English

 

الثلاثاء. سبتمبر. 21, 2004

ثقافة وفن » لغة وأدب

 
   
روابط من إسلام أون لاين

كيف تعرفت إيطاليا على القرآن؟

تكشف المحاولات التي خاضها العقل الأوربي لفهم الإسلام واستكشاف العالم الإسلامي عن المنعطفات التاريخية التي مرت بها الصورة الإسلامية في أذهان الأوربيين، وظلت مدارا للبحث لعدة قرون، واختلف الغربيون عليها؛ فجاءت المفاهيم تارة متشددة مشوهة، وتارة أخرى موضوعية تتقبل الآخر وتتفهمه، ولا يأتي هذا بمعزل عن الخلفية المسيحية للعقلية الأوربية والتوجه الكنسي، ومدى تأثيره سياسيا وثقافيا، وتدخله في مجرى الأحداث، وإن كان القارئ للأعمال التي حاولت فهم الإسلام يدرك أنها تطورت مع تطور الوعي الأوربي والانفتاح على ثقافة الآخر.

ولأن إيطاليا من الدول التي كان لها احتكاك مباشر مع العالم الإسلامي والعربي وخاصة مع مدن الجنوب كصقلية والبندقية فقد مثل هذا دافعا قويا لدى الإيطاليين لمعرفة هذا العالم، ونشطت حركة الترجمات عن العربية واليونانية، وزادت الرغبة في التعرف على الكتاب المقدس للمسلمين

"القرآن الكريم" فقاموا بترجمته مرات عديدة منذ 500 عام وحتى الآن. وهو ما تؤكده دراسة "حول ترجمات معاني القرآن إلى الإيطالية" التي قدمتها الدكتورة نجوى عمر بكلية الألسن جامعة عين شمس المصرية.

أولى الترجمات

الدراسة تشير إلى أن أول ترجمة للقرآن تمت في مدينة البندقية عام 1547م، وقام بها أندريا أريفاييه عن الترجمة اللاتينية لمعاني القرآن. وامتلأت بالأخطاء لجهل المترجم باللغة العربية؛ حتى إن الترجمة وقعت في 150 ورقة فقط. ورغم ذلك فقد أثارت استفزاز الكنيسة التي رمت المترجم بالهرطقة والكفر، وحظرت تداولها، وإن ظلت نسخ الترجمة محفوظة حتى الآن في المكتبات العامة.

ولكن مع مرور الوقت تخلت الكنيسة عن موقفها الرافض لترجمة معاني القرآن؛ رغبة منها في التعرف على الأتراك المسلمين الذين يحاصرون إيطاليا من كل الجوانب. فجاءت الترجمة الثانية عام 1698م للقس لوديفكايا مارتش الذي استغرق 7 سنوات كاملة في الترجمة، وكان من اللافت تسجيله إعجابه الشديد بسورة الفاتحة، وقوله: "كيف يصدر هذا الكلام الفاضل والمقدس عن محمد الفاسق والشرير؟!".

ترجمة محايدة ولكن..

بعد ذلك توالت الترجمات.. وأهمها طبعة فاينشتال عام 1847م، وترجمتان قبل الحرب العالمية الثانية للويدجيبو نويلي وألكسندر بالي. غير أن الترجمات الدقيقة والمهمة ابتدأت عام 1955م بقيام القس ألسكندر باوزاني بوضع ترجمة بالغة الدقة، وكتب مقدمة تقع في 100 صفحة تكشف عن تعمقه في العلوم الإسلامية، وحياديته الشديدة؛ فقد خلت الترجمة من الغمز واللمز الذي ارتكبه سابقوه؛ بل إنه دافع عن الرسول صلى الله عليه وسلم في مسألة تعدد الزوجات، ونفى أن يكون وراء ذلك شهوانية، واستشهد بأن النبي ظل طوال شبابه متزوجًا من امرأة واحدة تكبره سنًّا وهي السيدة خديجة، ولم يتزوج إلا بعد وفاتها. وأنه ليس من المعقول أن تستيقظ الشهوة عنده في هذه السن، كما عرف المترجم بالصلاة وكيفية أدائها وبقية أركان الإسلام الأخرى بشكل دقيق، لكنه وقع في بعض الأخطاء؛ منها تشكيكه في صحة ترتيب سور القرآن، وادعاؤه وقوع خطأ في جمع القرآن بعد وفاة الرسول أسفر عن الخطأ في ترتيب السور، كما أخطأ باوزاني عندما خالف الثابت تاريخيًّا، وادعى أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن أميًّا، وإنما كان يعرف القراءة والكتابة، واستشهد بفعل "اكتتبها" بقوله تعالى: {وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا} [الفرقان: 5]، ومن الواضح أنه فهم "اكتتبها" بمعنى "كتبها"، في حين أن اكتتبها تعني أن الرسول طلب من غيره كتابتها.

وأخطأ أيضا عند ترجمة قوله تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ} [آل عمران: 71]، فترجم الفعل "يلبس" بمعنى "لبس الثياب"، والمعنى الصحيح هو "الخلط" أي لماذا تخلطون الحق بالباطل؟ لكن باوزاني ترجمها "لماذا تغطون الحق بأثواب الباطل؟". وغالبية الأخطاء على نفس المنوال.

ويحسب لهذه الترجمة أنها نجحت في "طلينة" معاني القرآن وتقريبها للإيطاليين باستعارة تشبيهات إيطالية لتوضيح المعنى للقارئ.

وقال المترجم: إن القرآن الكريم يأتي في مقدمة الكتب الصادرة عن المؤسس الأول -يقصد النبي محمد- وإن الثابت تاريخيًّا أن القرآن لم يحرف، وأنه وصل إلينا مباشرة عن محمد، وهو يرفض ذلك الإقرار بأن القرآن من عند الله.

ما بين حمزة وبيرونيه

وجاءت ترجمة الإيطالي المسلم حمزة ربيتو بيكاردو في التسعينيات من القرن العشرين كأول ترجمة اعتمدها الأزهر الشريف، وكان من أهم ما فيها أنه عمل في ترجمته على تطويع اللغة الإيطالية على استيعاب المعاني الواردة في القرآن الكريم، ونظرًا لأن العديد من التشبيهات والمعاني العربية لا يوجد ما يقابلها بالإيطالي فقد وضع هوامش وإحالات كثيرة تشرح معاني التشبيهات. وقد كتب مقدمة الترجمة الإيطالي المسيحي بيبو بلازوني في 100 صفحة، ويتضح من المقدمة تأثره الشديد بالإسلام. فجاءت مقدمته مليئة بالود ناحية المسلمين وكتاب المسلمين، ولم يستخدم الاسم الإيطالي للنبي "ميمتو" وإنما استخدم الاسم العربي "محمد"، وسلم بأن القرآن كتاب سماوي من عند الله، وأن هناك تشابها كبيرا بين الكتب السماوية الثلاث، وساق بعض الاستشهادات؛ منها أن كلمة "القرآن" تعني التلاوة بصوت مرتفع، وأن اليهود والمسيحيين أيضا لديهم التلاوة بصوت مرتفع في الطقوس الدينية.

إضافة إلى هذه الترجمة قام عالم اللغة الإيطالي فديرويكو بيرونيه بوضع ترجمة جديدة لمعاني القرآن، اتسمت بالموضوعية والحيادية الشديدة، وقد وضع بيرونيه لترجمته مقدمة في 60 صفحة، أوضح فيها أنه سيترجم معاني القرآن في ضوء علم اللغويات الحديث، ونظرية الاتصال عند رومان جاكسبون التي تقول بأن أي عملية اتصال لغوي تتكون من مرسل ورسالة ومستقبل.

وفي حالة النص القرآني فإن المرسل هو الله، والرسالة هي القرآن، وجاءت باللغة العربية الشمالية الغربية وهي لهجة قريش، كما أن الموضوعات الواردة في القرآن عديدة ومتنوعة ومتداخلة بحيث يصعب فهرستها وتبويبها، ومن وجهة نظره أن القرآن اتبع أسلوبًا غريبًا بالقفز بين الموضوعات دون أن يكون بينها صلة، وهو ما اعتبره المترجم أمرًا شاذًّا بالنسبة للعقلية الغربية التي اعتادت الرد بطريقة تداعي الأحداث وتسلسلها، ويضيف المترجم أن أسلوب القفز جعل القرآن أكثر تشويقًا كلما قرأته.

وحين تحدث بيرونيه عن المخاطَبين بالقرآن قال: إنهم العرب ومن بعدهم العالم بأسره. وبذلك اختلف بيرونيه عن كثير من المستشرقين الذين اعتبروا القرآن كتابًا يخص العرب وحدهم، ولا شأن لمسيحيي أوربا به.

وقد لفت بيرونيه الانتباه إلى أن القرآن الكريم استخدم الوظائف الست للغة، وهي:

(1) الوظيفة الإخبارية: واستخدمها القرآن في الإخبار عن حوادث وقعت في الماضي، وحوادث أخرى تنبئ بحدوثها في المستقبل.

(2) الوظيفة العاطفية: استخدام القرآن شحنة عاطفية عالية، وأبدى بيرونيه استغرابه من مقدرة القرآن على الجمع بين الوظيفة الإخبارية والوظيفة العاطفية؛ حيث إنه كلما زادت الشحنة العاطفية في اللغة قل الإخبار فيها، لكن القرآن جمع بين الوظيفتين، دون أن تطغى إحداهما على الأخرى.

(3) الوظيفة الأمرية: استخدام القرآن للنداء، مثل "يا أيها الذين آمنوا"، أو باستخدام فعل الأمر ذاته.

(4) الوظيفة الانتباهية: استخدمها القرآن في لفت الانتباه، بتحويل الحديث من ضمير الغائب إلى ضمير المتكلم.

(5) الوظيفة ما بعد اللغوية: استخدمها القرآن في شرح المصطلحات الغامضة، مثل ما هو المقصود بـ"الصلاة" و"الزكاة"، "الربا"؛ فهي غير واضحة بذاتها، وتحتاج إلى إيضاح، وقام القرآن بإيضاحها.

(6) الوظيفة الجمالية: واستخدمها القرآن من وجهة نظر المترجم للزخرفة وتجميل النص القرآني، وأن السور المكية الأولى كانت أبرز تطبيق لذلك عند الحديث عن مشاهد يوم القيامة.

وقد اعترف بيرونيه صراحة بالإسلام عندما قال في المقدمة: "كي يحدث التقارب العميق والجاد بين العالمين الإسلامي والمسيحي؛ فإن الأمر يحتاج إلى أن نقنع أنفسنا بأن كلا المنهجين الإسلامي والمسيحي منهج من الله، وأنها صارت جسدًا في بيت لحم (موطن السيد المسيح) وصارت كلامًا في مكة".

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم