|
شح في الفقرات والبرامج الدينية ووفرة في الدراما الوطنية لم يرق بعضها إلى مستوى تطلعات المشاهد المغربي والحيلولة دون استمرار استهلاكه للدراما المصرية والسورية على الخصوص. تلك هي الخلاصة التي يمكن لأي متابع أن يستشفها من خريطة برامج القناتين المغربيتين ضمن شهر رمضان هذا العام.
هناك انتعاشة باعثة على التفاؤل بإنتاج وطني جيد بالقناتين، كلام تداولته الألسن بكثرة هذا العام. لكن ذلك لم يمنع من الاستفسار عما إذا كانت تلك الأطباق الإنتاجية الوطنية المتنوعة تعبر عن مدى دسامة وجودة تلك البرامج؛ خاصة أن ذاكرة المشاهد لم ترتح لإنتاجات سابقة مُرِّرَت في رمضانات ماضية، وأثارت حنقه وامتعاضه واستغرابه.
الدراما الدينية شبه غائبة
تطغى الإنتاجات العربية والدولية، على خريطة برامج القناتين التلفزيونيتين بالمغرب. وتحضر الدراما العربية وخاصة المصرية بثقلها في "دوزيم" من خلال أفلام "أمير الظلام" و"الرجل الأبيض المتوسط" و"أفريكانو" و"رحلة حب" و"صيد الحيتان" و"حسن وعزيزة"، ومسلسلات "ملوك الطوائف" و"أحلام عادية" و"للثروة حسابات أخرى" و"المرسى والبحار" و"ثلاثون مشكلة عائلية في حكايات زوج معاصر"، وكذلك الشأن بالنسبة للإنتاجات العالمية الحاضرة خاصة من خلال أعمال درامية إيرانية وهندية وفرنسية.
هذا الحضور للدراما العربية والدولية وحتى المغربية والذي تفوق نسبته 65% مقارنة مع باقي الفقرات الرمضانية بالقناتين، يتم في الوقت الذي يوجد فيه شبه غياب للبرامج والدراما الدينية على خلاف رمضانات سابقة وعلى عكس معظم القنوات العربية التي تولي اهتماما كبيرا للقضايا الدينية خلال رمضان.
والطريف أن القناة الأمازيغية أعدت عدة برامج تتلاءم وخصوصيات رمضان بلهجاتها المختلفة تناولت: "فضائل رمضان" وحديث الصائم" و"البريد الديني" و"السيرة النبوية" و"حديث الجمعة" و"حديث رمضان" و"قصص الأنبياء"، وتمثل الفقرات الدينية نحو 6% من مجموع البرامج بقناتي "إ. ت. م" و"دوزيم"، وباستثناء المسلسل السوري "فارس أبو مروان" لنجدة أنزور والذي يتم عرضه بقناة "دوزيم" في وقت غير ملائم للمشاهدة، تغيب الدراما الدينية عن القناة الأولى بشكل يثير حيرة، ويحضر القرآن الكريم فقط قبيل صلاة المغرب وفي ختام البرامج.
ويلاحظ المشاهد للقناة الثانية إعطاءها للفقرات الدينية حيزا أكبر من القناة الأولى، مثل "حسنة" طيبة تتمثل في تسجيل حصص لتجويد القرآن الكريم بأصوات المتأهلين في مسابقتها الأولى وبثها مساء كل يوم.
ويحضر المديح النبوي والسماع بقوة في برنامج "شذى الألحان" الذي تواصل "دوزيم" بثه يومي الخميس والأحد ويعرض فقرات من الموسيقى الصوفية وفقرات من مهرجان فاس للموسيقى العالمية.
الدراما التراثية حاضرة في برامج رمضان
|
|
مسلسل رمانة وبرطال
|
تمثل الدراما الوطنية حوالي 27% من حصيلة الدراما في شبكة برامج القناتين في رمضان، وهي حصيلة أثارت ردودا متباينة تراوحت بين الامتعاض والقبول على مضض، في الوقت الذي تكاد فيه الأشرطة السينمائية المغربية تغيب عن القناتين معا.
وتطل "إ. ت. م" على مشاهديها، كل إثنين بمنظار أفلام "خريف الأحلام" و"خيط الروح" و"المطاردة" و"صبر إيدونيت" الأمازيغي، ويلتقي مشاهدوها مع مسلسلات" كانوا هنا" و"أمود" و"خط الرجعة" و"سير حتى تجي" و"شانيلي تي في" ومسرحيات "الحيحة نوفو موديل" و"ما عندو سعد" و"تيزلان ووبيدار" و"المصلوح". وبالرغم من التضاعف الكمي والكيفي للإنتاج الوطني في "دوزيم"، فإنها لم تأت بجديد ملموس اللهم إلا من ثلاث مسلسلات عربية وكاميرا خفية.
وليس أبلغ للبرهنة على" الحكرة" التي تعيشها الدراما المغربية واستمرار ضعف وجودها في رمضان مقارنة مع الإنتاجات المصرية والسورية والدولية، من قول البعض أنه "من العار أن ننتظر رمضان كي نقدم أعمالا وطنية" أو التصريحات التي أدلت بها الفنانة نعيمة إلياس لـ"الأحداث المغربية" في 10-10-2005م والتي وصفت بعض إنتاجات القناتين بـ"الرداءة" و"الإفلاس".
ويلاحظ من شبكة برامج القناتين، وجود توجه نحو إنتاج الدراما التراثية بشكل لافت للانتباه، ويتجلى ذلك من خلال الاهتمام بالثقافة الأمازيغية ووجود عدد من الإنتاجات التي تستثمر الموروث الثقافي والشعبي للمغاربة من خلال الاشتغال والمراهنة على توظيف عدد من الوجوه السينمائية والفنية المعروفة من قبيل عبد الوهاب الدكالي وفاطمة تشلحيت في سيكتوم/ سلسلة "عائلة محترمة جدا" التي تبثها القناة الثانية.
هذه الإنتاجات حاولت الغوص في المخزون التراثي المغربي وإعادة الاعتبار إلى جملة من المعتقدات والطقوس الخرافية التي بقيت على مدى العصور منحصرة في مستوى التداول الشعبي. ويمكن تصنيف مسلسلي "رمانة وبرطال" و"أمود"، في هذه الخانة؛ فالأول الذي حاز على إحدى جوائز مهرجان الإذاعة والتلفزيون بتونس وتعرضه القناة الأولى في 16 حلقة، حاول استثمار قصة "حمو أونمير" الأمازيغية التي يمتزج فيها الخيال بالأسطورة.
أما سلسلة "رمانة وبرطال" التي تقدمها "دوزيم" فتشمل عددا من الحكايات الشعبية المستقاة من التراث الفلكلوري المغربي، تجمع بين أحداثها المتنوعة وحدة ربط رفيعة عبارة عن حكاية شعبية. وتلقى هذه الإنتاجات قبولا من طرف المشاهد المغربي بنسبة مشاهدة جيدة لكونها تعيد تشخيص جزء من مخزونه الثقافي ضمن قالب درامي يستجيب إلى معايير الجودة الفنية.
وأثارت باقي الإنتاجات الوطنية الجديدة منها والقديمة، ردود فعل قوية إلى حد جعل الفنان عزيز موهوب بطل مسلسل "خط الرجعة" الذي تبثه القناة الأولى، يحمل في حوار مع يومية "الأحداث" المغربية القناتين مسئوليتهما في تدني الذوق لدى المشاهد. بدليل أن القناتين معا واصلتا تقديم مجموعة من المسلسلات الفكاهية التي لا يرقى بعضها إلى مستوى التطلعات وعرضها في أوقات الذروة ما بين أذان المغرب والعشاء وهي الفترة التي تعرف أكبر نسبة من المشاهدة.
لم تلامس انشغالات المواطن
هللت القناتان كثيرا للإنتاجات الوطنية في شبكة برامج رمضان، إلا أن المتتبع للحلقات الأولى من بعضها يلمس ضعفها وابتذال أغلبها نتيجة إعادة إنتاج نفس الصور الكوميدية ونفس المشاهد ونفس الوجوه. بدليل أن أغلب المسلسلات، من الإنتاجات الدرامية المعادة والأجزاء الأولى منها سبق عرضها خلال رمضانات سابقة من بينها "أنا وإياك" و"سير حتى تجي" و"العوني".
ويتساءل المشاهد عن قدرة المؤسستين على التفاعل مع رغباته وتقديم أعمال ترقى إلى مستوى التطلعات ولا تعيد اجترار وتكرار إنتاجات سابقة، في قناتين يؤدي ثمن سيرهما من جيبه المثقوب. ونسجل نقطة حسنة لشرائط "المكروم" و"المحاين د الحسين" و"الشاوش" و"ألف شهر" و"صبر إيدونيت" التي بثتها "دوزيم"، واستطاعت إلى حد ما "استنساخ آلام مواطنين في مواقع مختلفة، دراميا".
وكذلك الشأن بالنسبة إلى فيلم "اللعب مع الذئاب" الذي لعب فيه الممثل سعيد الناصري الذي أثار اتهامه مؤخرا لصحافيين مغاربة بالارتشاء "ردود فعل قوية".
وتحدثت تعليقات الصحف المغربية عن "غياب إبداع درامي واضح يعكس انشغالات الشارع المغربي في قالب كوميدي جاد وهادف بالرغم من اشتراك أغلب الوجوه الكوميدية المعروفة مغربيا". وهو ما "أسقط معظم الإنتاجات الدرامية في طابع الملل والرتابة والروتين بالرغم من الاعتمادات المالية الضخمة التي رصدت لإنتاجها". بدليل أن أغلب هذه المسلسلات تدور حلقاتها في فضاءات مغلقة إما داخل منازل فخمة تتوفر كل متطلبات العيش "فيلات" (عائلة محترمة، العوني...) أو داخل إدارة عمومية كما الحال في"سير حتى تجي".
وتحضر المرأة في الدراما المغربية بشكل لافت بل إنها تكاد تكون المحور الرئيسي في بعض الحلقات، لكنها تبدو في أخرى إما "ساذجة" أو متسلطة أو مدللة أو زوجة خاضعة للأم لا الزوج كما في سلسلة "العوني"؛ حيث يصبح الرجل" أشبه بالغبي والبليد الخنوع"، أو راغبة في التحرر وتجاوز الأعراف والتقاليد في "عائلة محترمة جدا". وهي تبدو في "سير حتى تجي" في صورة المرأة المهملة التي تغلب حياتها الشخصية على واجبها العملي داخل الوكالة، لتصير أكثر شجاعة في سلسلة "رمانة وبرطال".
ولم تلامس الإنتاجات الدرامية الوطنية التي يطغى عليها الطابع الاجتماعي والكوميدي وتحاول بشكل محتشم تسليط الضوء على جملة من المشاكل والإحباطات المجتمعية.. الانشغالات الحقيقية للمواطن المتعطش إلى برامج تعبر عن واقعه ومعيشه اليومي بالجدية الضرورية من دون حاجة إلى ما تعتبره الصحف الوطنية في تعليقاتها اليومية بـ "الاستخفاف أو الاستبلاد". وتتحدث عن عروض تافهة لمواضيع ومشاكل اجتماعية كبرى، بل إن بعض المسلسلات وصلت إلى حد تمييع واقع الأسر وإثارة بعض القضايا الأخلاقية بشكل سخيف وباهت.
والغريب أن بعض الأفلام والمسلسلات المغربية المعروضة، تصور المجتمع كما لو كان مجتمعا راقيا تختصره فضاءات التصوير والديكورات. إنهم "يخاطبون المواطن من صالونات عالية لا علاقة بواقع المعيش اليومي خاصة مسلسلي "العوني" و"عائلة محترمة جدا". وبالرغم من أن سلسلة "سير حتى تجي" تحاول تشخيص واقع الفساد الذي تعرفه وكالة لمنح الرخص في قالب كوميدي فإنه جاء بطريقة سمجة تثير تقزز المشاهد أحيانا.
صحفي وناقد فني مغربي.
|