English

 

الخميس. أبريل. 7, 2005

ثقافة وفن » ميديا

 
   
روابط من إسلام أون لاين

حكاية الصورة التي أطاحت برئيس قيرغيزيا

عاطف معتمد عبدالحميد

الثورة على الحكومة
عندما أبهرت الثورة الشعبية الجورجية العالم في نهاية عام 2003 وأطاحت بنظام وصف فجأة بأنه ديكتاتوري كان ملايين المسلمين يرفعون أكف الضراعة في الحرم المكي خلال شهر رمضان الذي تزامن مع تلك الأحداث.. حينها جادلت بعض الفضائيات قائلة بأن ما نحتاجه هو أن تتحرك هذه الملايين للتغيير وليس للدعاء.

تكررت الدعوة بعد عام حينما اشتعلت الثورة الأوكرانية، وكان ضروريا التساؤل لماذا تتعطل الثورة الأوكرانية في العالم العربي؟.. اليوم تخرج عشرات المقالات بكافة أطيافها إسلامية وقومية وليبرالية ولسان حالها "أنحن أقل من القرغيز؟" ألا نمتلك شجاعتهم على الثورة؟.. المقال التالي الذي كتبه جريج سميث في النيويورك تايمز ربما يقدم جزءا من الإجابة عن التساؤلين. ولو صدقت فحوى معلوماته فلا بد من أن يعاد النظر جديا في الحديث عن إرادة الشعوب في التغيير وهو حديث لا يأخذ في اعتباره دور باقي الأوراق في اللعبة السياسية لعالم اليوم.

الولايات المتحدة ساعدت في تعبيد الطريق للثورة القيرغيزية***

قبيل الانتخابات البرلمانية القيرغيزية عرضت صحيفة معارضة صورة لقصر تحت الإنشاء للرئيس القيرغيزي قليل الشعبية "عسكر أكاييف"، وهو ما ساهم في إشعال غضب وثورة شعبية في تلك الدولة الفقيرة في آسيا الوسطى.

كانت الصحيفة تتلقى دعما ماليا من الولايات المتحدة وكانت تطبع ضمن إحدى الصحف الممولة أمريكيا بإشراف مؤسسة بيت الحرية، وهي مؤسسة أمريكية تصف نفسها بأنها بمثابة "الصوت الواضح للديمقراطية والحرية حول العالم".

وإضافة إلى الولايات المتحدة، هناك عديد من الدول الأوربية -من بينها بريطانيا وهولندا والنرويج- قدمت مساعدات مالية لبرامج دعم الديمقراطية والمجتمع المدني في هذه الدولة. وقد لعب هذا الدعم دورا كبيرا في تمهيد الأرض للثورة الشعبية التي دفعت بالمعارضين السياسيين إلى رأس السلطة.

"إن لهذه البنى الأساسية تأثير بلا شك"... كانت هذه هي كلمات أحد مراقبي الانتخابات القيرغيزية الذي أكمل مؤكدا: "لقد شعر الناس بأنهم يملكون حقوقا وليسوا خائفين، لقد كانت القوة القمعية للنظام واهنة".

سياسة الدعم المالي

لقد تحولت قيرغيزيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي إلى مجال لاستقطاب مساعدات الدعم المالي فحصلت على أعلى مقدار للدعم على مستوى الفرد مقارنة بأي دولة في آسيا الوسطى. ومن بين مئات الملايين من الدولارات التي وصلت إلى هذه الدولة كان النصيب الأكبر موجها إلى بناء المجتمع المدني وإقامة مؤسسات ديمقراطية.

وجاء غالبية هذا الدعم من الولايات المتحدة التي رعت أكبر برنامج داعم للديمقراطية في قيرغيزيا وذلك بفضل قانون دعم الحرية الذي تبناه الكونجرس في 1992 لمساعدة الجمهوريات السوفيتية على عبور الفترة الانتقالية في المجالين الاقتصادي والديمقراطي. ولقد بلغت الأموال المخصصة لبرامج الديمقراطية في قيرغيزيا خلال العام الماضي نحو 12 مليون دولار.

هذا وقد تسربت مئات الآلاف من الدولارات لدعم برامج الديمقراطية في الدولة من خلال مؤسسات أمريكية أخرى مثل صندوق "المنحة القومية للديمقراطيةNational Endowment for Democracy".

وإضافة إلى تلك المنح هناك أموال أخرى تدعم الإنفاق على استمرار إطلاق النسخة القيرغيزية من راديو الحرية الداعي إلى الديمقراطية، بالإضافة إلى تمويل منظمة السيد بايسولوف من قبل الولايات المتحدة عبر المعهد القومي للديمقراطيةNational Democratic Institute.

يقول إديل بايسولوف الذي قاد المنظمات غير الحكومية في قيرغيزيا: "لقد كان مستحيلا حدوث تلك الثورة دون ذلك الدعم".

واستكمالاً لهذه السياسة كرست الولايات المتحدة الأموال اللازمة لتمويل مراكز المجتمع المدني حول العالم لتنسيق عمل الناشطين في هذا المجال حتى يتمكنوا من الالتقاء والتدريب والاطلاع على الصحف الحرة غير الموجهة حكوميا بل ومشاهدة قناة CNN أو يبحروا عبر الإنترنت. فقام المعهد القومي للديمقراطية بتمويل 20 مركزا قدموا خلاصات التحليلات والمقالات بلغات روسية وقيرغيزية وأوزبكية.

كما استجابت الولايات المتحدة للجامعة الأمريكية في قيرغيزيا التي كانت مهمتها الأساسية تطوير المجتمع المدني، ودعم تبادل البرامج التي ترسل الطلاب وقادة المنظمات غير الحكومية إلى الولايات المتحدة، وقد كان زعيم المعارضة كورمانبك باكييف واحدا منهم.

إن كل هذه الأموال والطاقات البشرية قدمت التمويل المادي والأدبي للثورة القيرغيزية خلال السنوات الأخيرة، وكذلك البنى الأساسية (وسائل الإعلام وتنظيم الندوات وتوزع المطبوعات) التي سمحت لها بتوصيل أفكارها إلى الشعب القيرغيزي.

الصحافة والراديو.. الوجه الآخر للعبة الأمريكية

تلقى المجتمع المدني الصاعد تأثيرا نهضويا انعكس على الشعب بمجرد أن قام السيد أكاييف وأسرته بتضخيم صلاحياتهم في السلطة.. "لو لم تكن هذه الوسائل متاحة لظل هؤلاء في الحكم وبقي الشعب سلبيا كغيره من شعوب آسيا الوسطى"، كان هذا هو ما قاله جيفري ليلي الذي أدار المكتب المحلي للمعهد الجمهوري الدولي وهو مؤسسة أمريكية داعمة للمنظمات الديمقراطية.

يقول أليكسندر كيم -رئيس تحرير صحيفة المعارضة التي نشرت صور قصر أكاييف: القضية معرفة حقيقية "إنه في عام 1999 تحكم صهر الرئيس أكاييف في صحيفة السيد كيم الأولى ومارس بها وموظفي الدولة وسائل احتيالية دون أن يتمكن من أن يثبت أدلة جنائية ضدهم".

ثم اتجه كيم بعدها إلى إنشاء صحيفة أخرى ولكنها مرت عبر عقبات عدة ووقفت لها الدولة بالمرصاد. ثم حصل على منحة مقدارها 70.000 دولار من الحكومة الأمريكية. ورغم هذه المنحة فقد بقيت مشكلة العثور على مطابع للنشر، وقد كانت كلها مملوكة للدولة وبالطبع رفضت طباعة صحف المعارضة.

هنا وصل مايك ستون ممثل بيت الحرية في قيرغيزيا وأنشأ بيت الحرية مطبعة خاصة لصحيفة كيم ومعها انتهت المشكلة. وفى يناير من العام الجاري بدأ كيم في توزيع صحيفته تحت مسمى "أخبار العاصمة" وقام أعضاء البرلمان من المعارضة بدعم الصحيفة بأطنان من ورق الطباعة.

وإضافة إلى ذلك، تمكن القرغيز الذين لا يقرءون الصحف الروسية أو لم يكونوا يقرءون الصحف بشكل عام من الحصول على مستخلصات الأخبار والتحليلات من راديو "أزاتيك" وهو الاسم القيرغيزي لراديو الحرية المدعوم من قبل الولايات المتحدة.

وهناك إعلام مستقل آخر في قيرغيزيا نقل نقاشات ومجادلات المعارضة عبر التلفاز. هكذا كانت البرامج الحوارية على نمط برنامج التوك شو المعروف باسم "أوقاتنا" والتي أُنتجت بدعم من حكومة الولايات المتحدة. وكانت هذه البرامج تذاع في التلفزيون المحلي لمدينة "أوش" في الجنوب حيث بدأت الاعتراضات الرئيسية ضد حكم السيد أكاييف. بل إن تلفزيون أوش زاد من دائرة تغطيته المكانية من خلال دعم من الولايات المتحدة.

لن تستطيع أن تقف أمام أمريكا!!

يقول السيد كيم: "هكذا تم تسييس المجتمع وإخباره" لقد كان دور المنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني في الثورة بالغ التأثير.

ومع تنامي الفساد بدأ صوت المنظمات غير الحكومية يعلو، كما بدأ قلق السيد أكاييف يتزايد من الدعم الأجنبي للديمقراطية. لقد أفزعته الصورة المنشورة لقصره فاستدعت وزارة الخارجية القيرغيزية السيد مايك ستون رئيس مطابع بيت الحرية ووبخته.

وبعد أسبوع من الحدث، وقبل أن تطبع صحيفة "أخبار العاصمة" 200.000 نسخة من عدد خاص عن الأوضاع في البلاد تم قطع التيار الكهربائي عن مطبعة بيت الحرية كما تم تعليق إرسال راديو الحرية.

هكذا افترض أكاييف أن الغرب متورط في مؤامرة لزعزعة الأمن في بلاده. وبشكل بدائي تم تزوير أوراق نسبت إلى تقرير داخلي للسفير الأمريكي ستيفين يونغ في قيرغيزيا وتم توزيعها بين الصحف المحلية تزعم أن الولايات المتحدة تجهز لمؤامرة عبر المؤسسات التي تمولها لإجبار أكاييف على الاستقالة عقب الانتخابات البرلمانية.

وفى اليوم التالي أرسلت السفارة الأمريكية إلى مطبعة بيت الحرية مولدين كهربائيين لانقطاع التيار ونجحت عملية طبع 200.000 نسخة من العدد الخاص لصحيفة أخبار العاصمة. واستعادت المطبعة تيارها الكهربائي يوم 8 مارس 2005، وأصبحت الصحيفة المصدر الأول للمعلومات عما تقوم به المعارضة من حركة.

كما أخبرت "أخبار العاصمة" الناس في الشمال عما يجرى في الجنوب من ثورة، بل كانت مصدرا لنشر المعلومات حول كيفية التجمع والتنسيق المقبل لأماكن التظاهر.


كاتب وأكاديمي مختص في الشئون الروسية

ترجمة لمقالة نشرته نيويورك تايمز الأمريكية

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم