English

 

الثلاثاء. أغسطس. 17, 2004

ثقافة وفن » مساحات ثقافية

 

الأفريقانية والعروبة.. صراع دارفور في مرآة الهوية

ممدوح الشيخ

  في الحرب العالمية الثانية كان الزعيم السوفيتي ستالين يقول لجنود الجيش السوفيتي إن عليهم أن يحقدوا على الألمان حتى ينتصروا عليهم، وانتهت الحرب العالمية الثانية وزال النظام النازي وبقي الحقد في نفوس الروس. وفي عام 1972 وقّع المستشار الألماني السابق فيلي برانت اتفاقية مع الاتحاد السوفيتي تنص على تسوية أي خلافات بين البلدين دون اللجوء للقوة، وكانت النخبة السياسية في البلدين من الوعي بحيث أقدما البلدان على عقد الاتفاقية متجاوزين الميراث القديم، أما الجماهير على الجانبين فكانت أسيرة "الحقد المقدس"، وعبّر القوميون الروس عن مشاعرهم إزاء الاتفاق بالبكاء -الحقيقي لا المجازي- فالحقد إذا انتشر وتجذر في وعي شعب تجاه شعب ما فمن الصعب بمكان إزالته، وهو أكثر وسائل الصراع خطورة.

صناعة "الحقد المقدس"

وفي أزمة دارفور لعبت صناعة "الحقد المقدس" دورا كبيرا في الوصول للأزمة الحالية، ولهذه الصناعة أدبيات ومقولات تشكل العمق الثقافي لهذه الأزمة. وسواء قبلنا أم لا فإن الهوية تظل وقودا للصراع حتى لو كانت مجرد لافتة تختفي خلفها المصالح نفطية كانت أو غير نفطية، والصراع السياسي على السودان نموذج مثالي لهذا الصراع بآلياته ومقولاته وأكاذيبه المخترعة بحرفية مدهشة!

الأزمة في دارفور -شأن أزمة الجنوب- جزء من مخطط لإعادة اختراع أفريقيا في ثوب جديد تماما. وقلب القارة الأفريقية يعيش حالة من التمزق والتشرذم غير موجودة في أي مكان آخر في العالم يؤججها بشكل أكثر حدة الصراع الأمريكي الفرنسي، والإطار العام للمخطط عزل الوجود العربي في شمال أفريقيا كمقدمة للتخلص منه نهائيا لاحقا. ويقوم المخطط على تقسيم القارة إلى ست دول بناء على مقاييس للتجانس الثقافي والديني، وفي ضوء هذه الخريطة السياسية تبدو معالم الخريطة الجديدة، حيث تقترح الورقة التي قدمت في مؤتمر كمبالا (1994) إلغاء حدود جميع الدول الأفريقية، وتقسيم القارة على النحو التالي:

1- جمهورية الصحراء وتمتد من مصر حتى موريتانيا، وتضم الجزء الشمالي من السودان.

2- جمهورية أفريقيا الوسطى وتضم أوغندا وكينيا وزائير وتشاد والكاميرون والكنغو وأفريقيا الوسطى، وتضم الجزء الجنوبي من السودان.

3- جمهورية سنغامبيريا (semganmberia) وتضم دول الحزام السوداني من السنغال إلى نيجريا مع استبعاد السودان.

4- جمهورية أريثوميا وتضم دول القرن الأفريقي إثيوبيا إريتريا الصومال.. جيبوتي مع ابتعاد السودان.

5- الجمهورية السواحيلية وتضم الدول الناطقة باللغة السواحيلية.

6- جمهورية موزامبيا وتضم كل دول الجنوب الأفريقي.

وبطبيعة الحال لا يعني هذا أن تغييرات بهذا الحجم ستحدث على الفور بمجرد اندلاع تمرد في غرب السودان، كما لا يعني أن الأهداف البعيدة للمخطط تلغي عدالة مطالب سكان الإقليم، والاختبار الحقيقي هو في القدرة على نزع فتيل الأزمة على نحو لا يخدم المخطط النهائي.

"الصهينة" عبر القيم

ولنحقق هذا الهدف ينبغي أولا استيعاب الدرس الخطير الذي تنطوي عليه عملية تسويق "الهوية الجديدة"، والنجاح في دفع جماعات عديدة في أفريقيا لاتخاذ موقف معاد للعرب كعرق والإسلام كدين، وهو أمر يكاد أن يتحول إلى نمط عام متكرر عند أسياسي أفورقي أو جون جارانج أو يوري موسيفيني. والحركة الأفريقانية حركة قومية متطرفة يتزعمها حاليا الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني وهو يرفع شعار "دولة مصد في جنوب السودان تواجه النزعة التوسعية الأصولية العربية". وقد كانت مثل هذه الدعوات تستقبل بقدر كبير من عدم الاهتمام غير أنها انتقلت -مثلا- إلى بربر المغرب الذين تظاهروا في مايو 2002 رافعين شعار طرد العرب من شمال أفريقيا، وللمرة الأولى في تاريخ المغرب الحديث يتوجه الملك إلى القوات المسلحة داعيا إياها إلى الحفاظ على وحدة البلاد.

وفي إطار مخطط طويل الأمد تم بناء ثقافة متكاملة معادية للعرب ورسمت لهم صورة نمطية ننقل بعضا من ملامحها من ورقة بحثية شديدة الأهمية عنوانها: "نحو رؤية إستراتيجية للعلاقات العربية الأفريقية" قدمها كويسي كوا براه (مدير مركز الدراسات المتقدمة في المجتمعات الأفريقية بكيب تاون جنوب أفريقيا) إلى اجتماع خبراء الاتحاد الأفريقي بشأن رؤية إستراتيجية جيوسياسية للعلاقات العربية الأفريقية (22 أيار 2004).

وعلى خلفية الدور الكبير الذي لعبته الصهيونية غير اليهودية في دعم الحركة الصهيونية أدرك الصهاينة أهمية دور "القيم" و"الهوية" في اكتساب الأنصار والحلفاء للمشروع الصهيوني مقدرين الأثر الكبير لفكرة التشابه مع من يسعون للحصول على دعمهم وصياغة تصور قيمي يقنع المستهدفين بأن ثمة "قيما مشتركة"، ولنتذكر النجاح الكبير لفكرة القيم المشتركة المسيحية اليهودية.

وعلى هذا المنوال عمل الصهاينة في أفريقيا رغم أن الأفارقة وقت ميلاد الحركة الصهيونية لم يكن لهم أي وزن دولي يذكر بل كانت أفريقيا كلها مقسمة يبن القوى الاستعمارية الغربية. لكن الدافع المباشر آنذاك كان ما يسمى "مشروع أفريقيا" الذي كان في نظر بعض التيارات الصهيونية بديلا أكثر ملاءمة من فلسطين لإنشاء الدولة اليهودية.

وحسب الدكتور علي مزروعي فإن "مؤسس الصهيونية واصل التفكير في أفريقيا على أنها امتداد ممكن للكيان الصهيوني أكثر من كونها وطنًا لليهود، ولمّا كانت هناك أعداد كبيرة من اليهود الذين أرادوا الاستقرار معًا في مناطق يستطيعون فلاحتها بأنفسهم، ويسمونها وطنًا مشتركًا، فقد اعتبرت فلسطين مكانًا غير مناسب لكل اليهود الذين أرادوا الاستقرار معًا بهذه الطريقة".

وفي إطار حالة التأرجح التي انتهت بالتركيز على فلسطين احتفظت أفريقيا بأهمية خاصة بوصفها مركزا تبادليا أو احتياطيا للصهيونية، أي أن أفريقيا بقيت ذات أهمية خاصة في المشروع الصهيوني حتى بعد الاستقرار على فلسطين كاختيار نهائي. وانفرد التعامل الصهيوني مع أفريقيا بدرجة عالية من الخصوصية وبخاصة في إطار عملية بناء روابط أيدلوجية تربطها بالحركة الصهيونية، ووقع الاختيار على "حركة الجامعة الأفريقية" (ومن رحمها ولدت الحركة الأفريقانية) لتتم عملية توأمة بينها وبين الصهيونية. وتظهر عملية التوأمة هذه في صياغة أساطير ترسخ مقولة التماثل بينهما، كالقول بخضوع كل من اليهود والأفارقة (الزنوج) لاضطهاد مشترك، وأنهما من ضحايا التمييز العنصري، وبينهما بالتالي تفاهم متبادل، وإضفاء مسحة صهيونية على حركة الجامعة الأفريقية، وقد أطلق عليها "الصهيونية السوداء"، وأطلق على أحد زعمائها "النبي موسى الأسود".

في مواجهة الزنوجة

وبعد الحرب العالمية الثانية أدرك الصهاينة أهمية احتواء القيادات الوطنية والمثقفة في أفريقيا مع حركة التحرر فاقتربت من نكروما ونيريري وسنغور وكان وزنهم في حركة التحرر الأفريقية ضروريًّا لتحجيم صلة هذه الحركة بالعالم العربي. وبلغت الآثار لهذه الجهود المنظمة حد العداء السافر في بعض المناطق، ففي مايو 1982 قدم مائة وستة نواب بالبرلمان الفيدرالي النيجيري مذكرة يطالبون فيها الدول الأفريقية ومعها نيجيريا بإعادة العلاقات الدبلوماسية الطبيعية مع الكيان الصهيوني على أساس أن مصالح أفريقيا السوداء ليست هي نفس مصالح الدول العربية وأن الأفريقانية تختلف عن العروبة.

وقد تحولت الأفكار إلى مشروع سياسي عبر مجموعة من الآليات، فالهجرة اليهودية الأفريقية إلى فلسطين، وبلغت ما نسبته 18% من مجموع السكان اليهود تقوم بدور "الجسر" ثقافيا وسياسيا واقتصاديا بين الكيان وأفريقيا، كما تعتمد الحركة الأفريقانية على شبكة تحالفات؛ ففي جنوب السودان هناك جماعة الدنكا التي تنشر ثقافة الكراهية بين العرب والأفارقة، كما أبقى الكيان على تعاون وثيق مع جماعة الأمهرا الحاكمة في إثيوبيا مستغلا البعد الأيديولوجي فلدى هذه الجماعة مزاعم بالانتماء إلى "الأسرة السليمانية"، وقياداتها يسمون أنفسهم "زعماء إسرائيل".

وفي نيجيريا قامت إسرائيل بمساعدة جماعة الأيبو في الإقليم الشرقي لمواجهة الإقليم الشمالي، ويضم أغلبية مسلمة حتى وصل الأمر إلى حد إعلان استقلال الإقليم الشرقي تحت اسم جمهورية بيافرا عام 1967، واعترفت بها إسرائيل بدعوى أن الأيبو قومية متميزة، كما أطلق الإعلام الصهيوني عليهم "يهود أفريقيا".

ورغم كل ما تملكه الحركة القومية الناهضة وما تتمتع به من دعم إقليمي ودولي فإن مواجهتها تظل ممكنة وبخاصة إذا استطعنا تحديد نقطة الضعف الرئيسية فيها؛ فصراعات المصالح دائما تحتاج إلى أفكار قادرة على اجتذاب الأنصار، وهنا يأتي دور "الفكرة". ونقطة الضعف التي نبحث عنها يشير إليها تاريخ الحركة نفسه، فخلال سبعة مؤتمرات عقدتها الحركة أولها عام 1900 في لندن، وآخرها في كمبالا عام 1994، ولدت فكرة وحدة المصير والهدف بين أفارقة القارة وأفارقة الشتات، وأثناء تطور حركة الجامعة الأفريقية بدأت تظهر فكرة "حركة الزنوجة" في المؤتمر الخامس لحركة الجامعة الأفريقية عام 1945، وفي مؤتمر الحركة السادس (1974) نادى أحمد سيكوتوري بإعلان النضال ضد فكرة الزنوجة التي تعرف الأفريقي بلون سحنته، وقال إن الزنوجة والعنصرية وجهان لعملة واحدة. وهنا مربط الفرس؛ فالحركة التي تشكل خطرا علينا ولدت مصابة بجرثومة فشلها إذا نجحنا نحن في تعرية حقيقتها أمام الرأي العام العالمي، لا من خلال التركيز على علاقتها بالكيان الصهيوني فلهذا المنطق تأثيره في الداخل فحسب، بل من خلال فضح الطبيعة العنصرية للفكرة.

الأفريقانية والعروبة والإسلام

قد يكون ملحًا التساؤل بعد عرض هذه الخلفيات الصادمة التساؤل بوضوح عن الإطار الأنسب للتعامل مع هذه الأزمة المرشحة للتصاعد، فمن البديهي أن من حق الأفارقة أن تكون لهم رؤيتهم القومية المغايرة، ومن طبائع الأشياء أن يسعى الكيان الصهيوني لاحتواء هذه الحركة القومية الناهضة، أما غير الطبيعي فهو أن نتصور أن الأفريقانية الناهضة "ينبغي" أن تكون حليفا للعروبة والإسلام. والحق لا ينتصر بذاته بل بحسن عرضه والدفاع عنه بل القتال عنه بآليات الثقافة والسياسة والإعلام ليكون التحالف الذي ما زال ممكنا بين العروبة والأفريقانية خيارا ينحاز إليه الأفارقة طواعية عبر قناعات مشتركة ومصالح متشابكة.

ووصول مقولات العداء للعرب داخل العالم العربي لا تصلح لمواجهته آليات الصراع والاستبعاد بل الحوار والتعاون على أرضية الحفاظ الذي لا مواربة فيه على حقوق الإنسان وقبول التعددية، فبناء سودان تعددي ليس فقط المخرج الوحيد من الأزمة بل الجسر الذي يمكن العبور عليه لتقويض مملكة يهوذا الأفريقية بالآليات نفسها التي بنيت بها. والصراع هنا صراع مركب ممتد تمثل السياسة وجها واحدا له بل تمثله ثمرته، وبدلا من التصلب السياسي الذي يعتبره البعض صمودا في معركة فاصلة نحن أحوج ما نكون لمرونة سياسية شديدة تترافق مع رؤية شاملة ثقافية سياسية لمواجهة الأفكار والبنى التنظيمية وشبكة المصالح التي شيدها الكيان الصهيوني لتكون قاعدة للتشكيل القومي الناهض، والعمل لبناء واقع بديل.

وإذا كان الصهاينة قد نجحوا في تحقيق اختراقات ونجاحات كبيرة فينبغي ألا ننسى في المقابل أنهم قد منوا بخسارة تاريخية في الميدان نفسه بزوال نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا الذي كان أحد أهم مرتكزات المشروع الصهيوني في أفريقيا بل أهم مرتكزاته على الإطلاق.

بقي أن نشير إلى أن "الحركة الأفريقانية" -رغم أهميتها الشديدة- لا يكاد يوجد كتاب واحد بالعربية يتتبعها. وهو ما يؤكد استمرار تصدر ظاهرة الغفلة للمشهد العربي الراهن. وقد جاءت أزمة دار فور لتفجر عدد من قضاياه الملغومة وعلى رأسها إعادة طرح قضيتي الأقليات و"التخوم" (تركيا – إيران – القرن الأفريقي...) وضرورة بناء جسور تعاون حقيقية معها كجزء رئيس من أي تصور لأمننا القومي.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم