|
لم يتكلم أحد من قبل عن كره هؤلاء للروس، إن المشاعر التي تملأ أفئدة الشيشانيين أقوى من أي مرادف لكلمة "الكره". لا.. ليس مجرد كره! إن الكره شعور تجاه البشر، أما الروس فليسوا آدميين. إن القلوب والعقول الشيشانية غارقة في رفض هؤلاء الروس، المشكلة أن الشيشاني لا يعثر على سبب يفسر تلك الوحشية الكبرى التي تميز هذه المخلوقات الروسية، ويجد نفسه أسير رغبة في الانتقام من تلك الجرذان أو العناكب السامة" (ليو تولستوي، رواية "حجي مراد" عام 1904).
بين المكان والزمان
تحتل الشيشان الموقع الأكثر بروزا على خريطة إقليم القوقاز الواقع بين البحر الأسود في الغرب وبحر قزوين في الشرق، في مكان اعتبر عبر العصور المديدة موصلا جيدا لثقافات الجنوب والشمال ونقطة التقاء العالم الإسلامي بالمسيحي. والشيشان هو اسم أطلقه الجيش الروسي على هذا الشعب نسبة لاسم قرية تقع على نهر أرجون جنوب شرق موضع مدينة جروزني الحالية؛ حيث وقع أول صدام مسلح بين الجانبين.
أما الشيشانيون فيسمون أنفسهم "ناختشاي"، ويطلقون على أرضهم اسم "أتشكيريا" وتعني الأرض الداخلية. وتشير المصادر التاريخية إلى أن الشيشانيين عرفوا كشعب له تميزه الحضاري منذ القرن الرابع الميلادي على الأقل، ويتحدثون لغة الناخ المنتمية للعائلة الأيبرو-قوقازية. وينتمون إلى مجموعة الفايناخ العرقية، وهي واحدة من كبرى مجموعات العائلة القوقازية الشمالية. ويزيد سكان الشيشان عن المليون نسمة، يدين أغلبهم بالإسلام، وتمثل القومية الشيشانية كبرى القوميات (أكثر من 85% من إجمالي السكان)، إضافة إلى قوميات أخرى، على رأسهم الأنجوش والروس.
وقد تبلورت حركة الكفاح القومي منذ عام 1785 الذي شهد إعلان الجهاد رسميا في القوقاز لمواجهة الغزو الروسي على يد أول إمام يحارب الروس في الإقليم وهو الإمام منصور. ثم تبعه الإمام محمد اليرغلي، فالإمام الغازي مولا، فالإمام شامل في فترة امتدت من 1785 إلى 1865. وعلى مدى نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين لم تتوقف ثورة الشيشان وداغستان حتى قامت الثورة البلشفية في عام 1917. وشهدت الفترة السوفيتية تدميرا للهوية الإسلامية لصرف المسلمين عن دينهم. ورغم التفاؤل الذي داعب خيال الكثيرين مع البيروسترويكا الجورباتشوفية وتفكك الاتحاد السوفيتي في 1991 فإن روسيا عادت لتؤكد قبضتها الشديدة على الشيشان، رافضة أي محاولة للانفصال حتى هذه اللحظة.
ولعل أهم ما في هذا الصراع التاريخي هو تشبع العقل "الجمعي" بذكريات السحق الاستعماري الذي يعتبر أحد أبرز مقومات صياغة الهوية القومية والدينية، وقد امتلأ هذا العقل في الوقت ذاته بمخزون آخر من صناعة الكاريزمات الذين اقترنت أعمالهم بالقصص والبطولات؛ وهو ما يشحن ذكريات العقل الجمعي بازدواجية السحق والمقاومة في وقت واحد. كما أن الهوية الدينية صبغت حركة المقاومة بطابع صورها معه البعض بالصدام المسيحي الإسلامي، ليس فقط منذ سقوط الاتحاد السوفيتي بل منذ فجر المقاومة في نهاية القرن الثامن عشر.
ملامح شعب
في كتابه المعنون "شعوب صغرى وقوى عظمى" يلاحظ الباحث سفانت كورنل أنه رغم الصفات الإيجابية العديدة التي يتسم بها الإنسان القوقازي بصفة عامة والشيشاني بصفة خاصة كالكرم والنبل وتقديس الأسرة والتدين والفروسية والشهامة -وهى صفات لا يتعلمها الشيشاني بقدر ما يرضعها من ثدي أمه- فإن صفة أساسية سيطرت على إدراك العالم للشعب الشيشاني منذ أواسط القرن الثامن عشر؛ ألا وهى الشجاعة وحب المغامرة. ليس فقط لأن الشجاعة هي ملمح المقاومة لأمة صغيرة في مواجهة هيمنة قوة عظمى؛ بل لأن هذه الأمة الصغيرة لا يمكنها -بحسابات المكسب والخسارة- أن تسجل نصرا حضاريا أو عسكريا بصورة نهائية على عدوها اللدود. ويعرفهم الشاعر الروسي ليرمنتوف بقوله: "شعب إلهه الحرية، وقانونه الحرب".
وفي أولى خطبه للشعب الشيشاني عبر الجنرال الراحل جوهر دوداييف -أول رئيس للشيشان في مطلع التسعينيات- عن عقيدة شعب حينما قال: "إن العبد الذي يرضى بقيود العبودية ليستحق جزاءً ضعفا من العبودية". وربما لا تمثل هذه الكلمات إلا بعضا من معاني نشيد "الموت أو الحرية" الذي يبين لنا إلى أي مدى يرتبط هذا الشعب بمفاهيم الحرية والشجاعة وحب الحياة والتدين وتقدير الذات.
ورغم الكبرياء الذي يواجه به الشيشاني أعداءه فإنه حينما يدخل القرية التي بها أقارب أمه أو زوجته فإنه يترجل عن جواده، ويدخلها ماشيا احتراما. كما أن تحية "دمتم أحرارا" (Come at liberty) هي واحدة من أقدم التحيات بين الشيشانيين. ويحتل الرجل مكانته بين أقرانه بناء على صفات شخصيته وليس على أساس رتبه الاجتماعية من نسب أو مال. ويحكم التنظيمَ الاجتماعي في الشيشان مزيجٌ من العادات والتقاليد وتعاليم الشريعة الإسلامية. وتعيش كل عشيرة في مساحة من الأرض تحظى باعتراف العشائر الأخرى؛ فتمارس فيها الزراعة والرعي، ويخضع تنسيق الأمور وفض النزاعات ودور القضاء لشيوخ العشائر وكبار السن.
ويكن الشيشانيون احتراما وافرا للغرباء، واعتقادهم في ذلك نابع من فكرة تقول: "إنك إذا أسأت معاملة مسلم مثلك فستلقاه يوما ما ولو في يوم القيامة وقد يسامحك، أما إساءتك لغير المسلم فأكثر صعوبة؛ لأنك ربما قد لا تلقاه في الدنيا، وبالقطع لن تلقاه يوم القيامة، وستظل تحمل معك إساءتك".
ولم تتح الفرصة لكثير من شعوب العالم لتختلط بالشيشانيين حتى تخبر صفاتهم، والاستثناء نجده في المهجر الشيشاني كبعض دول الشرق الأوسط في كل من تركيا وسوريا والأردن وفلسطين؛ حيث نزح مئات الآلاف من الشيشان والشركس منذ منتصف القرن التاسع عشر بسبب التهجير الروسي الإجباري. وفى هذه البلاد أثبت
|
| الدقة والانضباط وروح الجماعة |
الشيشانيون أنهم ليسوا فقط شعبا حلو المعاشرة، أمينا، يعشق السلام كما يعشق الحرية؛ بل إن انتماءهم للأمة الإسلامية أشمل وأعم مما هو متخيل، فشارك كثير من الشيشانيين في بناء المجتمع الذي نزحوا إليه؛ فوصلوا إلى مراتب رفيعة في الجيش والتعليم والإدارة.
وفي المقابل حافظوا بشدة على هويتهم بزيهم المتميز ولغتهم الخاصة وتجمعاتهم السكنية، كما أغلقوا دائرة التزاوج على أنفسهم كسلوك متوقع للحفاظ على الهوية من الذوبان في الآخر حتى ولو كان مضيفا كريما. ولم ينس هؤلاء وطنهم؛ فشنوا حملات واسعة للتوعية وجمع التبرعات بل والسفر في موجات منظمة للمشاركة في تحرير الأرض في حرب لا تنتهي.
غير أنهم في فترات السلام -على قلتها- لا يفقدون حبهم للحياة؛ فالحرية هي الحياة، وفي حفلات العرس والأعياد الدينية والقومية بل وفى حفلات السمر الصيفية يعزف الشباب والفتيات هرمونية متكاملة تبقي على الأمل في غد بلا دماء، حينما يشارك المدعوون أجمعهم في الرقص. ومن أهم الرقصات لدى الشيشاني رقصة توديع الأحبة والأصدقاء حين خروجه للجهاد؛ وهي رقصة يدور فيها الراقص حول دائرة كانت قبل الإسلام تحوي حلقة من النار رمزا لتقديم قربان للآلهة.
وفي الأعراس مراسم خاصة؛ فحفل العرس يحمل في لغة الشيشان معنى "المسرحية"؛ حيث مزيج من الرقص والغناء والعروض التمثيلية؛ بل وتعبيرات البانتومايم. وتشارك العروس في ألعاب احتفالية تحدد نتائجها مدى مهارتها واستعدادها لإدارة بيت جديد. وحينما تمد الوليمة للضيوف تدور العروس على الحضور تسقي الماء وتدعو لهم بالخير.
وفي بيئة جبلية باردة كبيئة القوقاز تصبح النار في القرى والبلدات جزءًا من دعائم الحياة ورمزا ثقافيا بالغ القيمة، ولا يحزن الشيشاني بقدر حزنه إذا ما تمنى حاسد أن تنطفئ النار من بيته.
الزي الوطني
|
| الزي الوطني |
يرتدى الشيشانيون في أعيادهم ومناسباتهم ملابس صنعت من مواد البيئة المحلية من جلود الحيوان والصوف. وأشهر ملابس الرجال:
البيشمنت: وهى صديرة على شكل نصف قفطان مشدود على الصدر بإحكام، تتدلى إلى أعلى الركبة (تكون أقصر مع كبار السن) ويتم تزريرها بدءا من الصدر وحتى العنق. وعلى جانبي الصدر ترصع الصديرة بجيوب أنبوبية متجاورة، كانت في الأصل جيوبا للرصاص حينما كانت البيشمنت زيا عسكريا. وتصنع البيشمنت من القطن أو الصوف أو الحرير حسب ثراء الحال. وأكثر ألوانها شهرة الرمادي والأحمر والأزرق. ويلبس الرجل معها أحذية طويلة من الجلد.
الشيركيسكا: ملبس مكمل للبيشمنت، يرتدى في المناسبات والأعياد، وهي ليست أكثر من بيشمنت أخرى من الصوف الرقيق، وبزر واحد عند الخاصرة، وبأكمام طويلة تتدلى من الأيدي.
البوركا: أفرول من الجلد للتدفئة، وكانت في الأصل زيًا للفرسان.
الباباخا: غطاء مستدير كبير للرأس مصنوع من الجلد.
ويختلف زي المرأة حسب الحالة الاجتماعية، وإن كان الرداء الطويل المنسدل على كل الجسم مع فتحة بين الصدر والعنق هو الأكثر شهرة. ويصنع من مواد تتراوح بين القطن والحرير. وتغطي الأكمام الأيدي، وتبلغ في الأعياد والاحتفالات طولا يكاد يلامس الأرض. وتتفاوت الألوان من الأبيض إلى الأحمر المطرز. وفي بعض المناسبات قد يغطي الرداء الطويل عباءة رقيقة قصيرة تزرر حتى الخاصرة.
المرأة
تحتل المرأة مكانة مرموقة في المجتمع الشيشاني، وتلقى رعاية وعطفا عبر مراحل حياتها. فمنذ أن تكون فتاة تضع شروطها على من يتقدم لخطبتها بأن يكون فارسا شارك مع الرجال في "غزواتهم" لتحرير الأرض، وأن يكون قويًا مستقلا. وفي فترات الحروب كانت الفتيات يشترطن ألا تقبل لزيجتها من لم يقتل ثلاثة أو أربعة من الأعداء. وحينما تصبح أمًا فإنها ما إن ترضع طفلا من أطفال الجيران إلا ويصير ابنها وأخا لأبنائها. وهو سلوك كان متكررا لتقوية العلاقات الاجتماعية في القرى والبلدات الصغيرة في جنوب الشيشان بصفة خاصة.
|
| المرأة الشيشانية |
وإذا ما وقع عراك بين الرجال؛ فهي الوحيدة القادرة على إيقافه، ويكفيها أن ترمي بغطاء رأسها بين المتعاركين لكي يتوقف الجميع. وتسير المرأة خلف الرجال ليس ترتيبا دونيا وإنما تمشيا مع البيئة الخطرة التي لا بد أن يستكشف فيها الرجال الطريق ومن خلفهم تسير النساء والأطفال. وحينما تمر العجوز على رجال في طريق فلا بد أن يقفوا لها تقديرا مهما بلغت أعمارهم. وتنتشر في الشيشان فكرة أن الزوج الذي يحب أهل الزوجة ويحترمهم فقد ضمن له مكانا في الجنة.
وفي عصور الحرب والدفاع عن الأرض تشارك المرأة إلى جانب الرجال، وفي عهد الإمام شامل كانت المرأة تقف على رؤوس القلاع تمد الرجال بالبارود، وتطلق النار بدلا عنهم حين يسقطون. كما شاركت بقوة في عمليات المقاومة الشيشانية في العقد الأخير.
كاتب وأكاديمي مختص في الشئون الروسية
|