English

 

الأربعاء. ديسمبر. 7, 2005

ثقافة وفن » ميديا

 
   
روابط من إسلام أون لاين

العرب في عيون الأفارقة

مصطفى عاشور

تحظى قضية الصورة القومية للشعوب باهتمام كبير في المجتمعات المعاصرة، لا سيما في الأوساط السياسية والثقافية على حدّ سواء وذلك لأهميتها؛ ونظرا لما تمثله من قيمة إيجابية ورصيد وطني في مجال التفاهم والعلاقات الدولية.

وتؤكد مبادئ وأدبيات الإعلام والاتصال الدوليين على أهمية المدركات الثقافية بين الشعوب في مجال العلاقات الدولية، وتشدد على أن عملية بناء العلاقات بين الدول تعتمد في كثير من جوانبها على التصورات التي تكونها الشعوب حول تراث وفكر بعضهم البعض.

وتقتنع تلك الأدبيات -أيضا- بأن أي تغيرات إيجابية في صورة دولة ما في وسائل الإعلام، يمكن أن يحسّن من السياسات التي تتخذها دول أخرى تجاهها، وبناء على تلك الأسس؛ ترسخت قناعات جديدة في منظور العديد من الباحثين والمنظّرين في الدراسات الإعلامية تقول بأن: طبيعة الصورة الذهنية القومية للشعوب أصبحت محوراً وإطاراً عامًّا لتحديد مكانة دولها على الصعيد الدولي.

تقصٍّ للصورة الذهنية

الخضر
 

وفي هذا الإطار أشارت دراسة دكتوراة للنيجيري "الخضر عبد الباقي محمد" تحت عنوان "صورة العربي لدى الإفريقي من خلال الإعلام النيجيري كنموذج" إلى هذه القضايا المهمة، حيث حصل "الخضر" على درجة الدكتوراة من مركز الدراسات والبحوث العربية في القاهرة التابع لجامعة الدول العربية، وتوصل إلى وجود صورة إيجابية وحيادية للعرب عند الأفارقة بالمقارنة مع الضعف العام في الاهتمام بالقضايا العربية من حيث نسبة الأخبار وزمنها وطبيعتها.

وانطلق الخضر في رسالته من قضية جوهرية وهي: محاولة تقصّي طبيعة صورة العرب وجوانبها كما تعكسها وسائل الإعلام في نيجيريا وتداعياتها على تشكيل الصورة الذهنية للعرب لدى المواطنين النيجيريين.

كما بحث في الصورة المقدمة عن العرب في وسائل الإعلام النيجيرية المحلية، ومدى تأثرها بالمقولات والأفكار الغربية، إضافة إلى التعرف على الصورة الحقيقية للإنسان العربي في وجدان ومدركات الأفارقة في جوانبها المختلفة.

فالدراسة المسحية، وفي سبيل تحقيق أهدافها، اعتمدت على عينة من النيجيريين في مواقع مختلفة ثقافيا واجتماعيا ومهنيا وتعليميا وقبليا، إضافة إلى تحليل لنشرات الأخبار في التلفزيون النيجيري، ومحتوى بعض الصحف النيجيرية.

وقد استندت في ذلك على نتائج الدراسات السابقة التي تشير إلى دور وسائل الإعلام في تشكيل الصورة الذهنية عن الأفراد والشعوب من خلال ما تقدمه من أخبار ومضامين مختلفة، معتمدة على بعض النظريات الإعلامية التي تشير إلى وجود علاقات ارتباط بين معدل التعرض للتلفزيون بصفة عامة ولبعض مواده بصفة خاصة وتكوين الصورة الذهنية عن الموضوعات المختلفة.

أبعاد متعددة

وقد خلص البحث من واقع تحليل محتوى النشرات التلفزيونية والمضامين الصحفية إلى أن موقف وسائل الإعلام النيجيرية تجاه العرب والدول العربية يتسم بأنه موقف ذو أبعاد متعددة ومختلفة؛ نظراً لتعدد واختلاف مستويات العلاقة بين النيجيريين والعرب من ناحية، وبين نيجيريا والدول العربية من ناحية أخرى.

وأشارت الدراسة أنه لا توجد في نيجيريا حركة أو حملة منظمة ضد العرب والبلاد العربية على شكل اللوبي تستهدف صورتهم القومية، وهويتهم الإسلامية كما توجد في مناطق ودول أخرى في العالم، بل هناك قوى وحركات ذات مصالح وارتباطات قوية بالقوى الخارجية ذات اتجاهات معادية للعرب.

وهذا قاد إلى وجود معالجات صحفية اتسمت بلهجات شديدة في انتقاد العرب والدول العربية عبر الصحف خاصة، ويلحظ أنها جاءت من منطلق تعاملات مباشرة بين تلك الجهات والأطراف العربية ذات العلاقة، فهي معالجات نبعت من أبعاد محلية لا علاقة لها بالبعد الدولي أو الأجنبي. وقد جاء أغلبها في سياق الحراك والاحتكاك الطائفي بين المسلمين والمسيحيين في إطار المواجهة الثقافية (الصراع الحضاري بين الثقافة العربية الإسلامية للمسلمين والثقافة الأنجلفونية للمسيحيين).

أقل عددًا وأقصر زمنًا

وفيما يخص الدلالات الكمية التي أظهرتها الدراسة فقد ظهرت نتائج عدة ومهمة حول صورة العربي في وسائل الإعلام النيجيرية، منها ضآلة نسبة الأخبار المتعلقة بالعرب والدول العربية وكذلك مساحتها الزمنية في التلفزيون النيجيري، ويمكن تفسير ذلك على ضوء طبيعة العلاقات العربية لنيجيريا من ناحية، ودوائر الاهتمام السياسي والثقافي التي تعكسها وسائل الإعلام النيجيرية الرسمية.

وهذا جعل أخبار البلاد العربية أقل عددًا وأقصر زمنًا في نشرات التلفزيون النيجيري باعتبار معظم دولها (دول أطراف) تقع في الدائرة الثانية أو الثالثة في اهتمام السياسة الخارجية لنيجيريا.

وهذا ما يبرر أن غالبية الأخبار المتعلقة بالدول العربية التي وردت في النشرات هي أخبار خارجية، تتعلق بالشئون الخارجية وليست الداخلية بهذه الدول، بمعنى أنها أخبار تتناول علاقة الدول العربية بالدول الإفريقية وفي مقدمتها نيجيريا.

وهذا يدلل على أن الاهتمام بالقضايا والشئون الداخلية والعربية ينطلق من البعد الخارجي، فالنشرة الرئيسية للتلفزيون النيجيري مثلا تهتم بالشئون المحلية الوطنية، وتتعرض للعالم الخارجي وقضاياه من ناحية المصلحة القومية، ومدى ارتباطها بالجمهور المحلي.

إضافة إلى ذلك أظهرت الدراسة ارتفاع نسبة الأخبار ذات طبيعة العرض المجرد والتقريري للحدث، من دون شرح أو عرض وجهات نظر مختلفة. فطبيعة الأخبار بمجملها تتعلق بالعلاقات السياسية الدبلوماسية، إضافة للحساسية التي تمثلها القضايا المرتبطة بالعرب والدول العربية في السياق المحلي الداخلي النيجيري ولدى الرأي العام الشعبي تحديداً (العرب/ الإسلام).

فتعامل الإعلام الرسمي معها جاء بشيء من الحيطة والحذر، ليكون الوصف سيد الموقف في هذا التعامل، في محاولة للابتعاد قدر الإمكان عما يمكن أن يثير جدلاً أو أزمة بين المواطنين.

كما تدلل النتائج على أن الاهتمام الإخباري في التلفزيون النيجيري تركز على الدول العربية الواقعة في إفريقيا أكثر من الدول العربية في قارة آسيا، ويمكن تفسير ذلك على ضوء العلاقة الارتباطية بين المنظومة الإعلامية والسياسية والظروف الخاصة التي توجه السياسة النيجيرية ودبلوماسيتها في الخارج بالتركيز على الدائرة الإفريقية بالدرجة الأولى.

الأبعاد الدولية تلقي بثقلها

وفما يتعلق بالصحف النيجيرية فإن الدراسة تشير إلى ارتفاع نسبة المضامين المتعلقة بعرب آسيا بالمقارنة بعرب إفريقيا، ويأتي هذا في ضوء تطورات الأحداث والأوضاع التي تشهدها الدول العربية في منطقة الشرق الأوسط، فالحرب الأمريكية على العراق وتداعياتها، والأحداث المتلاحقة في فلسطين وتداعياتها، والتهديدات الأمريكية ضد سوريا كلها عوامل وراء هذا الارتفاع في التغطية الصحفية المتزايدة لشئون الدول العربية الآسيوية.

هذا الاهتمام المتمثل بارتفاع مضامين الأخبار ذات "الطابع السلبي" يفسره ما تشهده المنطقة من تزايد أعمال العنف، والاغتيالات، والعمليات العسكرية، وكذلك تداعيات المداهمات الإسرائيلية للأراضي الفلسطينية وما يتبعها من ردود من جانب المقاومة الوطنية.

وهذا الاهتمام الملحوظ بالشئون الداخلية في البلاد العربية يأتي على ضوء الأبعاد الدولية للقضايا التي تعرضت لها التغطيات الصحفية؛ فالتركيز على واقع الأوضاع الداخلية في العراق كان من منطلق بعدها الأمريكي، وكذلك القضية الفلسطينية كان من بعدها الإسرائيلي.

عذر غير مقبول

ومن الملاحظ أن نتائج هذه الدراسة تختلف إلى حدّ ما، مع الاتجاهات العامة التي أسفرت عنها المناقشات والدراسات السابقة من أن صورة العرب في وسائل الإعلام في عدد من الدول الغربية تتسم بطابع سلبي في مجملها، وأن التركيز في التناولات والتغطيات الإعلامية الإخبارية غالباً ما تنطلق من النزعة التحيزية والنظرة المسبقة.

وهذا دفع الباحث إلى التوقف في نتائجه وقفة متأنية في تحليل مقولة التأثير السلبي للإعلام الغربي وهيمنته وتحكمه في وسائل الإعلام بالدول النامية ونفوذه في طبيعة الصورة المقدمة عن الشعوب والدول الأخرى، ويقول: "فوجدت أنها مقولة غير صالحة للتعميم، وتفقد دقتها مع حالته، وإن كانت الصحافة قد تأثرت بعض الشيء بمواقف الوكالات الغربية، والقوى الدولية الأجنبية في طبيعة تغطياتها والصورة المقدمة عن العرب بشكل عام".

ولهذه النتيجة؛ يرى الباحث أن تمسك البعض بالعولمة وتداعياتها والاحتجاج بسيطرة الوكالات الغربية على مصادر الأخبار، وتحكمها في المضامين الإعلامية بأنها المسئولة عن طبيعة الصورة المقدمة عن الشعوب والدول النامية والتي تتسم بالتحيز وعدم الدقة، - عذرٌ غير مقبول، ولم تكن تلك الوكالات -في حقيقة الأمر- هي المسئولة.

فمن بين أسباب ذلك هو حالة النزعة الفكرية المركزية في كثير من المجتمعات النامية، بمعنى أن مستوى الإدراك والوعي الثقافي بالذات، ودرجة صحوتهما من بين العوامل التي تمكن من الرؤية الصحيحة، والقدرة على تقديمها بطريقة مستقلة عن رؤى القوى الأجنبية.

صورة إيجابية

وأشارت الدراسة إلى أن معدل التعرض للتلفزيون النيجيري بصفة عامة لها تأثيرها على طبيعة الصورة الذهنية عن العرب. فهناك حالة من التقارب بين صورة العرب كما تعكسها النشرات الإخبارية في التلفزيون النيجيري وصورتهم الذهنية كما تعكسها إجابات المبعوثين النيجيريين.

فالصورة الإعلامية للعرب هي صورة اتسمت بالحياد والإيجابية في مجملها، وإن كان بها بعض الجوانب ذات طبيعة سلبية. وحتى متابعو الصحف النيجيرية (التي تعتبر بحق مسرح نفوذ الوكالات الغربية) لم يثبت أي أثر للتعرض لها على تكوين صورة سلبية عن العرب والدول العربية.

وحتى ما يتعلق بجزئيات الصورة الذهنية العامة عن العرب فهي تتجه في مجملها نحو الحياد، مثل: صورة الثقافة العربية، وصورة سلوك الإنسان العربي، وصورة المجتمع العربي.

وذلك يأتي رغم تدني مستوى المعرفة بين أفراد العينة في المعلومات عن العرب والدول العربية؛ وهذا قاد إلى وجود حالة غموض وضبابية في رؤية المبحوثين حول تعريف الهوية العربية، والعوامل الفاصلة بين العروبة (القومية) من جهة، والبعد الحضاري (الإسلام) والملامح العنصرية (السمرة/ البياض) من جهة أخرى.

وبرأي الباحث يعود ذلك إلى قدم العلاقات التاريخية بين النيجيريين والعرب، والمتمثلة في (الإسلام)، وهي علاقات سابقة على ظهور الصحافة، فالصور المتشكلة عبر هذا التاريخ الطويل تعتبر أكبر بروزاً وثباتاً من الصورة المقدمة من الصحافة الحديثة، علاوة على قِدَم العلاقات الثقافية، إضافة إلى استمرارية التواصل بين الطرفين من خلال الاتصالات الشخصية.


مدير تحرير نطاق "ثقافة وفن" في شبكة إسلام أون لاين.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم