|
كما هو الحال في كل رمضان، تمتلئ الشاشات العربية بباقة من الأعمال الدرامية التاريخية التي تتعرض لقضايا وفترات تاريخية عربية وإسلامية تحمل لنا الكثير مما حفظناه؛ لكن المعالجة الدرامية للتاريخ جاءت بصور متعددة ومختلفة في بعض الأحيان عن سياق القصة التاريخية.
فمع متابعة الجمهور للحلقات الأولى من أي عمل تاريخي تبدأ عمليات الاستحضار الفكري، والمناقشة الفردية، والجماعية بين ما يعرفه ويحفظه وما يقدم له على شكل وجبة فنية درامية حية، ومبهرة أحيانا، محاولا بشكل ميكانيكي إسقاط معرفته على ما يشاهد من أحداث وشخصيات دينية وتاريخية حية مجسمة.
عند تلك النقطة تتحول معرفة "الحدث التاريخي" على اختلافها إلى مشاركة لأحداث العمل الفني وآرائه وأفكاره، والتي قد تصل إلى حد الاختلاف والانقطاع عن المشاهدة في حدود قصوى، وغالبا ما تظهر رؤى أخرى أكثر نضجا، يبنى عليها إيضاح نقاط جد خلافية لتتولد حولها وجهات نظرة جديدة.
هذه الدراما التي تعتبر بمثابة وجبة دسمة لغالبية الجماهير العربية تخلق إشكالية التعامل مع التاريخ ذاته التي يمكن تلخيصها بسؤالين: أي رواية تاريخية نتبنى؟ وأي مصدر تاريخي نعتمد؟ وهذا الأمر الحاسم هو الذي يحدد مصداقية أي عمل درامي يتناول التاريخ وأحداثه.
ارتباط وثيق
|
|
الناقد الفني بشار إبراهيم
|
بداية يمكننا إطلاق رأي مفاده أن هناك ارتباطا وثيقا بين الدراما التاريخية ورمضان، من حيث الظهور النوعي والكمي لتلك الأعمال، أو من حيث متابعة الجماهير العربية لها.
ويبدو أن السر وراء متابعة الجماهير للدراما التاريخية يرجع إلى الرغبة في استعادة لحظة تاريخية ومشاهدتها مجسدة بشخوصها المفترضين وأصواتهم، فما نعرفه ويوثر علينا يجعلنا متلهفين لمشاهدته حيا أمامنا، على اعتبار أن ماضينا أنتج واقعنا، في ضوء غياب شبه شامل لأعمال تطرح فعليا ما تعيشه بلداننا من قضايا شائكة سواء أكانت سياسية أم اجتماعية أم اقتصادية.
يساعد على ذلك الشغف طبيعة الأعمال فنيا: إخراجا وتصويرا وإضاءة وأماكن تصوير وكومبارس وعناصر إبهار أخرى، إضافة إلى الدقة في اختيار أبطال الأعمال وشخوصها؛ فهو اختيار دقيق ويناسب الصور الشخصية المطبوعة في الذهن بنية جسدية، وحضورا وصوتا، إلى آخر مواصفات الشخصيات التاريخية المفترضة؛ الأمر الذي يشعر المشاهد أنه فعلا أمام صفحة تاريخية تتجلى بكل تفاصيلها أمام عينيه.
وما يميز الأعمال هذا العام هو أن بعضها يمثل تكملة لأعمال تاريخية عرضت في رمضان الفائت وغيره أي أنها تشكل سلسلة تاريخية متكاملة، كما يظهر أن بعضها تناول فترات تاريخية كانت تعاني الغياب على شاشة السينما والتلفاز معا، إضافة إلى وجود اهتمام واضح بالتاريخ الإسلامي في الأندلس وتاريخ المغرب العربي بعد أن كان الاهتمام يقتصر على تاريخ الشرق العربي دون تماس واضح ومباشر لقضايا المغرب العربي.
جدل اليوم كسابقه
|
|
مسلسل المرابطون
|
قطار العرض الرمضاني الذي شارف على النهاية أظهر لنا أعمالا متميزة من الدراما التاريخية السورية والأردنية اللتين حاولتا مواصلة قراءة التاريخ في أكثر من فترة زمنية، فظهر على جدول المسلسلات السورية "الظاهر بيبرس" و"ملوك الطوائف". كما قدمت الدراما الأردنية "المرابطون والأندلس"، و"آخر أيام اليمامة"، وهي أعمال اصطحبت معها جدلا ونقاشا كما هو حال أعمال "الحجاج"، و"ربيع قرطبة" و"عمرو بن العاص" (عرضت في رمضان الفائت) رغم وجود تراجع نسبي في عدد الأعمال الدرامية التاريخية هذا العام.
وبرأي الناقد الفني الفلسطيني -المقيم بسوريا- بشار إبراهيم فإن الحديث عن "الدراما التاريخية"، هو حديث شائك، متشعّب، تماما، يرتبط بشكل كبير بموضوع تناول "التاريخ" ذاته، والموقف منه، سواء لناحية التدقيق في وقائعه، وأحداثه، وشخصياته، أو لناحية زاوية النظر إلى كل ذلك.
وهنا نلاحظ أن الخلاف يبدأ من العمل وموضوعه والمشاهد العادي البسيط الذي يقبض على معرفة، حقيقية أو مشوهة، لكنه يملكها، ويعتز بها، ويعتبرها حقيقية وتمس قناعاته أحيانا، إلى خلافات على تاريخ الدولة الواحدة بين رؤى مخرجين وكتاب ونصوص مؤرخين، إلى خلافات بين تاريخ دولة عربية وأخرى، كما هو حاصل الآن في مسلسل "ملوك الطوائف"، وقد يصل إلى خلاف بين دولة عربية وأخرى غير عربية كما هو الحال ما بين سوريا وتركيا، حيث تعتبر دراماها التاريخية عائقا أفسد العلاقات العربية التركية.
استنهاض أم توثيق؟
|
|
من مسلسل ربيع قرطبة
|
مسلسل الخلاف حول هذه الأعمال يطول ولن يقصر؛ حيث يرفض غالبية المخرجين تقديم أعمال وثائقية، بل يصرون على العمل على إعادة الصياغة بشكل يناسب الدراما التلفزيونية، على اعتبار أن لهم الحق في تغيير بعض التفاصيل لتناسب سياق العمل دون الإساءة للشخصيات الأساسية، وعلى اعتبار أن هذه الإعادة هي التي تجعل من الدراما التاريخية مختلفة عن التاريخ المحض.
وبهذا يُنطلق من زاوية تؤكد أنه ليس هدف هذه الأعمال خلق متعة وقتية لدى المشاهد، بل نقل تجربة إنسانية إلى شعوب ترى أن تاريخها يعاد في واقعها.
وبرأي الكاتب الأردني وليد سيف فإن العمل التاريخي هو "ربط عملي بين الذائقة الجمالية وأسئلة الواقع متجاوزا المكان والزمان، لتصبح طرق التناول مختلفة باختلاف المرجعيات، شريطة إتقان فن البحث والتدقيق". وهذا هو الذي يؤسس إلى وجوب مخاطبة العمل الدرامي للواقع، على أن تكون عملية المخاطبة أو الإسقاط مكتملة في وعي المشاهد بحيث لا يكون إسقاطا تعسفيا فجا.
الطرف الآخر، وعلى النقيض، يرفض فكرة تحوير الكاتب للتاريخ ويصر على ضرورة التزام الكاتب تماما بوقائعه، مشترطا في الكاتب أن يكون مؤرخا بنسبة ما في بداية عمله، وقادرا على الدفاع عن صحة معلوماته، على اعتبار أن من يغير في التاريخ يتحول لهادم لعمله الدرامي تماما.
لكن هناك طرفا آخر يرى أن هناك مساحة لوجهة نظر الكاتب، لا يمكن حرمانه منها، وفي تعاطيهم مع ذلك يشترطون ألا تخل هذه المساحة بحقيقة الأحداث التاريخية، فهي مساحة تقتصر على إعادة ما حدث إلى الحياة بإضافة حوارات وشخصيات خيالية، على أن تكون منضبطة في الإطار التاريخي.
ويرى بشار إبراهيم أن الدراما التاريخية لا تقتصر على إعادة تأويل واستنهاض، وتوثيق ووفاء لوقائع تاريخية معا وحسب، بل يمكن للمرء أن يرى وجوها أخرى لها ولمُضمراتها، فمنها ما يأتي على هيئة "توسّل لاستعادة التاريخ"، ومنها ما يأتي على هيئة "السعي للتخلّص من التاريخ" أيضا.
"السورية" وشرطا النجاح
ويلحظ المراقب تفوقا اكتسبته الدراما التاريخية السورية عن باقي الدول العربية، وتحديدا المنافسة كمصر والأردن، فهي الأولى في مبادرتها، والأفضل والأغزر في إنتاجها. ولعل من أسباب النجاح برأي الناقد إبراهيم أنها حققت شرطين مهمين، شكلا ومضمونا في تعاملها مع التاريخ، ووقائعه، وشخصياته.
فعلى المستوى الشكلي فقد تخلَّصت من حالة الفقر المدقع في المشهد البصري؛ الأمر الذي تميزت فيه الدراما التاريخية المصرية، من قبل. والدراما الخليجية الأولى (أنتجت بالتعاون فيما بين أستوديوهات خليجية، وأخرى أردنية، وشاعت في الثمانينيات).
وفي الشكل الفني، فقد اهتمت الدراما السورية بالتفاصيل الحقيقية، أو المقاربة للحقيقة، إلى حدّ المطابقة، وكفَّت عن الإيهام البسيط، ليس فقط على المكياجات العجيبة، المثيرة للضحك، الموجودة في الدرامات العربية من قبل، من طراز اللحى الملتصقة، بشكل مفضوح جدا، على وجوه الممثلين، أو محاولات التنميط الشكلي البائس، للدلالة على المؤمن والكافر، والطيب والشرير. وكذلك ليس فقط على مستوى الأماكن المنغلقة، والديكورات الفقيرة؛ فالدراما السورية أتقنت فن الديكور، تماما، وتمكَّنت من إعادة إنتاج المكان، بشكل بالغ البراعة، كما نجحت في مسألة الماكياج، والملابس والأزياء، والإكسسوارات، والتمثيل.
أما على المستوى المضموني فإن غالبية أعمال الدراما التاريخية السورية، انتهجت خطا جديدا يقوم على "تعشيق" الروايات التاريخية المتعددة، في محاولة قراءة الوقائع، وبناء الأحداث، ورسم الشخصيات، من جوانبها المتكاملة، على تنافرها، وبدا هذا واضحا مثلا في تناول شخصية "الزير سالم"، للكاتب ممدوح عدوان الذي لم يخضع لرواية واحدة، كذلك الأمر فيما يتعلق بشخصيات من التاريخ الإسلامي، من طراز شخصيات "الحجاج بن يوسف الثقفي"، أو "عبد الرحمن الداخل"، الملقب بـ"صقر قريش"، حيث استخدم الكاتب مبادئ علم النفس، فضلا عن سياقات الوقائع والأحداث التاريخية، والافتراضات الذهنية والنفسية، في التعامل مع شخصية مميزة، ذات دور حاسم في التاريخ الإسلامي، وتمتلك في الوقت نفسه القدرة العالية على إثارة النقاش حولها، سواء بما لها، أم بما يمكن أن يُؤخذ عليها.
الجديد في الدراما التاريخية السورية أنها تخلَّصت من هذه الحال، وذهبت إلى قراءات أكثر منطقية، وأكثر قدرة على الإقناع، شكلا وموضوعا، وبالتالي فلم تعمد إلى تنصيب نفسها في موقع من يطلق الأحكام على هذه الشخصيات، ويحاكمها، بل في موقع من يحاول قراءتها، في سياق الشروط التاريخية، السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والنفسية والذهنية.
ويضاف إلى ذلك تفوقها بكونها المبادرة في هذا التناول، وإنجازها معارك وفترات تاريخية مهمة لدى العالم العربي والإسلامي، واستخدام اللغة الفصحى، وممثلين من جنسيات عربية مختلفة بحسب أماكن الحدث التاريخي، وهذا عمل على ترسيخ شعار "دراما سورية بآفاق عربية عالمية".
وقد استطاعت تلك الدراما فتح الأبواب على الكثير من المسكوت عنه في تاريخنا، وتناولت العديد من الوقائع، والأحداث، والشخصيات، الإشكالية؛ وهذا ترميم جديد للمكتوب وغير المرئي من تاريخنا القلق.
ناقد فني ومحرر في النطاق الثقافي والفني في شبكة إسلام اون لاين.
|