|
إستانبول- لم يعد المشهد الثقافي بتركيا يسير على وتيرة واحدة مثلما كان الحال في النصف الأول من القرن الماضي. فبعد أن كانت السيطرة على المشهد الثقافي للفكر المادي العلماني واتجاه التغريب الذي وضع خطوطه وطبقها مصطفى كمال أتاتورك (توفي 1938) واستمر عليها رفاقه -خاصة عصمت إينونو- شهدت حقبة الثمانينيات -خاصة بعد عودة الحكم المدني وتراجع العسكر لثكناتهم عام 1983- تنوعا ثقافيا لافتا للنظر جعلنا أمام ما يشبه الـ"موزايك" الثقافي الذي يضم المتناقضات تتجاور فيه كل ألوان الطيف فتقف فيه رموز الحضارة الإسلامية وإنجازاتها جنبا لجنب مع رموز الحضارة الغربية المعاصرة ومؤثراتها في المجتمع التركي. هو موزايك يرى فيه البعض إثراء يعطي الفرصة للمواطن التركي لكي يختار ويقرر ما يتفق مع فكره ويطلع أيضا على أكبر قدر ممكن من الثقافات بينما يراه آخرون تناقضا ومظهرا للصراع بين ثقافتين على أرض بلد واحد.
وفي كل الأحوال يأتي هذا الموزايك الثقافي متوافقا لحد كبير مع التنوع العرقي في تركيا: (أتراك وأكراد وعرب وبلقانيون وقوقازيون) والديني: مسلمون (سنة وشيعة وعلويون)- ومسيحيون (أرمن وكِلدان أرثوذكس وكاثوليك وإنجيليون)- ويهود وطوائف أخرى بلا دين- واللغوي: (التركية والعربية والكردية والبوسنية والقوقازية الشركسية والفارسية والآذرية).
في الصحافة والإذاعات والفضائيات
لو بدأنا جولة سريعة في وسائل الإعلام لوجدنا نظرة على الصحف اليومية التركية تجسد لنا تناقضات المشهد الثقافي التركي إذ ستطالعك جرائد يومية مثل "ميللي غازتة"، و"زمان" و"وقت" و"يني شفق" و"يني آسيا" و"يني مساج" تمتنع عن نشر أي صورة مخالفة للمبادئ والقواعد الأخلاقية نظرا لتوجهاتها الإسلامية، وتتابعها في ذلك صحف أخرى لا علاقة لها بالمبادئ الإسلامية لكنها تسير على طريق المحافظة مثل صحف "جمهوريت" و"راديكال"...
لكنك ستجد على الطرف الآخر صحفا لا تكف عن نشر صور تستعرض أجساد النساء وتستخدمها كسلعة تجارية بشكل مثير أو تدعو وتروج للخمور والتحرر من أي قيد، وهو ما يبدو واضحا على صفحات جرائد يومية كبيرة مثل "صباح" و"ميلليت" و"حريت" و"بوسته" و"جُونش" و"طان"، و"وطن"، و"ستار".
ولتوضيح صور من الموزايك الثقافي في المجلات الدورية نجد أن دور نشر صبغتها إسلامية مثل دار نشر "الأرقم" بإستانبول تصدر مجلات شهرية مثل "ألطينولوك" (ثقافية) و"شبنم" الشهرية النسائية. وشركة فزا للصحافة والنشر تصدر مجلة "آكسيون" الأسبوعية السياسية، وشركة آسيا للصحافة والنشر تطبع مجلة شهرية ثقافية بعنوان "يني دنيا" وشركة كشف للنشر تصدر مجلة شبابية شهرية باسم "جنش استقبال". لكن على جانب المجلات العلمانية تمتلئ الأسواق بمجلات مثل "نقطة"، و"شمعدان"، و"قادينجة"، "آكتوال"، و"بوردا". وإذا كانت جريدة "رافرانس" الاقتصادية تنشر مقالات مترجمة عن صحف غربية مثل لوموند ونيويورك تايمز وفاينانشيال تايمز وول ستريت جورنال؛ فإن صحفا أخرى مثل زمان ويني شفق تنشر مقالات عن صحف عربية مثل الشرق الأوسط والحياة والأهرام.
ومن أكثر ما يعبر بجلاء عن الموزايك الثقافي التركي الإذاعات التي تبث على موجات إف إم، وهي خاصة وكثيرة لا يمكن حصرها، فإذاعات مثل "مرمرة إف إم" أو "مورال إف إم" أو "أكرا" و"راديو يادي 7" أو "أوزل إف إم" تروج لقاموس عربي تركي وأسطوانات لأناشيد وأفلام دينية وتاريخية وتبث آيات القرآن الكريم وآذان الصلاة في وقته وكذا أناشيد وموسيقى حماسية عثمانية قديمة أو تواشيح دينية وتقدم برامج ثقافية تميل للمحافظة وتدعو للأخلاق الإسلامية. هذه الإذاعات قدمت على سبيل المثال برامج على مدار أسبوع في ذكرى المولد النبوي الشريف وكذا في ذكرى يوم فتح إستانبول، بينما إذاعات مثل "سوبر إف إم" أو "راديو فوركس" أو "راديو بايجان" أو "إستانبول إف إم"، لا تبالي بالمولد النبوي أو بذكرى فتح مدينة إستانبول التي تعد واقعة تاريخية بارزة في تاريخ الأتراك، لكنها تولي العناية الشديدة بذكريات تتعلق بأتاتورك وبالجمهورية العلمانية التي أسسها عام 1923، مثل وضع صورة أتاتورك وعلم الجمهورية في جانب شاشات المحطات التلفزيونية طوال الذكرى أو طبع أعداد خاصة من الصفحات وأعداد المجلات التي تتحدث عن تاريخه وإنجازاته وكلماته. هناك كذلك جانب ثقافي طائفي مثل راديو "باريش" الذي يركز فقط في برامجه الموسيقية والغنائية على أغاني التوركو TURKU التي يغنيها أتباع الطائفة العلوية الشيعية. هذا علاوة على بث المحطات الإذاعية والتلفزيونية العلمانية البرامج الحية التي تبحث في موضوعات أخلاقية حساسة لدى القطاع الإسلامي ولدى الريف التركي مثل: حق الفتاة في اختيار حبيبها والتزوج ممن تحب دون تأثير للعائلة، أو حكايات الحب والغرام الواقعية، وحالة الانتحار للأشخاص والعلاقات الثنائية البعيدة عن الزواج الشرعي أو بحث قضايا تتعلق بمشاكل الزوجين الخاصة جدا.
نفس المشهد الملون يمكن رؤيته في برامج المحطات التلفزيونية الخاصة، ففي الوقت الذي تركز محطات تلفزيون مثل DTV وATV وShow TV على بث الأفلام والأغاني المصورة الغربية أو التركية المتضمنة المناظر المستهجنة، والاهتمام المتزايد بمسابقات ملكة جمال نساء العالم وملكة جمال نساء تركيا أو مسابقة الأغاني المصورة الأوربية Eurovision أو إعطاء فرصة لأشخاص من الجنس الثالث (كما هو الحال مع برنامج نسائي صباحى بعنوان في محطة إي تي في) لتقديم برامج جماهيرية يومية مباشرة، أو الدعوة لإقامة علاقات شرعية أو غير شرعية بين الجنسين (مثل برامج آفلانيوروز أو بيري إيله سيرديور أو تركيا أكاديمي سي) عبر برامج تبث على الهواء مباشرة، أو المسلسلات اليومية التلفزيونية التي تدعو للحياة الغربية وتوجهاتها كمسلسلين تلفزيونيين بعناوين "لكي لا يسمع الأولاد" و"حياة بيلجي" اللذين تقدمهما محطة تلفزيون ATV.
أما على الطرف الآخر للموزايك التركي الثقافي فمِن اليسير ملاحظة الفارق والتوجه الثقافي المغاير في برامج محطات القناة السابعة ومحطة تلفزيون إس تي في أو تلفزيون مساج تي في، فالقناة السابعة تبث أفلاما مثل "مريم" الذي يتناول حياة مريم أم المسيح عليهما السلام أو فيلم "الرسالة" أو "عمر المختار" أو مسلسل "مِهر على" في برامج السهرات أو البرامج الدينية الصباحية مثل "أخلاق درسلري" الذي تقدمه القناة السابعة. ومن المفارقات أنه في يوم واحد بل وساعة واحدة ساعة صلاة الجمعة يوم 4 يونيو الجاري قدمت محطة تلفزيون ملتم تي في أنشودة "طلع البدر علينا" في حين كانت محطة تلفزيون دي تي في DTV تقدم برنامج "صوت المرأة" الذي تراشقت فيه المواطنة عائشة أوويت مع زوجها سُونر بك تليفونيا حول النزاع على حضانة الابن وحق التساوي بين المرأة والرجل، وهي نفس المحطة التي تبث برنامجا حيا يوميا بعنوان "صباح.. صباح" يقدم عروضا للملابس النسائية العارية أو الداخلية وتدعو مقدمته المطربة سدا صايان لثقافة التغريب. وفي نفس اليوم والساعة أيضا كانت محطة تلفزيون تي جي آر تي تبث برنامج "صوت المرأة" الذي تقدم فيه الأغاني بين فقرات عرض الخلافات العائلية والزوجية. في حين كانت محطة تلفزيون "ملتم تي في" تقدم برنامجا بعنوان "فلنتعلم القرآن" كانت محطة تلفزيون شو تي في Show TV تنقل على الهواء مباشرة برنامج "الربيع الثاني" الذي يسعى لتزويج المطلقات بمطلقين عبر مسابقة يتلاقى فيها المرشحون أمام الكاميرات وعلى الهواء مباشرة لإبداء الرأي والإعجاب من بعضهم البعض. وكان بإمكانك في اليوم والساعة نفسها أن تتابع في محطة تلفزيون "جاب: TRT-Gap" التي تخاطب الريف التركي برنامجا دينيا يتحدث عن البيئة وتوصيات الرسول بالرحمة والشفقة مع الحيوان تضمن أنشودة "مدد يا حبيب الله"، ويختتم بقراءة آيات من سورة الرحمن بعد أن يدعو للمبادئ والتقاليد الإسلامية والعمل على ترسيخها بالمجتمع التركي وبإمكانك أيضا أن تتابع على محطة تلفزيون ستار Star مسلسلا أسبانيا اجتماعيا تتخلله لقطات مستهجنة ومتعارضة مع التقاليد الإسلامية.
وتساهم شركات الإنتاج الإعلامي هي الأخرى في الموزايك الثقافي فبعد أن كانت كلها تدور في الفلك العلماني تغير الحال وظهرت شركات جديدة مثل Atak أو Elif أو Universal طبعت أسطوانات سي دي عليها قصص الأنبياء وأناشيد دينية وحياة الصحابة الكرام وآيات القرآن الكريم وأفلام كرتون عن شخصيات تاريخية (السلطان الفاتح- صلاح الدين الأيوبي- الصحابي أبو أيوب الأنصاري- كل أوغلان) للأطفال باللون الإسلامي.
في عالم رجال الدولة والمشاهير
|
|
عمدة إستانبول السابق فى زيارة لجامع الخرقة النبوية الشريفة
|
ويبرز موزايك المشهد الثقافي التركي أيضا في مواقف وتصرفات وتوجهات رجال السياسة والحكم والشخصيات العامة، فنجد من رجال الحكم -أو معظمهم- من يميل للثقافة الغربية أو اتباع خطوات أتاتورك، حيث كان زعماء مثل مسعود يلماظ (الوطن الأم) وسليمان ديميريل (رئيس حزب الطريق القويم الأسبق رئيس الجمهورية السابق) وبولنت أجاويد (زعيم الحزب اليساري الديمقراطي) ودنيز بايقال (زعيم الحزب الجمهوري) يقبلون المشاركة في حفلات الرقص الغربي (تانجو وماتادور وكاريوكا) وخاصة مشاهدة عروض الباليه الغربي (روميو وجولييت وهاملت) والموسيقى الغربية لـ بيتهوفن وموزارت وشوبان، ويحبون مشاهدة الرقص الشرقي وحفلات اختيار ملكات تركيا أو فتيات الغلاف. ولكن نجد على الطرف الآخر زعماء وسياسيين يسيرون في الاتجاه المعاكس مثل نجم الدين أربكان ورجائي قوطان وشوكت قازان (حزب السعادة) ومحسن يازجى أوغلو (الاتحاد الكبير) ودولت باغجلى وياخنجى (حزب الحركة القومية) وطيب أردوغان وعبد الله جول والوزراء مثل علي جوشكن وجميل شيشك ورجب آقداغ وعبد القادر آقصو وحسين شليك (العدالة والتنمية) فهؤلاء لا يشاركون إلا في حفلات للموسيقى الشرقية الكلاسيكية (حفلات الموسيقى الصوفية التركية بمتحف مولانا الرومي) أو في المهرجانات الشعبية والرياضية الشرقية الطباع مثل رياضة المصارعة التركية المشهورة باسم ياغلى جورش.
ومناسبات الوفاة والعزاء
وتبقي مناسبات الوفاة والعزاء أكثر ما تتجلي فيه مفارقات المشهد الثقافي التركي فكان لافتا للنظر أن طيب أردوغان رئيس الحكومة التركية تقبل خلال مايو 2004 العزاء في حماه في جامع كلية الإلهيات بإستانبول بعد صلاة المغرب وبقراءة القرآن الكريم وقصيدة المولد النبوي. وركب على غير عادة رؤساء الحكومات التركية سيارة نقل الموتى وجلس بجوار السائق بعيدا عن العُرف الرسمي وذلك عند نقل جثمان حماه لمثواه الأخير وقام بحمل النعش وردم التراب بنفسه فوق المقبرة. وفي جنازة الدكتور محمود أسد جوشن شيخ الطريقة النقشبندية بإستانبول أمكن رؤية صورة ثقافية إسلامية فاتحة اللون.. وكان المشهد يغلفه الصمت والسكينة ويدور بين قراءة القرآن الكريم وصلاة الجنازة والدعاء وهو مشهد جديد تماما على النخبة السياسية حيث كان يكتفى في أفضل الأحوال بتشييع الجنازات وتقبل العزاء عند صلاة الجنازة التي تقام خارج الجوامع (طبقا للمذهب الحنفي) في الأغلب الأعم وتوضع الزهور فوق النعش أو يتم التصفيق ووضع صور المتوفى على الصدر أثناء الجنازة. كما يؤخذ جثمان المتوفى ليوضع في المكان الذي كان يعمل به (مسرح أو مدرسة أو جامعة أو معهد أو بلدية) لكي يتم التأبين بالكلمات والقصائد الشعرية وقيام الزملاء بوضع الزهور على النعش الذي يغطى بالعلم التركي (مثل جنازة أحمد بريشتينا عمدة مدينة أزمير) وتوضع أشياء خاصة بالمتوفى حول النعش مثل صورته وآلته الموسيقية أو بعض كتبه ومؤلفاته فضلا عن إضاءة الشموع في مكان الوفاة تقليدا للثقافة الغربية.
وقد ثار الجدل مؤخرا في هذا الشأن بعد وفاة المطرب الراحل جم قراجا الذي أوصي -على غير العادة وفيما يشبه المفاجأة- بعدم التصفيق وراء جنازته والاكتفاء بالدعاء، وكان من نتيجته أن أصدرت هيئة الشؤون الدينية التركية فتوى بعدم جواز التصفيق والهتاف وراء المتوفى أثناء الجنازة.
ونفس الخلاف يظهر كذلك في كتابات شواهد القبور، فقطاع يستخدم العبارات العربية وكلمات التركية العثمانية ذات الحروف العربية أو كلمات القرآن في حين يفضل آخرون التركية اللاتينية في كتابة عبارات شاهد المقبرة أو يضع صورة للمتوفى على الشاهد أو يكتب بيتا شعريا أو قولا مأثورا.
المرأة التركية.. عالم من التناقضات
|
|
مظاهرات لطالبات محجبات
|
وتعد المرأة أهم مظهر للانقسام الثقافي ففي الشارع التركي يمكنك أن ترى العجب في العلاقة بين الحجاب والسفور الذي يصل حد العري. فهذه امرأة شابة تتمسك بحجابها وترفض التراجع عنه بأي حال لدرجة ترك التعليم وفرص العمل أو الزواج بثري. وهذه شابة ترتدي ملابس تكشف مفاتنها والحساس منها وتسير به في الأماكن العامة غير عابئة بنظرات أحد أو رفضه. وهذه سيدة محجبة تمتنع حتى عن رد السلام من باب الحيطة ودرء الشبهات وأخرى سافرة تسير متعانقة مع شاب على قارعة الطريق أو تدفن رأسها في صدره في الحافلات العامة والمترو، أو تقبل شابا في الطريق العام. وهذه شابة تدخل الجامع لأداء الصلاة في موعدها، حتى في يوم الجمعة، أو تشارك في صلاة الجنازة، وتقرأ آيات القرآن عند زيارة المقابر -كما هو الحال مع أمينة أردوغان زوجة رئيس الحكومة- أو في الصحبة النسوية الأسبوعية. لكن شابات أخريات أو سيدات لا يعرفن الجامع إلا كرمز قديم وبناية تاريخية سياحية، ويقفن بعيدا عن صلاة الجنازة يبدون مستغربات من وقائعها ومعناها حتى إن جان آريطمان عضوة البرلمان عن الحزب الجمهوري طالبت يوم 9/6/2004 بإغلاق مسجد للسيدات بالبرلمان التركي قائلة بأنها لم تشاهد أحدا يصلي به طوال سنوات.
وقد ترى امرأة تركض مسرعة بعد صلاة المغرب في رمضان لتصلي التراويح في الجامع وأخرى تركض وبنفس السرعة ناحية أماكن السمر في ميدان السلطان أحمد أو فسخانه أو باغجه شهر أو شارع الاستقلال. وهذه تذهب للكوافير بشكل دائم وتستخدم مساحيق التجميل وتذهب للبحر بالمايوه وتسترخي عارية تحت أشعة الشمس وأخرى لا تقترب من الكوافير إلا وقت زواجها وقد لا تذهب لشاطئ البحر مطلقا لتناقض أجوائه معها.
وإذا كانت شركات إنتاج ملابس مثل تكبير ونِسوان وعرفات وأودمه سبورت أو وِلدان تنتج ملابس المحجبات وتقيم شركة تكبير معرض أزياء إسلاميا سنويا تساندها فيه محطات وصحف شرقية الثقافة؛ فإن شركة زكي لإنتاج ملابس البحر تقيم عرض أزياء سنويا للمايوهات والملابس الداخلية للمرأة والرجل بمنتجع بُوديُوم السياحي بأنطاليا وتبث محطات تلفزيونية تتوافق معها في الموقف الثقافي لقطات طويلة من تلك العروض.
موزايك للجمعيات والوقف الخيري
|
|
مسابقة الأذان وقراءة القرآن
|
وللجمعيات الأهلية والوقف الخيري دور كبير في دعم التوجهات الثقافية المتنوعة بالمجتمع التركي. فعلي سبيل المثال أقامت مجلة "شباب الأناضول" المدعومة من وقف ميللي جوروش الخيري بقيادة أربكان يوم 12-15 يونيو الحالي سلسلة من الموائد القرآنية بجوامع كوجه تبه بأنقرة والسليمانية والسلطان أحمد بإستانبول والجامع الكبير ببورصا شارك فيها قراء شبان من العالم الإسلامي بينهم ياسر عبد الباسط عبد الصمد ابن المقرئ الراحل عبد الباسط عبد الصمد ودعيت الجماهير للمشاركة عبر إذاعة أوزل إف إم، ووزع مجانا مليون نسخة قرآن، هذا علاوة على تنظيم مسابقتين لأفضل قارئ للأذان والقرآن الكريم أقيمتا بجامع السلطان أحمد يوم 12 يونيو 2004 بمناسبة مرور 388 سنة على إنشائه. بينما يدعو وقف جم الخيري Cem Vakif لحفلات غنائية لمشاهير المغنين من الطائفة العلوية عبر محطة باريش إف إم ويطبع صورا تنسب للإمام علي رضي الله عنه، في الوقت الذي يقيم وقف الكتاب والصحفيين الأتراك TYGV التابع لجماعة النور الإسلامية ندوات فكرية تتعلق بحياة الشيخ سعيد نورسي أو بموضوعات ثقافية لها علاقة بالإسلام والحداثة يدعى له الأجانب من أمريكا وأوربا وأفريقيا ومنتسبي الجماعة. هذا من جانب لكننا سنجد على الجانب الآخر أنشطة ثقافية أخرى يدعمها الوقف فبعضها يشارك في تمويل حفلات غنائية لموسيقى الروك (مثلما نظم حفل موسيقى الروك في إستانبول بين 19-21 يونيو 2004) أو ندوات تروج للحياة الغربية المعاصرة وتدعو للسير على طريقها. إلى درجة أن يؤسس وقف خيري باسم بابا نويل بإيطاليا يرى رئيسه معمر آقبولوط أن إقامة تمثال لبابا نويل بالمحافظة أو تنظيم ندوة سنوية عنه هو تعبير للتسامح الثقافي. وهناك أوقاف تطبع الكتب أو المجلات لنشرها على قطاعات واسعة من المجتمع، كنشر وقف الديانة التركية Diyanet Vakif للموسوعة الإسلامية الجديدة في 40 جزءا -صدر 27 جزءا منها- بأحدث وسائل الطباعة في عمل ضخم قل نظيره في العالم الإسلامي قاطبة.
أما وقف البحوث العلمية الخيري BAV المرتبط بالداعية عدنان خوجة فينشر كتبا علمية رفيعة المستوى تدعم العلم والإيمان معا بمظهر ثقافي إسلامي. لكن المركز الثقافي لبنك يابى كريدى ووقفه الخيري يطبع مجلة كوجيتو الفصلية الثقافية المهتمة بالبحوث والدراسات الإنسانية والتاريخية وكذا ومجلة "دنيا فنوننا" المهتمة بالفنون وتاريخها، ويقيم معارض فنية أغلبها يدعم الثقافة والتوجه الغربي العلماني ونظرته للفنون من النظرية المادية، أو ما يصدره وقف تاريخ تركيا الخيري من مجلة شهرية باسم "إستانبول" التي تهتم بموضوعات تخص مدينة إستانبول من وجهة نظر علمانية تغريبية.
أما جمعية إيلرى 2000 الثقافية فتصدر مجلة شهرية بعنوان "إيلرى" تخاطب الشباب الأتاتوركي التقدمي الثوري، وتميل لأتاتورك مخلوطا بالثورية العلمانية المعادية للرأسمالية والإمبريالية.
ولأن القضية الفلسطينية والقدس لهما مكان في الموزايك الثقافي التركي فإن مجموعة من الكتاب والصحفيين الأتراك تصدر مجلة فصلية للدراسات والبحوث السياسية بعنوان "قدس" تركز على القضية الفلسطينية والقدس الشريف. في موزايك الجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني تصدر جمعية الفكر الليبرالي LDT كتبا ومنشورات تهتم بقضايا الديمقراطية والاقتصاد الحر من منظور غربي علماني، فقد طبعت الجمعية في عام 1999 كتابا بعنوان "الإسلام.. المجتمع المدني واقتصاد السوق" بالتعاون مع مؤسسة هولندية.
موزايك رياضي
الموزايك الثقافي التركي ليس محصورا في الصور المعروضة آنفا وحسب، بل له بروز في المضمار الرياضي. فهناك من يتعامل رياضيا بمنطلق ثقافي غربي فيؤيد التوجهات الغربية مثل ارتداء الفتيات الشورت الساخن في رياضيات كرة السلة والطائرة والتنس واليد أو المايوه في كرة الماء أو يقوم بفتح زجاجات الشمبانيا عند الفوز بمسابقة (رشت الخمر من زجاجاتها على رأس أوقطاى محمودى مدرب فريق كرة السلة لشركة أفس- بيلسن من اللاعبين بمناسبة الفوز بكأس الجمهورية 2004) وجلب مشاهير راقصات البطن (للترفيه عن لاعبيه) شاركت راقصات في حفل أقامه فريق فنر باغجه لكرة القدم لفوزه بالدوري الكروي 2004. وهناك أيضا الذين يتعاملون بمنطلق ثقافي رياضي مغاير يستند على الأخلاق والطباع الشرقية وروح الأناضول الإسلامي (ارتدت فتيات فريق إستانبول للتنس TED شورتات طويلة حتى الركبة في المسابقة السنوية لفرق تنس الأندية الرياضية 2004).
إنه موزايك لمشهد ثقافي يمتلئ بالتناقضات وتتجاور فيه أنواع من الثقافات لا يمنعها من التعايش إلا السياسة حين تتدخل فتقلب الطاولة وتشعلها حربا وصراعات بين الحضارات في بلد واحد.
|