|
من الصعوبة وربما كانت مجازفة وادعاء أن نقول ببدايات عصر ونهايات آخر؛ وتزداد المجازفة لتصل حد الادعاء أحيانًا إذا ما كان ذلك في تاريخ الثقافة والآداب الإنسانية، لكن ما حدث هو أن رواية جديدة صدرت مؤخرًا في مصر نجحت في انتزاع مثل هذا الادعاء من النقاد والمهتمين بالرواية العربية باعتبارها مفتتح ما يمكن أن يسمى بالرواية الشبابية!.
البداية بسلسلة للمجانين!
الرواية هي "أن تكون عباس العبد" التي صدرت عن دار "ميريت" للطباعة والنشر بالقاهرة للشاب (أحمد العايدي).. وتُعَدّ الرواية أول عمل منشور رسمي لكاتبها الشاب الذي بدأ كتابة بعض القصص القصيرة في سلسلة "شعبية" تدعى (مجانين)! قبل خمس سنوات، ويبدو أن روح هذه القصص القصيرة "الساخرة" التي قرأناها له ونحن في بدايات الدراسة الجامعية ما زال لها صدى في الرواية.
في الرواية يتحدث (العايدي) على لسان راوٍ يقابل صديقه "عباس العبد"، ويبدو الراوي غير راضٍ عن حياة صديقه لكنه يعيش معه، ويتهكم على الحياة من حوله ويتمرد، أو يبدو متمردًا على حياة "عباس" الذي يحترف "معاكسة الفتيات" حتى يقرر الانتقام منه، عندما يذهب بدلاً منه إلى الفتاتين (وكلتاهما تحمل اسم "هند" وتعكسان طبقتين مختلفتين من المجتمع استطاع "عباس العبد" أن يوقع بهما في حبائله)، فيتفق مع واحدة منهن "التي يرق لحالها" على الانتقام من "عباس"، وذلك بكتابة رقم تليفونه على أبواب "دورات المياه النسائية" مشفوعًا بعبارة "كلميني".. ونفاجأ في النهاية أننا بإزاء شخصية واحدة.. تعاني حالة الفصام... في هذا الإطار تدور أحداث رواية "أن تكون عباس العبد"...
وعلى هذا النحو يتحدث "العايدي" عن جيل كامل من الشباب العربي نشأ وترعرع في ظل أوضاع سياسية متردية، رتبت عليهم أن يواجهوا ذلك الواقع بتمرد بدا منطقيًّا... وعاكسًا للحالة التي يعيشون فيها.
جيل ليس عنده ما يخسره!
"في مصر كان هناك (جيل النكسة) نحن الجيل الذي يليه، جيل "معنديش حاجة أخسرها"
نحن جيل من المتوحدين تحت السقف نفسه، مع غرباء لهم أسماء تشبهنا.......
ما أسوأ ألا يكون لديك ما هو أسوأ".
ستطالع في أجواء الرواية هذا المقطع الذي ربما كان الأكثر كشفًا لمحنة الكاتب وجيله ذلك الجيل الذي تأسس وعيه في ظل إعلان رسمي بانتهاء مرحلة التحرر الوطني (بإعلان حرب أكتوبر 1973 آخر الحروب) والانتقال إلى مرحلة الصلح مع الأعـداء، وإعلان "إسرائيل" كدولة صديقة بعد أن كانت عدوة!!، ولم تنجح أي قوى وطنية معارضة في منع حدوث ذلك... جاء هذا الجيل في ظل غياب أي مشروع. المشروع الرسمي فاشل؛ لأنه لا يحقق وعود السلام والرخاء، والمشروع المعارض محارَب.. وفي نفس الوقت فإن الأزمات الاجتماعية التي يعيشها الوطن على كافة المستويات صارخة، وصاخبة، وضاربة في أعماق الأرض، وخاصة في الطبقات الشعبية، والمتوسطـة التي ولد معظم هؤلاء الشباب من رحمها...
جيل كامل من الشباب يعيش على "الهامش"!!.. يحيا بالكاد، يملؤه اليأس، والإحباط.. فيملأ ساحات المقاهي "التي لم تألُ الحكومة جهدًا في نشرها"، وعلى نواصي الطرقات.. يحترف مهنًا أخرى غير تلك التي لم يجدها، ولن يجدها... احترف فعلاً أشياء عديدة... منها -مثلاً- "معاكسة الفتيات"، وهن ذلك "النصف الآخر" الذي لا يزيد حظه كثيرًا عن "الشباب"... فالمرحلة العمرية، والحياة الاجتماعية، واليأس والإحباط... وكثير من الملل في الحياة يجعلهم يتقاربون!!!
أنا كما أنا لا كما تريدون
تفضح الرواية وتفصح "على السواء" ذلك الطراز من الشباب على نحو مكثف، ومركز، ومتقن إلى حد بعيد، نحن بإزاء كاتب استطاع أن يكتب بطرائق "حديثة"، أبعدته عن غموض "الحداثة" وتعقيداتها، فبعد "المقدمة" المدهشة التي يقدم بها "العايدي" روايته، نجد أنفسنا أمام الفصل الأول (1) الذي لا يزيد عن الورقات الثلاث!!، ولكنها ثلاث ورقات صارخة: (تقبلوني كما أنا، لا كما تريدون لي أن أكون)... وكأنها المقدمة الحقيقية للرواية؛ إذ يقول في نهايتها: "فمعًا سنرتشف الخبال رشفة بعد رشفة"...
تستخدم الرواية عددًا من التقنيات "الحديثة/ المستحدثة".. تقنيات نابعة من لغة "الكمبيوتر"، و"الهاتف المحمول"... لغة العصر... إذ نجد الكتابة التي شاعت مع استخدام "الشات"... حيث تكرار بعض الحروف لتأكيدها، وانتشار عبارات إنجليزية، والحرص على ترجمتها! ... وكذلك تغيير "بنط" الخط للتمييز بين نوعين من النص المسرود، فهو يقدم لكل فصل بمقدمة تبدو "حِكمية" تمامًا، يفصل بينها وبين النص المسرود "الرواية"، يكتشف القارئ في النهاية أن كل تلك المقدمات يتم تجميعها في آخر الرواية (قبل الخاتمة) لتكون نصًّا واحدًا مكتملاً بمفرده يمثل لحظة "التنوير" في الرواية، حين يكتشف القارئ حقيقة الراوي: (عبد الله/ عوني/ عباس)... يتخللها كلمات حوار "شاهندة" زوجة الخال الدكتور النفسي "عوني"... فنكتشف الحقيقة، ولكنها في الواقع حقيقة صادمة، وغريبة، كيف يريد الكاتب إقناعنا أننا ظللنا نتخيل وجود 3 شخصيات في الرواية، في حين أنه شخص واحـد يمارس كل تلك الأدوار، ذلك الواحد في الحقيقة.. هو... فيما يبدو المؤلف...!!
يمتلئ النص بالكلمات المستخدمة في (الهاتف المحمول، والشات) على السواء.. وهي اللغة الإنجليزية المنطوقة: u r.. كاختصار لــ you are ... وهكذا... تقنيات عصر العولمة، والإنترنت، والسماوات المفتوحة الذي يتيح له الاستشهاد بأفلام أجنبية، ويأتي في النص بـ "مايكل دوجلاس، وساندرا بولوك، وميج ريان...".
كما يمتلئ النص بالانتقادات السياسية اللاذعة بلغة صريحـة كاشفة عن جيل "ليس لديه ما يخسره":
"من يقرأ التاريخ في معظم دول العالم الثالث سيجد المأسـاة مؤلمة، كثيرون تحرروا بالثورة مـن المحتل الأجنبي ليخضعوا طوعًا لبراثن (المحتل الوطني).. وفي ثلث بلدان العالم الثالث -تقريبًا- عليك أن تحمل (باسبور) "أمريكاني" لتعامل كمواطن محترم!!..
"طب إنتا عاوز إيه دلوقتي"؟؟؟
هم يقولون: إذا لم تفعل شيئًا لأحدهم، فإن أحدهم سيفعل شيئًا لك.
وأنا أقول: إذا لم تفعل شيئًا لنفسك فإن أحدهم سيفعل شيئًا لك.
والآن رجـاء
قدم لنفسك معروفًا، ولا تتلكأ.
اعرف العدو الكامن فيك، ودعه ينطلق، اعط نفسك نقاط ضعفك، أعطه عيوبك، وقلبك المشوه.. ثم اقتل نفسك).
كتابة ضائعة
طوال سطور الرواية تشعر وأن الكاتب يحمل وعيًا خاصًّا.. ويريد أن ينبه المجتمع عليه.. فكل ما يسرده الكاتب في روايته "أشياء تحدث" يتجاهلها المجتمع كثيرًا، يريد الكاتب أن يفضحها، ويكشف وسائلها.. وما دام الصمت لا يجدي، فليكن الكلام... الكتابة بديلاً عن الحياة... تلك الحياة التي يصورها المؤلف في الرواية، حياة الشباب الضائع.. وسنكتشف في النهاية أن كل أبطال الرواية أبطـال إشكاليون -التعبير المهذب عن الضياع-.... حتى المؤلف نفسه!!... ذلك الذي يبدو ظهوره أحيانًا في بعض فصول الرواية جليًّا، بل ويبدو وهو يقدم تلك النصائح "التهكمية" للقارئ:
(اطحن نشارة الخشب وامزجها ببودرة (التلك) أغلق علبة البودرة وهزها جيدًا، ثم أرجعها لـ(صيدلية الحمام) أو لرف ( السوبر ماركت).. وانصرف صاحبتك السلامة... تخلص من كتابك الثمين... حافظ على نظافة العالم، واطرح كتابك في القمامة)!!!...
مزيج مرير من الجد، والهزل، والعقل، والجنون... والتهكم، والسخرية تمتلئ به صفحات تلك الرواية التي لا تتجاوز 126 صفحة من القطع المتوسط... قد لا تتعدى المائة إذا تمت كتابتها بالطريقة العادية... ذلك أنها مكتوبة أصلاً بطريقة مختلفة تمامًا... تبدو معتمدة على تقنية (القص واللصق)... والأسطر القليلة الكلمات..
(أنـ(داخـ(أنـ(داخـ(أنا)ـل)ـا)ـل)ــا)
استغلال خطير لتقنيات الكتابة بالكمبيوتر لتوضيح "تداخل الشخصية" من خلال هذه الكلمة البسيطة المرسومة بعناية: (أنا) (داخل) (أنا) (داخل) (أنا)... وفك رمز كهذا يشعرنا أننا أمام ثلاث (أنات) "متداخلة"... ونحن في النص/ الرواية، بإزاء ثلاث شخصيات: عباس العبد، الراوي "عبد الله"، "عوني" الدكتور النفسي خاله...
نكتشف في النهاية أن الشخصيتين الأخيرتين (واحد)، بعد أن "تقمص" الدكتور شخصية ابن أخته "عبد الله"... ولكن يبدو حضور "عباس" هنا، وعلى الرغم من كونه مفارقًا فإنه يبدو متحدًا مع شخصية الدكتور... في النهاية المدهشة -بطبيعتها-... حيث يكتشف القارئ أنه بإزاء شخصية مصابة بانفصام ثلاثي!!!
ومن اللافت أن النص يكثر من استخدام مصطلح (الخوف المرضي) "الفوبيا"... بأشكال متنوعة، توحي بأن "الخوف" مسيطر على الحياة... بشكل عام.. هذا وتسير الرواية بشكل عام في خطوط يربط بينها التداخل، فالرواية عندما تتحدث على لسان الراوي عن طريقة التقائه بصديق غائب المعالم "عباس العبد" الذي لا نعرف له أهلاً، وذلك بعد أن تعرض الراوي "عبد الله" للضرب، تلك الصداقة الغريبة التي تجعل "عباس" يستغل صديقه الجديد "عبد الله" للتخلص من بعض الفتيات!!... وينقلب السحر على ساحر، بعد أن يتأثر ذلك الصديق/ الراوي بحكاية الفتاة الضحية (هند السبابيلي) فيقرر الانتقام منه، وذلك من خلال كتابة رقم تليفونه (المحمول) داخل دورات المياه، مشفوعًا بعبارة "كلمني"... مما يجعل منه مهددًا للأمن العام!!
ليست بالضرورة عبثًا
ما تقدمه رواية (أن تكون عباس العبد) ليس بالضرورة عبثًا بقدر ما هي محاولة وصريحة، وربما جريئة، للصراخ في زمن تناسى الصرخات، وفي مجتمع ألف السكات!!، يأتي (العايدي) بلغة صادمة، ولكنها واقعية، ولا تخلو من قدرة على صياغة أدبية راقية تذكرك بمقولة الأديب ورسام الكاريكاتير الساخر "صلاح جاهين":
يوم قلت آه... سمعوني قالوا فسد
ده كان جدع قلبه حديد، واتحسد
رديت على اللايمين أنا وقلت: آه
لو تعرفوا معنى زئير الأسـد
يريد "العايدي" في روايته أن يرفع رءوسًا ارتضت بموقف النعام، والخطر محدق بها من كل جانب، ليس أخطـر من ضياع الشباب، إذا كانوا نصف الحاضر، وكل المستقبل!!... أي مستقبل ينتظرهم إذن...
والجديد أن تلك الصرخة المكتومة/ المكتوبة على صفحات، لم تأتِ مقالة، أو شعرًا، بل جاءت عملاً روائيًّا متميزًا.. هي أول عمل روائي لصاحبه الذي يقود جيلاً جديدًا من الشباب مل الصمت.. وأراد أن يتكلم.
صحفي مصري
|