English

 

الاثنين. أغسطس. 15, 2005

ثقافة وفن » سينما ومسرح

 

ورشة السيناريو.. الإبداع عندما يكون سلعة

عماد مطاوع

أسامة أنور عكاشة
شهدت الأيام الماضية إعلان قطاع الإنتاج بالتليفزيون المصري عن تدشين مجموعة عمل متخصصة في كتابة السيناريو لورشة يشرف عليها الكاتب أسامة أنور عكاشة، وتضم بين جنابتها مجموعة من الكتاب الشباب بهدف النهوض بمستوى الدراما المصرية، وإفساح الطريق أمام جيل جديد من الكتاب لترى أعمالهم النور.

ولقي هذا الإعلان موجة من الحماس أملا في تحسين مستوى ما يقدم من أعمال درامية، وأملا في أن تقف هذه "الورش" أمام التجمعات السرطانية التي تمتص إنتاج المواهب الشابة وتسلبها أجزاء مهمة من تكوينها، وهذه التجمعات السرطانية تكشف وجودها أمامي في أمسية جمعتنا في مقهى شهير بوسط القاهرة يقصده عادة الكتاب والمثقفون لا سيما الشباب منهم، وبعد عدة مناقشات عادية تغير الأمر عقب وصول أدهم -سيناريست شاب- الذي بادر آخر قائلا: إيه أخبار الورش بتاعتك، فأجابه الآخر: فل و"بأفش" منها كويس (دلالة على العائد المادي)، وأنت عامل إيه؟ فأجاب أدهم: ماشية... بس الراجل جِلده.. بخيل قوي.

تعجبت للأمر، ولاحظ أدهم حيرتي فبادرني قائلا: إيه رأيك تيجي معانا؟.

ولم أكد أسأل بشكل بريء عن ماهية هذه الورش والآلية التي تحكم العمل بها، حتى تفتح أمامي عالم عجيب يزخر بكل المتناقضات، ورغبة في سبر أغوار هذه التجمعات التحتية علينا أن نتتبع ظهور ورش السيناريو للوجود واستعراض التجمعات المعلنة والمحترمة منها، وأيضا تعرية التجمعات الأخرى التي تحيا على دماء ورفات الكتاب الشباب.

ورش السيناريو.. البداية والهدف

محمد السيد عيد 

بداية يقول الكاتب التلفزيوني محمد السيد عيد: إن "مؤسسة السينما" هي التي بدأت في تنظيم أول ورشة للسيناريو في الستينيات من القرن الماضي، وكان الهدف الأساسي من إنشائها هو تزويد الحركة السينمائية بكتاب جدد يمتلكون الأسس الكاملة لكتابة سيناريو محكم، واجتذبت هذه الورشة مجموعة من الكتاب الهواة وقتها، والذين أصبحوا الآن من الكتاب المشهورين مثل: صبري مرسي، ومصطفى محرم، ورأفت الميهي وآخرين، وأشرف على هذه الورشة ثلاثة من كبار السينمائيين هم: صلاح أبو سيف، وعلي الزرقاني، وأحد السينمائيين الكنديين.

وقد صار الأمر بعد ذلك إلى وجهة أخرى وأصبحنا نرى الآن مجموعة من الكتاب الكبار يقومون باستغلال الشباب الذين يبحثون عن فرصة ما في بداية مشوارهم، ليأخذوا جهدهم وينسبونه لأنفسهم نظير مبالغ مالية زهيدة إذا قيست بما يحصلون عليه هم، وأنا شخصيا لم أتعرض في بداية مشواري لمثل هذه المواقف -ما زال الكلام للكاتب محمد السيد عيد- إلا أن بعض الجهات الإنتاجية طلبت مني مرات عديدة تعديل نصوص مقدمة لهم، لكنني أرفض؛ لأن العملية الإبداعية من وجهة نظري عملية خاصة جدا.

سيناريو مشترك أم مسروق؟

وهناك حديث لمؤلف آخر يعد واحدا من أعمدة الكتابة السينمائية بدأ حياته بكتابة سهرة درامية للتليفزيون في أوائل السبعينيات وهو الكاتب "ب. أ" الذي يقول: "قدمت السهرة للجنة النصوص بالتليفزيون، وطلبت من كاتب صديق كان قد بدأ في الانتشار أن يتابع السهرة بحكم علاقاته داخل الجهاز، وبعد مضي أكثر من شهر علمت أن السهرة تمت الموافقة عليها.

وعندما توجهت لكتابة العقد فوجئت باسم الصديق يسبق اسمي، فثرت في وجهه، لكنه هدأ من ثورتي وأخبرني أنه قام بتعديل بعض الأجزاء حتى يتسنى للجنة الموافقة عليها، ثم اكتشفت بعد ذلك أن التعديل الوحيد الذي تم إدخاله على السهرة هو كتابة اسمه قبل اسمي على الصفحة الأولى!.

وعرض علي بعد ذلك أن أعمل معه في مشاريعه، لكنني رفضت عرضه هذا بشدة، ومن ساعتها وهو يتبع نفس الأسلوب مع كل كاتب، لا سيما إذا كان جديدا على الساحة الفنية".

الكاتب محمود الطوخي الذي قُدمت له أعمال سينمائية وتليفزيونية ومسرحية منذ الثمانينيات يؤكد أن هناك صديقا له رحمه الله ظل لمدة تزيد على عشر سنوات يكتب لآخرين، ثم بدأ يكتب لنفسه، لكن وافته المنية بعد عملين فقط عرفا -رسميا- باسمه وهو الكاتب الراحل "أ. غ" وهو يعد نموذجا لكتاب كثيرين يتم استغلالهم من قبل آخرين يسطون على موهبتهم ويستنزفونها مقابل مبالغ زهيدة يغرون بها المحتاج لها في بداية حياته.

أما الكاتب والناقد د. وليد سيف فله تجربة خاصة مع الكاتب السينمائي "عبد الحي أديب" عميد كتاب السيناريو، حيث عمل معه لمدة تزيد على العام، استفاد منه الكثير، واستطاع أن يكتسب خبرات عديدة في تجربته تلك معه والتي كانت في بداية مشوار وليد سيف السينمائي.

وما دمنا قد تطرقنا للحديث عن عبد الحي أديب فيجب أن نذكر أن الرجل يعلن دائما أنه أول كاتب أقام ورشة للسيناريو، عمل فيها كتاب صاروا محترفين فيما بعد مثل: أحمد عبد الوهاب، ورءوف حلمي، وعبد القادر نجيب، ويقول عبد الحي أديب: إنه لا يخجل من إعلان ذلك، فما الضير من عمل فريق عمل، فهناك شركات إنتاجية كبرى في بلدان عديدة تقوم بعمل قسم للسيناريو بها، يمكن أن يبيع لهم أي شخص أية فكرة فيقوم هذا القسم بتناولها والتعامل معها حتى تخرج في صورة فيلم سينمائي أو مسلسل، وكل هذا يتم وفق قوانين ومعايير خاصة تفرضها الطبيعة الإنتاجية لكل شركة.

ويكمل "أديب" أن الكتاب الذين انضموا لورشته كانوا يحصلون على حقوقهم كاملة، وهناك من كان يتم كتابة اسمه على العمل، فهذا حقه، وهذا على خلاف كتاب آخرين يقومون باستغلال هؤلاء دون أي مشاعر بالخجل أو تأنيب الضمير، ولعل الكثيرين يعرفون ما يفعله كاتب مثل "ف. ن" و "ر. أ" وآخرين.

والحق أن عبد الحي أديب كان صادقا مع نفسه ولم يخف حقيقة ورشته، وإن كان قد أضفى عليها بعض المثالية التي لم يحدثنا عنها أحد ممن اعترفوا بالعمل فيها.

الإبداع عمل فردي.. لكنه قابل للبيع

رفض الكاتب "ر. أ" الحديث في هذا الأمر، ونفى أن تكون لديه ورشة، وقال: إن الإبداع فعل فردي ولا يمكن تصور اشتراك أكثر من فرد في خلق عمل فني لا سيما السيناريو، ورغم تكذيبه الشديد ونفيه فإن الكاتب الشاب "أ. م" أقر بكتابة أكثر من عمل لهذا المؤلف، وذكر أسماء لآخرين قاموا بالكتابة لحسابه مقابل مبالغ مالية تقدم لهم، وأضاف الكاتب "أ. م" أنه كان يود اختراق هذا الوسط، وأراد التنازل في البداية بغية التواجد، لكن هذا التنازل استمر ولم يستطع كبح جماحه.

كما نفى الكاتب والمنتج "ف. ن" بشدة امتلاكه ورشة سيناريو، وقال: إنه لا يحب استقبال الغرباء في منزله، وإنه يحيا في وسط أسرة محافظة، وإن لديه بنات؟!

والشيء الملغز حقا هو امتناع العديد من الكتاب عن الحديث ورفضهم المناقشة في هذا الأمر، حتى من لا يمكن التشكيك في ضمائرهم والإيمان بعدم امتلاكهم مثل هذه الكيانات السرية!.

والأمر نفسه ينطبق على الجهات الإنتاجية، إلا أن "أ. م" -وهو مخرج ومنتج- أكد أنه قام بإنتاج عمل تليفزيوني لمؤلف معروف، وأثناء تنفيذ العمل لاحظ وجود خلل واضح في بناء بعض الحلقات، وعندما استفسر من المؤلف ارتبك ولم يقدم أي إجابة مقنعة، وفي اليوم التالي فوجئ بالمؤلف يصطحب معه شابا قدمه له بوصفه مساعدا له، والغريب أن هذا الشاب المساعد قام بشرح وافٍ لما ظنّه المخرج خللا في العمل وأقنعه الشاب بوجهة نظره وسط دهشته من عجز المؤلف الكبير عن تفسير عمله، لكن المخرج اكتشف فيما بعد أن هذا الشاب هو المؤلف الحقيقي للعمل، ولم يكن المؤلف الكبير سوى "دوبلير".

كثيرة هي جهات الإنتاج التي تحدث معنا مسئولون بها عن هذا الأمر، وحددوا أعمالا بعينها مؤلفوها الحقيقيون هم كتاب الورش، لكنهم -أي المسئولين- رفضوا أن يكون حديثهم متضمنا نشر الأسماء، وقال أحدهم لائما الكتاب الشباب: وإيه يعني.. هو حد كان ضربهم على أيديهم!.

ربما يكون الرجل مصيبا في رأيه، لكن الحق أن أحدا لم يضربهم على أياديهم، بل ضربتهم أشياء أخرى، ربما تكون الحاجة للمال وسط متطلبات حياتية متوحشة وأحلام كبيرة معطلة، وأشياء أخرى تكالبت عليهم وأحاطت بهم، ومنهم من تجلّد وتمسك بمبادئه، لكن آخرين لم يتمكنوا من الصبر والمقاومة فسقطوا سريعا في بداية الطريق، وسفحوا دماء إبداعهم وقدموا نتاج موهبتهم وجهدهم لآخرين يمارسون دور "النخاسة" الفنية في هذا العصر المتوحش.

كيفية الخروج من المأزق

إذا كان التليفزيون المصري قد خطا أولى خطواته على طريق تبني مجموعات عمل منظمة للخروج من هذه الصورة المظلمة بواقع مجموعات الكتابة الورش، وأيضا للنهوض بمستوى ما يقدم من أعمال، فعلى الجميع السعي لكي تختفي هذه الظاهرة السرطانية الخطيرة، والمسئولية تقع في الأساس على الجهات الإنتاجية الكبرى التي يجب عليها تبني مجموعة من الكتاب الشباب وعمل آلية ما لتشجيع الموهوبين منهم ودفعهم للحياة العملية، ويمكن عمل هذا من خلال:

  • إنشاء أقسام خاصة بهذه الشركات تعنى بشأن الكتابة وتهتم بها.

  • ضرورة ألا يخالف الكتاب الكبار ضمائرهم، وألا يمتصوا دماء الإبداع من هؤلاء الصغار الذين ينظرون إليهم كآباء ومعلمين.

  • وألا يتم التعامل بمنطق التجار في فرع من أهم فروع الفن، حتى لا نستنزف طاقات الأجيال القادمة ونحولها إلى مسوخ غير قابلة للتفاعل والتعامل مع الواقع.

لا شك أن هذا الصدع كبير في حياتنا الثقافية، ولا يقتصر فقط على كتابة السيناريو وإنما يمتد لفروع ثقافية وفنية أخرى، وهو يحتاج إلى جهود وضمائر لمواجهته حتى لا تتغول هذه السلبيات في حياتنا الثقافية.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم