English

 

الاثنين. نوفمبر. 28, 2005

ثقافة وفن » سينما ومسرح

 
   
روابط من إسلام أون لاين

"حكايا من الواد".. تشوه الجزائري

أسامة إفراج

بوستر الفيلم الدعائي
كثيرة هي الأسباب التي دفعت الجزائريين إلى التشكيك بداية بفيلم "حكايا من الواد"، منها حرص المنظمين غداة عرضه على عدم حضور الصحافة الوطنية الجزائرية لعرض الافتتاح، وسط حضور رسمي جزائري كبير من وزراء وسفراء ورجال ثقافة، إضافة إلى ممثلين عن شركة "غومونت" الفرنسية منتجة الفيلم، والعائدة بقوة إلى السوق الفنية الجزائرية.

فالفيلم الذي تكلف إنتاجه 5 ملايين يورو، وحمل توقيع المخرج الشاب جمال بن صالح تأليفا وإخراجا، بدا بنظرة سريعة إلى قصته عاديا، فهو لم يخرج عن المألوف في شيء، كما أنه ليس أول فيلم تنتجه جهات فرنسية ليتم عرضه بالجزائر وتقديمه على أنه إنتاج جزائري بدعم حكومي سخي أغضب الجماهير الجزائرية وأزعجها رغم أنه وفي جزء منه قدم صورة لحلم شباب فرنسي يرغبون في أن يكونوا عربا ومسلمين.

فبعد المتابعة الدقيقة والعميقة من الجماهير الجزائرية ظهرت الأسباب التي حملت أكثر مما توقعوا؛ فالفيلم امتدح طرفا (الشاب الفرنسي من أصل جزائري)، وقدم طرفا آخر بصورة إيجابية (اليهودي الجزائري)، ونال من طرف ثالث (شخصية الجزائري المسلم).

ذلك وغيره كثير في تفاصيل هذا العمل الفني أثار ضجة إعلامية واسعة حول: من أنتج الشريط؟ ومن صوره؟ ومن مثّل فيه؟ ومن هيأ له استقبال الأبطال في الجزائر التي ظلم أهلها؟.

تشريح الفيلم

ينطلق الفيلم من العاصمة الجزائرية، بزمان من صيف 1988، قبيل أحداث الخامس من أكتوبر، شاب فرنسي من أصول جزائرية يدعى "جوني" ويدعو نفسه "عبد البشير" يرغب في القدوم إلى الجزائر للبحث عن قرية والده، يتحدث عن رمضان وعن الصيام ويلبس قميص الفريق الجزائري لكرة القدم تارة، وجبّة تارة أخرى.

قرر الشاب الفرنسي السفر خفية إلى الجزائر مع عائلة صديقه "ياسين" -الذي يقبل مكرها مرافقة أبيه- في زيارتهم للوطن خوفا من أحد مروجي المخدرات، الذي يعاني من هوس الإعجاب بالحياة الفرنسية. فيما يجد أمامه صديقه الفرنسي "عبد البشير" (جوني) سعيدا بكونه في الجزائر وينجح دوما حيث يفشل "ياسين"، هذا الأخير الذي يريد والده تزويجه فتاة لا يعرفها، بينما يهيم هو في حب فتاة قابلها على متن الباخرة ثم في العاصمة، فيقرر الهروب إلى أسبانيا.

أما "عبد البشير" فيجد صدفة قريته التي طالما بحث عنها، وبالتالي أصوله، ويتزوج في الجزائر ويستقر بها محققا حلمه في العودة إلى موطن والده.

الفيلم يعد ثالث عمل سينمائي طويل يخرجه "جمال بن صالح" الذي يبلغ من العمر 29 سنة، وغداة مطالعتنا لاسم المخرج يتبادر إلى الذهن فكرتان أولهما: أن المخرج شاب في صدد اكتساب الخبرة؛ وهو ما يعطينا فكرة مسبقة عن السقف الذي يمكن أن يبلغه مستواه. أما الفكرة الثانية فهي الربط بين اسم عائلة المخرج جمال بن صالح واسم عائلة ثالث رجل في الدولة الجزائرية "عبد القادر بن صالح"، رئيس مجلس الأمة الجزائري.

ولعل أهم الإيجابيات التي نلمسها في هذا الفيلم هي تفادي الحديث عن جزائر الحرب والإرهاب وحالة الطوارئ؛ إذ استطاع المخرج وكاتب السيناريو بن صالح أن يعطي صورة لمجتمع يحب الحرية ويعيش بسلام، حيث تدور أحداثه في صيف 1988.

ومن جهة أخرى، يلاحظ المشاهد كم الأخطاء الموجودة في الفيلم، وهي أخطاء تجعل المرء يدرك أنه لم يُبْذل جهد يذكر في كتابة السيناريو، ومن ثم في تصويره، خاصة عندما يعود المخرج بالمشاهد 17 سنة إلى الوراء، فتصبح دقائق الأمور جد مهمة؛ فهي التي تمنح إحساسا بالعودة الفعلية إلى تلك الحقبة. ومن هذه الإخفاقات: اختيار موسيقى الفيلم التي لم تأت لتناسب فترة الثمانينيات، إضافة إلى قفزات في مشاهد الفيلم، وأماكن تصويره دون أدنى مبرر منطقي أو ربط يقبله العقل، إضافة إلى أخطاء إخراجية وتصويرية أخرى لا مجال للخوض فيها.

يضاف إلى ذلك غياب الحبكة في السيناريو، وإهمال التفاصيل التي ترفع من قيمة أي عمل أو تنزلها إلى الحضيض، وربما يعود هذا للمدة التي تم فيها كتابة السيناريو.

فبحسب تصريحات مخرجه، فإن الفيلم لم يستغرق كتابة السيناريو له وإنتاجه أشهرا معدودة، ويمكن للمشاهد دون عناء ملاحظة السرعة التي صوّر بها، والتي صارت تسرعا إذا ما ربطناها بالأخطاء العديدة التي وردت في هذا العمل السينمائي.

تشويه للجزائري

أحد مشاهد الفيلم الذي أثار غضب الجزائريين 

غريبة هي الطريقة التي صوّر بها المخرج "بن صالح" الفرد الجزائري؛ فمشاهد الفيلم يحتار غداة مشاهدته للفيلم في شخصية الجزائري، فقد قدمت بين صفة الإنسان المتوحش والأبله في أحيان أخرى، والتي تصل إلى حد الإحساس أن الفرد الجزائري لا يزال يعيش في فترة ما قبل التاريخ.

فكثيرة المشاهد التي تعطي ذلك الانطباع؛ بدءا من مشهد صعود المسافرين بسياراتهم في الباخرة العائدة إلى الجزائر، والصراخ والحركات القوية والسباب وغير ذلك من الأمور التي بدت المبالغة فيها واضحة وجلية لدرجة مقززة.

ثم يأتي مشهد الاتصال الهاتفي الذي يجريه "ياسين" بفرنسا، وكيف أن الجزائريين متأخرون وكأنهم لا يعرفون ما هو الهاتف، وبعده مشهد المقهى حين يبدأ "القهوجي" بالصراخ في وجه زبائنه دون سبب؛ حيث يظهر في صفة "البليد والساقط" في ذات الوقت.

أما مشهد زيارة الأقارب في الصحراء فحدث ولا حرج؛ إذ ظهر سكان الصحراء المعروفون بقيمهم النبيلة وثقافتهم الرفيعة وكأنهم من سكان الكهوف، أو متوحشي العصور الوسطى، وتم التركيز بإسفاف على أسنانهم التي تم طلاؤها لتظهر مقرفة للعيان.

توظيف الدين.. والمشهد الأخير

كثير من الأخطاء يمكن أن يغفرها المشاهد لأي مخرج كان، ولكن ملاحظات أخرى أكثر خطورة، كونها تتعلق بالدين الإسلامي، ومن هذه الملاحظات الاسم المختار لشخصية "جوني لوكليرك" بطل الفيلم الفرنسي وهو "عبد البشير"؛ والقصة هنا أنه ربط بتعليقات ساخرة كثيرة، مثل "بشير.. ما هذا الاسم؟ أنا لم أسمع به من قبل..." أو "هذا الاسم أحمق، ثم إنه غير موجود البتة"، وغير ذلك مما تضمنه الحوار.

ومن جهة أخرى، نجد توظيف الدين في الحوار من أجل الإشهار؛ حيث يبدأ "عبد البشير" في نصح الشيخ المتشرد الذي دله على قبر أبيه حين وجد قريته صدفة، ويقول له إذ وجده يشرب "الجعة" (نوع من المسكرات): "هذا ليس جيدا يا شيخ، ثم إن الخمر حرام"، ليفاجأ المشاهد بصورة مكبرة لقارورة "جعة"، فيجيب المتشرد: "ولكن جعة كذا... أمر مختلف..."، وكان من الأجدر بالكاتب أن يجد حجة أخرى يربط بها هذه الومضة الإشهارية بالسيناريو عدا الحرام والحلال، وهذه أمثلة تغني عن الحديث عن المشاهد الإباحية في الفيلم المحسوب على أنه جزائري.

بعد كل ما سبق ذكره، بقي الفيلم يحظى بفرصة ما قد تنجيه من النقد، وقد تترك الباب مفتوحا أمام المشاهد لكي يعجب به، ولكن المشهد الذي جاء في أواخر الفيلم كان مفاجئا للجميع: ففي العرس الذي يقام آخر الفيلم يلقى الابن الأصغر في العائلة الجزائرية المغتربة رجلا يلبس لباسا يهوديا، ويسأل شيخا أمامه "من هذا الرجل؟" فيجيبه "هو رجل يهودي"، فيتعجب الطفل "وهل دعوتم يهوديا للعرس...؟" ويتواصل الحوار إلى أن يقول الشيخ: "كان جدي يقول: إن مجتمعا بلا يهود هو مثل محاكمة دون شهود...".

فهذا المشهد ومقدار الإساءة وطبيعة الصورة التي سيقت بها الشخصية الجزائرية جعلت غضبا عاما يسود المشاهدين عبّر عنه في الصحافة الجزائرية، في ضوء وجود عوامل تاريخية لها علاقة بالجزائر أولا، والقضية الفلسطينية، تجعل المشاهد يستنكر، بل يرفض فيلما كاملا جاء محملا بالأخطاء والهفوات.

خلفية سياسية

أحد شخصيات الفيلم 

في حالة هذا الفيلم هناك ما يشي بأن خلفية سياسية وربما اقتصادية تقف خلفه، فكان توقيت عرض الفيلم، واحتفاء الجهات الرسمية به، وثقل الشخصيات التي حضرت العرض الافتتاحي عوامل اجتمعت لتلفت الأنظار إلى الخلفيات السياسية.

فهو يأتي قبيل التوقيع على معاهدة الصداقة بين الجزائر وفرنسا، وبُعيد التصعيد الذي عرفته هذه العلاقات إثر القانون الفرنسي الممجد للاستعمار والذي قوبل برد جزائري عنيف، وأعاد تسليط الأضواء على قضايا من يسمون بـ"الحركة" (أي عملاء فرنسا ومسألة عودتهم إلى الوطن)، إلى جانب من يسمون "الأقدام السوداء" (وهم المعمرون الذين غادروا الجزائر مع استقلالها).

ورغم ذلك تبقى علامات التعجب والاستفهام على تصرف كهذا: هل هي محاباة لمخرج من عائلة رجل دولة؟ أم أنه افتخار بعمل أريد له أن يمثل الجزائر وأخرجه شاب يجهل الكثير عنها؟ وهل كان المشهد عن اليهود خطوة عمدية في طريق التطبيع برضا من الحكومة، أم أنه كان خطأ من أخطاء المخرج العديدة التي لا يغفر له تقديمه في جانب آخر في الفيلم شباب فرنسي يعشق التقاليد والحياة الإسلامية، ويريد البقاء والعيش في بلد والده وقريته الصغيرة؟.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم