|
|
| سعودي بجوار أحد أجهزة العرض السينمائية القديمة
|
الرياض- تغطي الأطباق اللاقطة أسطح منازل المملكة وتنتشر محلات الفيديو والـ"دي في دي" في كل الأحياء والمدن، ويتهافت عليها الجميع من كافة الفئات والأعمار، فيما تخلو المملكة بأكملها من أي دار للسينما، رغم أنه لا يوجد أي قرار رسمي أو نص شرعي صريح يمنع فتح دور السينما.
جدل حول السينما بالسعودية
هناك بوادر تلوح في الأفق تشير إلى قرب افتتاح صالات سينما بالسعودية، فمنذ أكثر من سنة تتناول الصحف السعودية هذا الموضوع ضمن تحقيقاتها ومقالاتها، رغم أن هذا الموضوع كان يعد من الأمور المحرم على وسائل الإعلام الخوض فيها. وأخيرا قامت قناة الإخبارية التابعة لوزارة الإعلام والثقافة بطرح الموضوع في برنامج "آفاق ثقافية" للإذاعي والإعلامي خالد الشهوان في 23-6-2005، واستضاف فيها عددا من الإعلاميين والمهتمين بالسينما، بينهم المنتج السينمائي السعودي صالح الفوزان.
كما نشرت جريدة عكاظ في 25-8-2005 أن هناك خطة تغيير شاملة للمراكز والمؤسسات الثقافية، وأشارت إلى أن من بين ما تشتمل عليه الخطة ترخيصا لإنشاء مقرات للسينما، وأوضحت أن وزير الثقافة والإعلام إياد مدني ألمح إلى هذا خلال الأسبوع الثقافي السعودي بتونس الذي أقيم في مستهل شهر يونيو 2005، حيث أوضح أن الوزارة تسعى إلى الاستفادة من السينما التونسية بصفتها سينما محافظة تتناسب مع المجتمع السعودي وعاداته وتقاليده.
ولكن هل تنحصر مشكلة السينما في السعودية فقط في افتتاح دور سينما؟ وإذا كانت هناك أولويات أخرى لحركة الإبداع السينمائي في السعودية ومن بينها صالات العرض، والمعاهد السينمائية، والإنتاج السينمائي فأيها أولى؟.
هذا ما أجاب عنه الفوزان في برنامج آفاق ثقافية، مشيرا إلى أن علينا أولا "أن نتصالح مع مجتمعنا" فيما يتعلق بفكرة السينما، لأن لدينا أحكاما مسبقة، ترسخت في كل مكان، وعلينا أن نقول للمجتمع إننا من أكثر الشعوب متابعة للأفلام عن طريق الفيديو، نحن نشاهد ما يشاهده الآخرون في صالات العرض السينمائي في بيوتنا، ولكن الأسوأ هو أننا نشاهد ما قد شاهده الآخرون متأخرا جدا!.
حكاية السينما في المملكة
|
|
سعوديون يتابعون بث الفضائيات في أحد المقاهي
|
ترجع معرفة السعوديين بالسينما إلى ستينيات القرن الماضي، حيث كانت هناك أماكن لعرض الأفلام السينمائية ولكنها لم تكن صالات كما يتداعى إلى الذهن، بل كانت عبارة عن مساحات مفتوحة تحفها المنازل مع بعض الحواجز البسيطة ومحاطة ببعض الديكورات البسيطة، واعتمد القائمون على هذه العروض على آلة العرض السينمائي الشبيهة بجهاز السينما توغراف، وكانت مدينة جدة من أشهر المدن السعودية التي تضم مثل تلك العروض.
ولكن لم تحظ جميع العروض وصالاتها بتأييد رسمي، ولم تقدم لها وزارة الإعلام ما يكسبها الشرعية، كما كان رجال الحسبة يطاردون صالات العرض السينمائي ويعملون على إغلاقها واعتقال أصحابها؛ لذا كان القائمون على العرض السينمائي يكلفون أحد الصبية لمراقبة الطريق المؤدي إلى السينما لحماية قاعات العرض من مداهمات رجال الحسبة والتحذير عند قدومهم، كما كان القائمون على العروض يقومون بنصب أجهزتهم في منزل وإعلاء الشاشات في فناء منزل آخر استعدادا لمداهمات رجال الحسبة وعدم تمكينهم من مصادرة الأجهزة أو اكتشاف مواقعها.
وبالرغم من عدم وجود موقف مضاد لعمد الأحياء والشرطة تجاه العروض فإن الصراع دام طويلا مع رجال الحسبة الذين كانوا يحاولون منع العروض.
سطوة التجار
ويرجع الناقد الفني رجا المطيري ذلك الموقف المضاد للسينما إلى أوائل من تعاملوا مع السينما حيث كان التجار الموزعون والمنتجون يذهبون إلى مصر ويأتون بالسيئ من الأفلام، وكل تفكيرهم ينصب على الكسب المادي ولا شيء غيره، كما أن توزيع الأفلام كان يتم بطريقة فوضوية للغاية؛ إذ كان لكل موزع الحق في استجلاب ما يريد من أفلام من المصدر مباشرة، وكأنه "وكالة" بذاته، فكان كل صاحب محل فيديو يذهب إلى مصر أو إلى غيرها من البلدان المجاورة، وهناك يبدأ بالبحث عن الأفلام، وكان تركيزهم على الأفلام السطحية ذات التوجه الجنسي الغرائزي الهابط، فأصبحت السينما قرينا لكل ما هو فاسد، وباتت في ذهن المجتمع رمزا شريرا سيدمر حتما "هويته".
وتزامن ذلك مع بزوغ شمس ما يعرف بالصحوة الإسلامية في السعودية، فتم تحريم السينما، ولكن حكم التحريم جاء عاما معمما ومستهدفا كل "الوسيلة" دون الإشارة إلى استثناءات قد تكون خيرة وفاضلة، ورغم هذا صارعت هذه التجربة من أجل البقاء منذ نهاية الستينيات وإلى مطلع الثمانينيات، ولكنها لم تستطع المقاومة أكثر من ذلك أمام مواجهة المحافظين.
ولكن مع ظهور التلفزيون وأخيرا الفيديو -الذي كان نقطة الانطلاق الفعلية للسينما وللأفلام في السعودية حيث أصبح بإمكان الجميع اقتناؤه- أصبح الجميع يرتاد محلات الفيديو وضعفت رقابة رجال الحسبة.
وتكرر الشيء نفسه مع الأطباق اللاقطة فمع بداية ظهورها صدر قرار حكومي بمنعها، وتم الترويج لقرار المنع على أنه يهدف إلى المحافظة على الأخلاقيات والقيم! ولكن في الجانب المقابل نشطت السوق السوداء، وكثرت عمليات التهريب وكذلك الاستثناءات. فصار كثيرون يملكون الأطباق، وبعد عدة سنوات تم السماح من جديد ببيعها في السوق، دون الإشارة مطلقا إلى مسألة الأخلاقيات والقيم والثقافات.
ووفقا لدراسة أجريت عام 2004 لمجموعة "المستشارين العرب" Arab Advisors Group، ومقرها العاصمة الأردنية عمان فإن 89% من العائلات في السعودية يملكون أطباقا لاقطة لاستقبال القنوات الفضائية، وأن 16% من العائلات يملكون اشتراكا في القنوات التلفزيونية المدفوعة، والمقدمة من شبكات "أوربت" و"شو تايم" و"إيه آر تي"، وتقدم هذه الشبكات مجموعة من المحطات المتخصصة التي تعرض الأفلام طوال اليوم، ومنها من يقدم خدمة عرض الفيلم بحسب الطلب، إذن فمحتوى ما يتم بثه بين السينما والفضائيات واحد!.
فوبيا السينما
|
|
صورة لموقع سوق الأفلام القديم بحي المربع بالرياض
|
يرجع المطيري هذا التناقض إلى أن هناك ازدواجية في التفكير والممارسة بالمجتمع السعودي في تعامله مع السينما، ويقول: "فنحن كمجتمع نحرم السينما ونصمها بأقذع الأوصاف وأبشعها، بينما نحن -كأفراد- نشاهد الأفلام ونتابعها بحرص ولا مشكلة لدينا معها البتة"، ويشير المطيري إلى أن المجتمع تولد لديه فوبيا من لفظ السينما، فالمجتمع لديه رهاب من مجرد لفظ "سينما"، ولو أنه تعامل مع الأفلام باسم آخر غير السينما لما وجدت مشكلة أصلا.. فهم يذهبون إلى محلات الفيديو كي يستعيروا "أفلاما"، وهم يشاهدون القنوات من أجل هذه "الأفلام"، لكن حين تُطلق عليها "سينما"، عندها يبدأ الارتباك.
ويحدث الأمر ذاته مع الإخوة الملتزمين الذين يبدون الأكثر تحفظا إزاء السينما فهم في الغالب شاهدوا فيلم عمر المختار رغم أنه سينمائي، لكنهم تعاملوا معه ببساطة على أنه "فيلم" وبالتالي فهو ليس محرما كما السينما.
ويضيف: فالرعب هو من لفظ "السينما" وليس من طبيعة المادة المعروضة ولا من كينونتها الذاتية.. فالسينما حرام لأنها فقط "سينما" ولو جاءت لنا بمسمى آخر فلا أعتقد أننا سنرفضها، وأيضا صالات العرض مباحة ولا حرج فيها إلا إذا خالطها نَفَسٌ سينمائي.
السينما والخصوصية العائلية
ومن جهته يؤكد د. علي شويل القرني أستاذ الإعلام المشارك بجامعة الملك سعود ورئيس مجلس إدارة الجمعية السعودية للإعلام والاتصال، أن هذه الفوبيا غير مبررة، مشيرا إلى أن دخول السينما إلى المجتمع السعودي لن تغير من خصوصية هذا المجتمع.
ويضيف أنه بالرغم من دخول الإذاعة المجتمع السعودي فإنه لم يتغير، ودخول التلفزيون لم يغير من شخصية مجتمعنا العربي المسلم، ودخول الفيديو لم يغير من هويتنا المحافظة.. ولن يغير دخول السينما من هويتنا المحافظة، بل إنه سيرفع من مستوى الفرص الترفيهية المتاحة أمام الشباب بشكل خاص، فسيكون بمقدورهم الذهاب إلى السينما بدلا من التسكع في الأسواق، أو التفحيط في الشوارع، أو الدوران في فراغ اجتماعي.
وفيما يتعلق بالمحتوى يشير القرني إلى أنه لن تكون هناك إشكالية رقابية على مضامين الأفلام السينمائية، فوزارة الثقافة والإعلام هي الجهة المخولة بمراقبة كل هذه الأفلام، وستكون آليات مراقبة الأفلام السينمائية شبيهة بمراقبة أفلام الفيديو؛ ولهذا فلن تكون هناك انتهاكات لحياء المجتمع، وأكد أن إنشاء دور سينما في المملكة مطلب لكل شرائح وفئات المجتمع.. وستكون العائلات من الشرائح المستهدفة في هذا المجال، لأننا نلاحظ عند دخولنا إلى دور السينما في دول خارجية أن العائلة السعودية تضع حضور فيلم من أولوياتها الترفيهية؛ ولهذا ينبغي أن تكون هناك أوقات للعائلات، وأماكن مناسبة لها وفق خصوصيتنا الإسلامية عند بناء وتنظيم إنشاءات دور سينما في بلادنا.
السينما والشباب السعودي
واستطلعنا رأي عدد من الشباب السعودي عن رأيهم في السينما، يقول محمد الخيال -مدرس- إن السينما أداة ثقافية قبل أن تكون أداة ترفيهية، وإن هناك شعوبا طوعت السينما لتعكس تطلعاتها، وأعطي مثالا عن السينما في إيران، مشيرا إلى أن الأفلام الإيرانية التي تعرض في السينما هناك تظهر فيها ممثلات مرتديات لغطاء الرأس، ولا يحتوي أي منها مشاهد غير لائقة.
من جهة ثانية يرى حمدان القرشي - طالب- أن معظم الأعمال التي يرغبها الشباب موجودة بالفعل في الأسواق السعودية على أقراص "دي في دي" أو أفلامVHS. ويتساءل القرشي: "إذا كنت أستطيع مشاهدة الفيلم في البيت أو في المقهى فلماذا أحرم من متعة مشاهدته على شاشة كبيرة وبمؤثرات السينما الخاصة؟!".
بينما يرى سليمان محمد أن الاعتراض الأساسي الموجود حاليا على افتتاح صالات السينما ليس متعلقا بالمحتوى، بل سببه الخوف من الاختلاط بين النساء والرجال، مشيرا إلى أن الحل ربما يكون بإنشاء مدخلين أو التفريق بين الجنسين، وأن تبنى القاعات بمواصفات تراها الدولة وتفرض التقيد بها.
يقول محمد الهاجري- طبيب- إن قرار منع دور السينما هو قرار يحرم الكثيرين من فوائد السينما الثقافية الممكنة، فكم من فيلم بالغ الأهمية تمكن من التأثير والإسهام في التوعية في مجتمعات مختلفة، ففي مصر مثلا ساهم فيلم "أريد حلا"، في تطوير قانون الأحوال الشخصية والعمل بنظام الخلع الإسلامي.
ويدعو الهاجري إلى إزالة الريبة والقلق والشك من التعامل مع السينما، واعتبارها وسيلة تثقيف وترفيه فعالة، لو أحسن استغلالها فستمكن المجتمع السعودي من تطوير وسائل بنائه وتعليمه، وتمكنه من إيجاد وسيلة جديدة للتواصل مع نفسه ومع سائر بلاد العالم بشكل سوي.
صحفي مقيم في السعودية.
|