تفتح للعقل العربي آفاقا للنظر وتمده بتجارب من الاجتهاد والتجديد الإسلامي غير تلك التي عايشها وأحاط بها علما، كما أن من شأنها أن تخرج به عن إطار الجمود الذي يجعله لا يراوح مكانه ولا يرى العالم إلا في عالمه العربي المحدود... غير أن الأفكار لا تناقش خلوا من سياقها كما لا يكتفي منها بدلالتها الظاهرة.. وهو ما يستدعي مناقشة أوسع للسياق الذي تطرح فيه الفكرة والوقوف عند حدودها وإمكانات تحقيقها وما إذا كان ذلك يسير في اتجاه دعم حركة التجديد أم يتعلق بسياق مفارق تماما لها.
المركزية العربية.. وداعا
أول ما يمكن التوقف عنده هو ذلك الحديث المتواصل والملح على إنهاء "المركزية العربية" في فهم النص والاجتهاد معه، فرغم أنها تبدو وجيهة إذا ما علمنا أن الإسلام رسالة الله إلى الناس كافة وليست للعرب وحدهم، وأن مسيرة الاجتهاد الإسلامي شاركت فيها بسهم وافر أمم وشعوب غير عربية، فإن هناك ما يثير القلق من إطلاق القول بذلك دونما الاحتراز إلى أن ثمة مركزية عربية لا يمكن تجاوزها مهما تحدثنا عن التعددية في فهم النص واختلاف منظورات مقارباته.. فالقرآن كنص عربي ونزل بلسان عربي مبين ولا يمكن القفز على مركزية عربية النص.. وليس هناك ما يثير القلق من أن تعكس هذه المركزية تعصبا عربيا إذا ما اعتمدنا التعريف النبوي للعربية باعتبارها معطى ثقافيا وليس عنصريا.. قوله صلى الله عليه وسلم: "ألا إنما العربية اللسان".
والمفارقة أن الحديث عن تجديد ديني أو اجتهاد أصيل في التعامل مع النص القرآني العربي يبدو ناقصا من دون الحديث عن مركزية عربية لا يمكن لأي اجتهاد أن يتجاوزها، وهو ما يجعل التجديد في الإطار العربي (بالمعنى الثقافي) هو الخبرة التي تتحقق فيها أهم شروط التجديد المرتجى، على الأقل بالنظر إلى المجتمعات الإسلامية غير العربية التي لا تستطيع -حتى على مستوى النخبة- التعامل المباشر مع النص، وتبقى قراءاتها واجتهاداتها مرتهنة بشكل من أشكال التقليد لإمام أو مجدد لا تستطيع منه فكاكا.
أي تعددية؟
هناك إلحاح على فكرة تعددية الإسلام، وهي فكرة لا تتعلق بالإعلاء من التعددية في فهم النص والاجتهاد معه حسب بيئات وأحوال ووقائع مختلفة التي هي أمر محمود ومتفق عليه، بقدر ما تحيلنا إلى ما يمكن أن نسميه بالمقاربات الاجتماعية لفكرة الدين نفسه باعتباره محض ضرورة بل معطى اجتماعيا، والتي لا ترى الدين إلا في الممارسات الفعلية لأتباعه وتبتعد تماما عن الجانب الثبوتي للدين (الدوجمائي) فترفض بذلك أي حديث عن نموذج أو معيار في تعريف الدين.
ومن ثم تصير كل التجارب والنماذج الإسلامية على قدر واحد من المشروعية حتى تلك التي يختلط فيها الدين بأعراف وتقاليد وقيم بعضها وثني وبعضها من ملل وأديان غيره ومخالفة له (كما هو الحال في البانجسيلا التي تعرضت لها أوراق من المؤتمر بالإشارة وتمثل منظومة القيم الحاكمة في إندونيسيا)، وهو ما يؤدي إلى أن تفقد أي رؤية أو مشروع تجديدي الحق في أن تتحدث قواعد محددة في تجديد الدين، وهو ما من شأنه أن يدخل التدين الإسلامي في حالة سيولة وغياب للحدود والقواعد الحاكمة.
إن الحديث المبالغ فيه عن تعددية لا نهائية للإسلام عبر الإحالة إلى نماذج مختلفة للإسلام المعيش أو التدين الفعلي لدى شعوب مختلفة من شأنه أن يضرب مبدأ المعيارية الذي طالما أعطى تماسكا للإسلام حفظه من الذوبان النهائي في عادات وقيم وتقاليد بل وأديان أخرى دون أن يلغي قدرته وقابليته للتوطن والتمثل في حضارات ومناطق جغرافية مختلفة.
والواقع أن التغيرات التي لحقت بالأديان في الحقبة الأخيرة (حقبة النيو إيدج: أو الإيمان دون انتماء محدد) والتي كان من أبرز سماتها حالة السيولة التي تزامنت مع ما بعد الحداثة وتراجع اليقينيات والحدود الفاصلة بين المعتقدات، وليس من المبالغة القول إن ذلك ربما استدعى الحديث عن ضرورة أقلمة الإسلام والقبول بتعددية مفرطة بل لا نهائية للإسلام بقدر ما تحتاج إلى بعض من العودة إلى المعيارية والقياسية التي نجدها في الخطاب السلفي.
فالفهم السلفي يجعل عملية التجديد رهنا بالعودة إلى نموذج أو معيار له درجة من الثبات وهو ما يمكن أن نفهمه من الحديث النبوي الشريف "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله؛ ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين". فدائما ما كان التجديد يعني -في بعض جوانبه- تنقية الإسلام مما علق به من عادات وتقاليد وقيم خارجة عنه، وإعادته غضا نقيا كما كان في عصر نزوله.
تجارب منتقاة
وإذا ما جاوزنا الإشكالات النظرية للفكرة نفسها -تجاوز المركزية العربية والانفتاح على الآخر غير العربي- وانتقلنا إلى النماذج التي تدعو إلى الانفتاح عليها والاقتباس منها تأكدت لنا الشكوك التي تحيط بالفكرة ومقصودها.
ومن المؤكد أن المقصود بالخبرة ليس مطلق الخبرات الإسلامية غير العربية، فخبرة أبي الأعلى المودودي والجماعة الإسلامية لن تكون محل ترحيب حتى وإن وجدت تأثرا واسعا بها في العالم العربي، أو إعادة إنتاج لها عبر النموذج القطبي.
كما ليس من مقصوده -أيضا- التجارب الإسلامية التي تأثرت بنماذج أو خبرات عربية أو تحمل نفس معالم خبرة الإخوان المسلمين التي امتدت تأثيراتها إلى شرق آسيا وأجزاء كبيرة من العالم الإسلامي، ولا هي بالطبع خبرات آسيا الوسطى والقوقاز التي أعادت إنتاج الخبرة السلفية الجهادية.
وإنما المقصود هو خبرات مقارباتها الأساسية هي التعايش والقبول بالآخر الديني والتركيز على التنمية الاقتصادية دون الجدل العقائدي.. ورغم وجاهة هذه المقاربات فإن الإحالة على هذه النماذج لا تخلو من التحايل والتضليل.
فالخبرات التي يحال إليها لا تكمن أهميتها فيما تقدمه من مقاربات في التعايش والقبول بالآخر والتسامح الديني (وهو ما يستحق الحفاوة في كل الأحوال) بقدر ما تكتسب أهميتها في كونها لا تتقاطع مع أفكار الجهاد والمقاومة والاستقلال الحضاري، وأنها تتعايش وتتوافق مع النموذج الليبرالي الرأسمالي الغربي ولا تبحث عن بديل له، فضلا عن أن تسعى لمواجهته، بل هي نماذج -في مجملها- متوافقة مع السياق العام، والأهم من ذلك أن مقارباتها لفكرة الدين نفسها تبدو متقاطعة مع الغرب إن لم تكن متماهية معه تماما فلا ترى إصلاحا دينيا ممكنا إلا عبر الطريق الذي سارت فيه حركة الإصلاح الديني في أوروبا ورسمت معالمه.
في بؤس النموذج
|
|
مهاتير محمد
|
النموذج الماليزي ثم الإندونيسي بدرجة أقل ظلا من أكثر النماذج التي يحيل عليها دعاة الخروج من ضيق المركزية العربية إلى رحابة العالم الإسلامي غير العربي، وكانا حاضرين في المؤتمر من خلال تجربة "جماعة أخوات الإسلام" ذات المنطلقات الليبرالية من ماليزيا و"شبكة الإسلام الليبرالي" من إندونيسيا، والعبرة التي كانت مرجوة للعالم العربي من البلدين هي الاستفادة من تجارب حققت مطلبين مهمين: التنمية والتعايش، فالحديث لا يتوقف عن ضرورة انفتاح العالم العربي على النهضة الماليزية وعلى خبرة التعايش بين مكونات مختلفة بل متنافرة في مجتمع مثل إندونيسيا.
هذا المطلب الوجيه والمشروع يغفل عن حقائق يبدو ذكرها بالغ الأهمية في كلتا التجربتين، فإذا تحدثنا عن تجربة "النهضة" الماليزية فإننا لا يمكن أن نردها إلى تجربة أو مشروع إسلامي تجديدي، كما أن حظ المسلمين فيها أقل من أن يجعلنا ننسب التجربة إليهم فنتحدث عن نموذج إسلامي نهضوي فشل العالم العربي في التأسي به أو مسلمين مختلفين ضل العرب طريق الاقتداء بهم.
فرغم التقدير البالغ لرؤية وإدارة مهاتير محمد، وجيل من الساسة الملايو المسلمين فسنجد أن القفزة الاقتصادية في ماليزيا قام بها الصينيون بشكل أساسي وعبر جذب رؤوس أموال صينية، كما أن نصيبهم يزيد عن 60% من مجمل الاقتصاد الماليزي بالرغم من أن الملايو المسلمين نسبتهم تزيد عن 57% من تعداد السكان.
وهناك شكوى مرة لقادة ماليزيا من تراجع كفاءة وعطاء عنصر الملايو المسلم مقارنة بالهنود والصينيين الذين تزيد مقدرتهم التنافسية عن الملايو بكثير، كما تزداد الشكوى من أن سياسية التمييز الإيجابي التي اتبعتها حكومة الملايو لعدة عقود لم تنجح في دعم قدرة الملايو التنافسية فتراجعت لحساب الصينيين والهنود.
كما أن التجربة الماليزية لا تختلف عن أي تجارب شبيهة لها في المنطقة نفسها (سنغافورة – تايوان – كوريا) وهي في الأساس تجربة رأسمالية يجب عدم المبالغة في تقدير الوزن النسبي للرؤية الإسلامية فيها.
وإن كان فيها من رؤية جديرة بالاحترام والتأسي فهي إصرار قائدها الفذ "مهاتير محمد" على مساحة من الاستقلال الوطني في مواجهة آلهة العولمة التي سعت بعد الأزمة التي واجهتها ماليزيا إلى إلحاقها كاملة بدوائر الهيمنة (صندوق النقد والبنك الدولي) ليعيد مهاتير سيرة خلفه في هذه المنطقة من العالم من رموز وقادة حركة التحرر الوطني في دول الجنوب.
الغريب أن الحفاوة التي يبديها البعض -خاصة العلمانيون- بالتجربة الماليزية في إشارة إلى فشل النماذج العربية تغفل عما يمكن أن نعتبره -بامتياز- انتهاكات صارخة في سجل حقوق الإنسان تضرب تماما في مبدأ المواطنة؛ فهناك تمييز لمصلحة الملايو على حساب الأعراق الأخرى في الفرص السياسة والاقتصادية بل وفي التعليم الذي يؤسس حقوقا للملايو ليست لغيرهم، وهو ما لا يمكن أن نجده في دولة عربية واحدة ممن لا تخلو التقارير الحقوقية من تنديد بها واعتراض.
وينسى من يدعون إلى الانفتاح العربي على النموذج الماليزي مشكلة وقوع المنطقة العربية في مرمى النيران الإستراتيجية؛ فهي منطقة استهداف حضاري، ومهما قلنا عن المسئولية الذاتية في التخلف فلا نستطيع استبعاد الخارج ودوره في الحفاظ على حالة التخلف.
ومن هنا يبدو من التعسف المقارنة بين التجربة العربية والتجربة الماليزية للوصول إلى التفوق الماليزي، فمثل هذه المقارنة تقفز على حقائق تتعلق بكون ماليزيا واقعة في منطقة رخوة بالنسبة للحسابات والتوازنات الإستراتيجية الغربية، فلم تكن ماليزيا مستهدفة إستراتيجيا من الغرب بما يمكن أن يعرقل خطوات نموها، بل ربما كان النمو الماليزي -في وقت ما- مطلبا غربيا لاقى دعما مباشرا بسبب وقوعها في الجوار الصيني السوفيتي والرغبة الغربية في دعم تجارب نمو مستقلة عن هذين النموذجين، وهو ما لم يتوفر للعالم العربي الذي تعرضت مشروعات النهضة فيه إلى عراقيل غربية وصلت حد التدخل المباشر لوأدها كما جرى في تجربة محمد علي في أوائل القرن التاسع عشر، أو في تجربة جمال عبد الناصر في النصف الثاني من القرن العشرين، وكلتاهما انتهت بتدخل سافر من القوى الغربية التي رأت فيها تهديدا لمصالحها وتوازناتها الإستراتيجية.
الشيء نفسه ينطبق إلى حد كبير على إندونيسيا؛ فالحديث عن رؤية إسلامية مختلفة للتعايش وإدارة التنوع الثقافي والعرقي يبدو مضللا إذا ما علمنا أن البلاد عاشت فترات من القمع وانتهاك حقوق الإنسان في أثناء حكم سوهارتو، ثم شهدت مع عزله صراعات دينية وعرقية مورست فيها أشد عمليات التصفية والمواجهات العرقية وأكثرها بشاعة بما يندر حدوثه في العالم العربي.
وجه الاهتمام
|
|
محمد أركون
|
إن أهمية تجارب مثل ماليزيا وإندونيسيا لدى الخطاب العلماني الداعي للخروج من المركزية العربية لا تكمن أساسا في فرادة خبرات النهوض أو التعايش التي تحققت فيهما بقدر ما تتمثل في أنهما يقدمان نموذجا لخطاب إسلامي تأسس خارج المنظومة الإسلامية السنية الأصولية المهيمنة على المشهد الديني في عالمنا العربي. وهي منظومة قوامها مبدأ حاكمية الشريعة ومسكونة بهاجس الأمة والطموح إلى قيادتها بالجهاد ضد الحملة الأمريكية الغربية.
أهمية استدعاء الخطاب الحقوقي العلماني لخبرة "جمعية أخوات الإسلام" الماليزية "وليس الحزب الإسلامي الماليزي أو جماعة إصلاح ماليزيا.. مثلا" أنها تمثل خروجا على التقليد الإسلامي السائد والمستقر (من أنشط أعضائها أمينة ودود التي دعت إلى إمامة المرأة وكانت أول امرأة تؤم الرجال في صلاة الجمعة الشهيرة بالولايات المتحدة) وتمثل إمكانية مزواجة مطلوبة بين الإسلام والمنظومة الليبرالية الغربية.
وأهمية الخبرة الإندونيسية -مثلتها شبكة الإسلام الليبرالي- في كونها قطعت أشواطا في مسيرة التحديث الديني متأسية بتجربة الإصلاح الديني في أوروبا، فالمقاربات الحداثية للنص القرآني رواجها وانتشارها الأكبر في إندونيسيا التي صارت سوقا واسعة لكتابات نصر حامد أبو زيد وحسن حنفي ومحمد أركون ومحمد شحرور وجمال البنا.. وكل المفكرين الذين اعتمدوا المناهج الحداثية الغربية في مقاربة النص ولفظتهم المنظومة السنية الأصولية السائدة.
والواقع أن هذه الدعوة على وجاهتها، وحسن نوايا من ينادون بها لا تبعد كثيرا عن المشروع الأمريكي لإعادة هيكلة المنطقة العربية دينيا، وذلك عبر تفكيك المنظومة الدينية السائدة في المجتمعات العربية الأكثر عصيانا وممانعة والأكثر إيغالا في حركة المقاومة المضادة للمشروع الأمريكي... إنها المنظومة التي ما زالت تهيمن فيها خطابات الإحياء الإسلامي وصون الهوية وإعادة وحدة الأمة.
|