English

 

الأربعاء. أغسطس. 3, 2005

ثقافة وفن » سينما ومسرح

 
   
روابط من إسلام أون لاين

"السفارة في العمارة".. و"التطبيع" في التفاصيل

سعيد أبو معلا

أفيش فيلم السفارة في العمارة
هل فعلا ما يطرحه فيلم "السفارة في العمارة" هو فكرة: لماذا يرفض المصريون التطبيع مع إسرائيل؟ وأن الفيلم يشكل حالة فنية رافضة للتطبيع وسط الزخم الرسمي الاقتصادي والسياسي العربي السائر في اتجاه إسرائيل؟.

قبل الإجابة على هذا السؤال الذي يؤكد الكثيرون أنه فعلا يطرح الإجابة عليه، لا بد من الخوض في تفاصيل الفيلم الذي يقوم ببطولته عادل إمام، وأخرجه عمرو عرفة، وتأليف يوسف معاطي، على اعتبار أن تفاصيل أي عمل فني هي التي تشكل جوهره ومضامينه وتأثيراته على المتلقين.

معمارية القصة

تبدأ دقائق الفيلم الأولى بسحر الإمارات؛ حيث الأبراج والمباني الشاهقة والمناطق السياحية الفخمة والخيالية، وذلك برفقة موسيقى عمر خيرت التي جذبت الجميع منذ بداية العرض وحتى نهايته، أما "شريف خيري" (عادل إمام) فهو مهندس مصري يعمل في شركة بترول أجنبية، له صديق فلسطيني لديه طفل اسمه "إياد" يرغب في العودة إلى وطنه الذي لم يره ليشارك في الانتفاضة، ويخوض شريف مغامرات جنسية مع نساء عدة، وعلى خلفية مغامراته مع زوجة مديره الأجنبي يُطْرد من عمله ليعود إلى مصر.

يعود شريف إلى القاهرة ليجد أن السفارة الإسرائيلية في جوار منزله، فيسعى للهروب من شقته وتركها ولذا يقرر بيعها، فيلجأ إلى أحد أصدقائه القدامى الذي يرتب له أمور البيع لكن التاجر يرفض شراءها، عندها يشعر شريف أن حريته مقيدة؛ فهو لا يستطيع أن يبيع الشقة، كما أن حريته أصبحت أكثر تقييدا بسكنه في هذه الشقة بعدما أُطلق صاروخ على السفارة الإسرائيلية أصاب شقته هو، ومن ثم لم يجد ملجأ إلا القضاء، فيرفع دعوى للمطالبة بطرد السفارة من العمارة التي يقطنها.

البطل شريف البعيد كل البعد عن السياسة، والذي لا يهمه غير الركض وراء النساء يتحول إلى بطل شعبي في نظر الجميع؛ حيث يضطر للمشاركة في المظاهرات، ويظهر على الفضائيات ويرفع المواطنون صوره، ويحتك بالفعاليات الوطنية والأهلية الرافضة للتطبيع مع إسرائيل دون أن يكون على قناعة بما يفعل.

السفارة الإسرائيلية تتدخل وتقوم بعملية ابتزازه لإسقاط القضية، وتستطيع من خلال استغلال نقطة ضعفه المتمثلة في شغفه بالنساء؛ حيث تقضي معه سيدة إسرائيلية ليلة حمراء بعدها يتعرض للابتزاز والتهديد بفضحه بعد أن قام الإسرائيليون بتصويره، ويطالبونه بالتنازل عن القضية، فينصاع لهم، ومن ثم يتحول إلى خائن وعميل وشخص منبوذ من الجماهير.

وفي إحدى المرات يطلب منه السفير الإسرائيلي (لطفي لبيب) فتح شقته لضيوفه في أحد الاحتفالات مستخدما التهديد ذاته، فيخرج من شقته مقررا السفر مرة ثانية، وعندها يجد حراس العمارة منهمكين في متابعة الأوضاع داخل الأراضي الفلسطينية؛ حيث تظهر صور متظاهرين يحملون الصبي إياد -ابن صديقه في الإمارات- شهيدا، هنا يبدأ التحول الدرامي الكبير، فيصعد بسرعة ويطرد السفير وضيوفه غير مبال بأي شيء، ويتحول إلى مشارك فعال في التظاهرات الرافضة لسياسة إسرائيل في الأراضي الفلسطينية.

كوميديا بطعم السياسة

شريف البطل أمام الجماهير 

ورغم أن الفيلم يحمل نكهة سياسية، لكننا لا يمكن أن نطلق عليه توصيف "الفيلم السياسي"، فوجود بعض الأفكار السياسية التي يطرحها فرضتها طبيعة القصة، ولا تؤهله ليُمنح هذا اللقب، فهدف الفيلم لم يكن هدفا فكريا، كما أنه لم يقصد التعامل مع قضية جدلية أو طرحها؛ بل كان الهدف الواضح في الفيلم كوميديا بحتا عبر فكرة جديدة تكون مصدرا للمواقف والمفارقات التي تدفع إلى الإضحاك.

وعلى أية حال لم يكن الفيلم يهدف إلى توضيح أسباب رفض المصريين للتطبيع، كما يروج له مسوقوه، كما أنه لم يكن يدعو إلى التطبيع مع إسرائيل، أو للدقة أكثر لم يفهم المشاهدون منه أي دعوة للتطبيع، وهذا ما يفسر تصفيقهم الحار بعد انتهاء العرض.

الفيلم في حقيقته هو عبارة عن خليط كوميدي مطعم بالسياسة، وليس العكس، وهناك فرق بين الاثنين؛ حيث حشر بالثانية (السياسة) من أجل الأولى (الكوميديا)، وهذا ظهر بوضوح عبر تناول القصة بسطحية دون معالجة حقيقية أو تحديد للأسباب الرافضة للتطبيع، إضافة إلى المباشرة في تقديم فكرته التي اقتربت كثيرا من السذاجة والتقليدية.

الجنس وشباك التذاكر

البطل المطلق أو "الزعيم" كما يطلق المصريون تلك التسمية على عادل إمام أراد أن يظهر بشخصية عادية وبسيطة، أو هكذا قدم عبر وسائل الإعلام، وهذا هو الهدف المعلن من فنه؛ أي أن يعكس حياة المواطن المصري البسيط، لكننا نكتشف أنه لم يظهر من هذا شيء في الفيلم، فقد قدم شخصا يتجنب الخوض في السياسة، ورغم صحة هذه العبارة لدى عامة الناس غير أن هناك حدا أدنى من الوعي السياسي تجعل المواطن البسيط يفرق على الأقل بين التطبيع وغيره.

فالبطل كان "غير عادي" هذه المرة؛ كان مواطنا منافقا، شهوانيا لا يبحث إلا عن الجنس الذي يجده في إحدى المرات التي شارك فيها في التظاهرات المضادة للتطبيع، وكل المواقف نصف الجنسية -إن جاز لنا التعبير- التي ظهرت في الفيلم كانت مفتعلة لدرجة كبيرة، فظهر هدفها بوضوح الرغبة في كسب شباك التذاكر ليس إلا، وهذا يظهر من خلال اعتماده الكامل عليها في "اختراع" الضحكة، فهو يتعرض مثلا للصعوبة التي تواجه شريف أثناء اقتياده لفتاة ليل إلى شقته كموقف كوميدي، في حين لا يتعرض الفيلم للصعوبة التي من المفترض أن يجدها أصدقاؤه عند الدخول للعمارة.

والخطورة هنا هي أن الجنس المفتعل يُطرح كوجبة "دسمة" للحصول على الضحك، وفي هذه المرة البطل الذي "أعلن" أنه مواطن عادي بسيط، وفي حقيقته شخص توجهه شهواته الجنسية، يتحول إلى بطل وطني وشعبي ترفع الجماهير صورته، ولا أدل على ذلك إلا عبارة الضابط قائد الحراسة على العمارة: "لم أر شخصا وطنيا أكثر منك في حياتي!!!".

تبدل الشعار

أبرز ما يلحظ المشاهد في الفيلم هو هذا التحول والتبدل في الشعارات من "لا للتطبيع" إلى "لا لأعداء السلام"، "لا للاحتلال"، فمجمل الشعارات التي رفعها المتظاهرون والبطل في نهاية الفيلم كانت تدور حول هذه الثنائية، ولم تقترب من قضية التطبيع أبدا. المشكلة بحد ذاتها ليست هنا بل فيما هو أعظم من ذلك؛ فالبطل في بداية الفيلم كان يشارك في المسيرات والاحتفالات المناهضة للتطبيع بصورته السلبية وبعدم إيمانه بما يفعل، فلا اهتمام بالسياسة، ولا وعي بقضايا الوطن، وبعد أن يتبدل الحال يتحول من مناهض للتطبيع إلى مناهض لسياسة إسرائيل في فلسطين ليس إلا، بعد رؤيته لاستشهاد الطفل إياد.

تحيز في الخطابات

شريف في قاعة المحكمة 

الفيلم حمل مضامين كثيرة، كما تنوعت خطاباته، وهنا ظهر للجميع أنه تحيز لطرف على حساب طرف آخر، وهذا يمكن أن نلحظه من خلال:
  • إظهار رافضي التطبيع (يساريين، إسلاميين، قوميين) بالمهرجين والعاطفيين، والسذج، والهمجيين، والانتهازيين في أحيان أخرى، وظهر ذلك جليا في الشخصيات التي ركز عليها وقدمها بصورة كوميدية مبالغ بها؛ فهم مصدر للمواقف الكوميدية عبر خطاباتهم، وتزمتهم بمواقفهم، وعدائيتهم، وعدم تعاملهم بمنطق مع الأحداث، وعدم وضوح رؤيتهم.

  • الأمر تعدى ذلك لتظهر صورة المثقف المصري من خلال شخصية الصحفي "الحشاش" الذي يعمل في صحيفة "لا"، ويحمل شعار "خلقنا لنعترض"، بالمتمسك بقراراته "المثالية"، والتي لم تظهر بأنها تستند على أي منطق إلا منطق الشعارات العاطفية المكرورة، والانفعالات الزائدة التي أدمنها الجمهور، وأصبح لا يتقبلها لكثرة سماعها.

  • على العكس من ذلك ظهر الخطاب الرسمي الهادئ والمتزن في ثوب منطقي، "فالبلد ستصبح في أفضل حال لو أن كل شخص عرف نفسه ودوره". وفي تعامله مع البطل شريف أثناء رفضه للتعاطي مع واقع السفارة، رغم أن هناك متسعا في تناقضات الموقف الرسمي لخلق كوميديا سوداء، لكن الكوميديا وبمقدار ما ابتعدت عن الموقف الرسمي اقتربت من الرافضين للتطبيع، وقامت بتقديم بعضهم بصورة وصلت لحد الهمجية والغوغائية.

  • رافق ذلك صورة المطبع وكلامه "الأنيق": "حنفضل أعداء لغاية إمتى، يجب أن نبني طالما الحرب قد انتهت"، وكأن سلوك باب التطبيع يقود للبناء والعمران والنهضة الاقتصادية، ما دام كلام الرافضين "لا يقدم ولا يؤخر في معادلة البلد" على لسان الخطاب الرسمي.

رموز ودلالات

رغم أن الفيلم جاء مشبعا بالكوميديا التي تعتبر ميزة أفلام هذا الصيف، غير أن الفيلم جاء مشبعا بالرموز، والدلالات المشهدية وحتى الموسيقية الموحية.

بداية هذه الرموز ظهرت في شخصية البطل السلبية، إلى أن يقرر أن عيد ميلاده الحقيقي هو اليوم الذي يشارك فيه بالمسيرات الشعبية عن قناعة تامة، المفارقة في الشخصية السيئة حيث يصبح بطلا شعبيا من الجماهير داخل الفيلم، وهو في حقيقته مواطن مفرغ يسير وراء شهواته، فهذه الصورة قد تسبب لدى المواطن البسيط الصامت إسقاطا ما على الأبطال الحقيقيين الرافضين للتطبيع على أرض الواقع.

الرمز الثاني نراه في مشهد الصاروخ الذي أصاب منزل شريف بدلا من أن يصيب السفارة المقصودة، وهذا عبر حوار ومشاهد حمل صورة سلبية لمواقف الرافضين للتطبيع من خلال التلميح بأن هذه الجهود تضر بالمواطن المصري أولا وأخيرا؛ فسياسة المقاومة للتطبيع تقود إلى أضرار مختلفة تصيب البلد، وهذه وجهة نظر رسمية بحتة لا يؤمن بها حتى منظروها.

الدلالة الثالثة معبرة وقوية حملها الفيلم، تتمثل بمشهد استيلاء السفير الإسرائيلي على منزل شريف عبر ابتزازه ليستضيف ضيوفه فيه مؤقتا، فهذا المشهد قدم بصورة رمزية بارعة لسياسة الابتزاز، ورغبة السيطرة على المكان (وهنا منزل شريف كرمز)، فيدخل ضيوف السفير على كثرتهم المبالغ فيها، بينما صاحب المنزل يضيق به المكان لدرجة الاختناق، حتى إن الضيوف يحتلون غرفة نومه، وأمام ضحكاتهم وصخبهم عبر موسيقى موحية يخرج كالمخنوق ليغلق الحارسان الباب، في دلالة للسيطرة على المنزل.

مواقف كثيرة لم تكن مقبولة للمشاهد حتى البسيط؛ منها صورة رجال الأمن وضباطهم وتعاطفهم التام مع المتظاهرين، أيضا صورة الإسلاميين المتشددين الذين يحاولون استغلال البطل لتفخيخه بغرض تفجير العمارة، أضف إلى ذلك لجوء الفيلم في سبيل حل عقدة الذروة عندما تقرر المحكمة البت في دعوى البطل على السفارة حيث اللجوء إلى سياسة الابتزاز من خلال الجنس، وهذه صورة نمطية قديمة كان الأجدر بالمؤلف البحث عن فكرة خلاقة تنهي تأزم الموقف وتنقذه دراميا.

"فالشيطان" أو الطعم كان هذه المرة في تفاصيل العمل الفني والتي قد تغيب عن عيون المشاهدين المتسرعين، الذين لم يعتادوا على أعمال فنية ذكية، بل وجبات ضحك خالصة، وهكذا اعتقدوا في هذا الفيلم الذي قدم لهم -لا شعوريا- ما لا يرضونه أبدا.


ناقد فني ومحرر في النطاق الثقافي والفني في شبكة إسلام اون لاين.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم