English

 

الثلاثاء. ديسمبر. 13, 2005

ثقافة وفن » سينما ومسرح

 

"ليلة سقوط بغداد".. عندما تبدع الكوميديا

سعيد أبو معلا

أحمد عيد في لقطة من الفيلم
أحمد عيد في لقطة من الفيلم
اختلفت المشاعر وتبدلت قبل وبعد عرض فيلم "ليلة سقوط بغداد" في ختام أيام مهرجان القاهرة السينمائي الدولي التاسع والعشرين؛ فقبل العرض كان غالبية المتواجدين في القاعة منتظرين وواضعين أيديهم على قلوبهم متخوفين من أن يكون واحدا من تلك الأفلام الكوميدية التي تبسّط أكثر مما تعالج، وتسف أكثر مما تتعمق.

لكن التصفيق الحار كان من نصيب الفيلم بعد العرض في صورة أكدت أن الكوميديا يمكن أن تبدع بمعالجتها لقضايا جوهرية وعلى يد مخرج شاب، هذه المرة جمع في عمله ما بين الموضوع الجيد والمعالجة الراقية والإخراج المميز لسيناريو متقن، ليخرج للنور عمل كوميدي يجذب الجمهور ويشد انتباهه ويضيف إليه.

العراق والإسقاط العربي

الفيلم بطبيعة الحال لا يناقش القضية العراقية وحدها، وإن كان لها نصيب الأسد في ذلك، وللدقة أكثر، فإن الفيلم "استثمر" احتلال العراق وقضيته التي تعد شغلا شاغلا للعرب والمسلمين ليخرج بشكل كوميدي مميز، عبر وضع العربة (واقع الدول العربية الضعيف عسكريا) على حصان الواقع (حالة القوة والظلم الأمريكية).

فالفيلم بأحداثه في أحد أحياء القاهرة يتعداها ليخاطب الدول العربية جميعا، شعوبا وحكومات، طارحا السؤال الجوهري الذي يعد معادلا موضوعيا لسؤال: من بعد العراق؟، وهو: ماذا لو حدث لدولة عربية ما حدث للعراق؟ وبمعنى آخر: كيف تدافع عن نفسك؟.

هذا السؤال الذي لا يعد ترفا في الأسئلة على مستوى الشعوب العربية، وإن كان بالنسبة لحكوماتها كذلك. وبرفقة الجرأة في المعالجة، ودقة الطرح الذي لامس أفئدة الجماهير وعقولها استحق الفيلم استحسان النقاد والمشاهدين وإعجابهما باستثناء الرقابة الرسمية التي ما زالت تمتنع عن عرضه وتترقب بمقصها لحذف بعض مشاهده.

"الفيلم القضية"، إن جاز لنا التعبير، "ليلة سقوط بغداد" من تأليف وإخراج "محمد أمين" صاحب فيلم "فيلم ثقافي" والذي راهن بفيلميه على مجموعة من الشباب لإنجاحهما، حيث يقوم ببطولته النجم حسن حسني (بدور الناظر) والشابان أحمد عيد (بدور طارق الذكي) وبسمة، إضافة إلى هالة فاخر ونبيل الهجرسي ولطفي لبيب، وأنتجته الممثلة إسعاد يونس بتكلفة 5 ملايين جنيه.

"المارينز" في القاهرة

تدور أحداث الفيلم حول الخوف الذي يسيطر على أسرة مصرية من المستقبل الذي قد يوقعهم فيما يعيش فيه الشعب العراقي بشكل مزجت فيه السياسة بالكوميديا السوداء.

فيبدأ من مشهد أسرة مصرية على مائدة الطعام ليأتي خبر الهجوم على العراق مغيرا لمجرى حياتها؛ فالأب ناظر المدرسة وطني وغيور ومتخوف على مستقبل مصر، وابنه وابنته طالبان جامعيان مشاركان في المظاهرات ضد الحرب على العراق. لتلاحق الأب كوابيس القوات الأمريكية التي يراها تحتل مصر وعلى باب بيته.

شبح القوات الأمريكية يطارده في حالة صحوة أيضا، ففي مدرسته يخيل له أن العلم المصري الذي يرفع على المدرسة هو علم أمريكي وأن التلاميذ جنود أمريكيون يصطفون للعلم. هذه الكوابيس التي تشكل حالة أرق بدورها للشاب طارق الذكي الذي يلتجئ إلى تعاطي الحشيشة والكيف هربا من بطالته الدائمة بعد تخرجه رغم تفوقه.

يقوم الناظر بالبحث عن طالبه النجيب ليخترع له سلاح ردع يرد أي هجوم محتمل على مصر، وفعلا يستجيب طارق لفكرة الناظر الذي يقدم له شقة ومكانا للعمل على تطوير السلاح المطلوب. وأمام الصعوبات التي تواجه طارق يحاول الناظر جاهدا أن يوفر له كل ما يلزمه في سبيل تحقيق حلمه ليكتشف أن كل الكتب التي يطالعها للحصول على الاختراع قد تجاوزها العالم بسنوات.

غير أن الكوابيس التي يعاني منها الناظر تتسرب إلى رأس طارق الشاب، الذي يعد نموذجا للشباب العربي، والذي يحلم بأنه يضاجع وزيرة الخارجية الأمريكية التي تلاحقه على التلفاز بأوامرها وتحذيراتها للدول العربية.

وأمام ضعف طارق وعدم مقدرته على اختراع السلاح يحاول الناظر مساعدته فيزوده بنفسه بالحشيشة، ويزوجه من ابنته سعيا لإنقاذ مصر وكي "يتحقق عاطفيا" حتى لا يستهلك تفكيره بامرأة لا وجود لها.

بعد الزواج يصاب طارق بعجز جنسي مؤقت (وهي حالة عامة تصيب سكان الحي) نتيجة الإحباطات السياسية العامة وما يراه باستمرار في الصحف وشاشات التلفزيون، لتخطر لزوجته فكرة ارتداء زي مجندة أمريكية تقدم نفسها له. فيتغير الوضع ليس بينهما فقط، بل بالنسبة للناظر وزوجته وكل ساكني البناية الذين يكتشفون اللعبة وينفذونها انتقاما من الأمريكيين ومن عجزهم.

تتأخر نتائج الأبحاث التي يجريها المخترع الصغير مع تصاعد العدوان على العراق وزيادة التهديدات لدول عربية لتتضاعف كوابيس الناظر أكثر فيلجأ إلى إقامة معسكر تدريب لعائلته على استخدام السلاح وما يلبث أهل الحي أن يشاركوه ذلك.

غداتها يكتشف طارق فكرة سلاح الردع الجديد المتمثل بشبكة حماية إلكترونية يمكن أن تسقط أي جسم يقترب منها، لتكون المفارقة أن الاستخبارات الأمريكية وبجميع طواقمها تتجسس على طارق الذي يصبح مطلوبا "للعدالة الأمريكية".

وأمام محاولات ضباط الاستخبارات شراء الاختراع يرفض طارق القيام بذلك لتتصاعد وتيرة الفيلم بتصاعد التهديدات الأمريكية وفشل المشروع في أول تجاربه. وبعد نجاح المشروع مخبريا تستمر المشكلة في عدم إيجاد أي جهة لتصنيع الجهاز.

وبطلب من الأمريكيين الذين لاحقوا المخترع والناظر يتم إدخالهما مستشفى المجانين، وتستمر كوابيس الناظر الذي يتخيل هجوم الجيش الأمريكي على القاهرة التي تشتعل ليحاول سكان الحي التصدي له بسلاح الردع الذي يتمكن من اعتراض الصواريخ الأمريكية ليحتفل الجميع بهذا النصر وسط سؤال: ماذا لو لم يكن سلاح ردع؟.

خيال وسخرية سوداء

صور من سجن أبو غريب أعاد طرحها الفيلم 

اعتمد الفيلم في جزء كبير من بنيته على فكرة من الخيال العلمي تتمثل في اختراع الشاب طارق لشبكة دفاع إلكترونية، وهي فكرة قدمت ليس على الطريقة الأمريكية بل بطريقة ساخرة من الدول العربية أولا والبطل المخترع الشاب والناظر المتخوف على المستقبل ثانيا.

فطرح قضية الخيال العلمي رافقه المعالجة الكوميدية والتي تخللها موضوعات جوهرية تعاني منها الدول العربية كمشاكل البطالة، والقمع الجنسي وطبيعة التفكير الشعبي العربي، وطبيعة التعامل مع المبدعين والمخترعين.

وحتى السؤال الرئيس المتمثل بمن هي الدولة التالية؟ والذي كان محركا للفيلم ومعيدا لإدارة عجلته كلما اقتربت من التوقف لتكون مصر هي المستهدفة في أحلام الناظر ليراها المشاهد العربي على أنها دولته التي يعيش فيها.

كما أن رغبة الناظر الحقيقة في اختراع السلاح الجديد حملت كمًّا من السخرية ذاتها ضاعفها فهم الشاب لحقيقة إنجاز مثل هذا الاختراع، ومع ذلك استمر فيه، فالاختراع هو حلم لناظر يريده كما يطمح به كل مواطن عربي ولكن تحقيقه لا يكون بمجموعة كتب وشقة ومليون جنيه، ومع تلك المفارقة المستحيلة رغب المخرج في أن تستمر دراما العمل لتضعنا أمام أنفسنا أكثر وطبيعة جهودنا لتغيير واقعنا كي نصبح أكثر قوة عبر الضحك ذاته.

رمزية الجنس

الكوميديا التي حفل بها الفيلم لم تكن مفتعلة بل جاءت بفعل اعتماد كبير على الرمز والمفارقات الكثيرة التي حملها مضمونه. وأحد أهم الرموز التي استخدمها، وقد يعيب البعض ذلك، الرمز الجنسي، وقد جاء استخدامه قويا وفي محله بعيدا عن الابتذال، إلا في بعض اللقطات، فاحتلال عاصمة عربية هو فعل معادل لاغتصاب أمة كاملة.

وأمام الأخبار التي تنشر مؤكدة على حالات الاغتصاب الحقيقية وشركات الدعارة والتجريد من الملابس والتعذيب والسادية في العراق كانت كوابيس الناظر تتوالي عن ذات المضمون بحق أسرته.

البداية تظهر في الضعف الجنسي الذي يصيب المواطنين وأبطال العمل بعد احتلال العراق، وهو بفعل حالة اليأس والإحباط، وهو مؤشر نفي الرجولة العربية بالصمت المطبق الذي خيم على جريمة الاحتلال. كما أظهر أن الشخص الذي لا يمكنه ممارسة الجنس مع زوجته هو الوطني والمنتمي على اعتبار أن هذا التحول عائدا للتأثر بحجم الجريمة.

وبينما كان يظهر الشاب طارق في صورة من يلجأ إلى إشباع غرائزه بمجلة جنسية، يحدث التحول معه نتيجة حقده على السياسة الأمريكية ليحلم ممارسا غرائزه مع (كونداليزا رايس) كنوع من الانتقام للشرف العربي المنتهك.

وغداة زواج طارق من ابنة الناظر كجزء من "تحقيق ذاته عاطفيا" يكتشف نفسه عاجز جنسيا، فهو يسكن الشقة التي حولها الناظر إلى معرض لصور الجرائم الأمريكية، وبمجرد رؤيته لتلك الصور ينسى نفسه ويفكر في هدفه، ليكون الحل أمام عجزه باللعبة التي اخترعتها زوجته حيث تلبس له لباس مجندة أمريكية وتقدم نفسها له ليقوم بفعل الانتقام ذاته.

هذا الفعل الرمزي الذي مكن جميع سكان الحي من ممارسة الجنس مع زوجاتهم بعد أن يرتدين لباس "المارينز" كان بمثابة تحقيق فعل اختراق العدو الذي يخاف الجميع منه ويحسب له ألف حساب، وهذا اختراق في رمزيته حقق لهم نصرا معنويا لرمز يكرهونه.

وينطبق هذا على غير مشهد في الفيلم وهو عمل مليء بالتفاصيل التي يمكن التوقف عندها والتي ضاعفت من واقعيته كتقديمه ما حدث في سجن أبو غريب كصور وما كان يدور في كوابيس الناظر كمشاهد متقنة ومخيفة، وهذا ضاعف من واقعية وقوة الإسقاط الجنسي في مشاهده.

السؤال والشعار

الشاب الذكي طارق بطل الفيلم 

لم يتوقف الفيلم على ترديد سؤال هو في حقيقته يشكل ديدنا لكل المواطنين، بل ردد شعارا معادلا ولا تتم معادلة الحياة الكريمة إلا به تمثل في "سلاح الردع هو الحل"، وهذا جزء من قدرة الفيلم على رصد الكثير من المفارقات المنطقية والواقعية.

ويحسب للمخرج تقديمه رؤيته للشباب العربي وكيفية تعاطي هذا الشباب مع الواقع، ومدى الحماس من ناحية واليأس من ناحية أخرى لما يحصل من حولهم، وكيفية التعاطي معه. وهو في ذلك يطرح وبصوت عال كثيرا من القضايا المهمة والتي تعتبر هاجس الشعوب العربية وليس حكوماتها مثل:

فكرة وجود سلاح ردع فعال يمكن أن يكون أداة فعالة في حماية الشعوب العربية، لتكون المفارقة الأولى هي أن الشخص الذي قرر صناعة السلاح هو شاب بسيط وذكي تم تهميش وتحطيم مواهبه، والمفارقة الثانية هي استحالة صناعته لهذا السلاح.

كما أن الحوار بين شخصيات الفيلم يكشف بعمق أفكار المواطنين البسطاء الذين يرون استحالة أن لا يكون هناك سلاح ردع في مصر مثلا، ليكون الاحتكام إلى لواء متقاعد في الجيش المصري الذي يؤكد على امتلاك سلاح الإيمان والإرادة فقط، وهذا ما ضاعف كوابيس الناظر ورسخ شكوكه، لتتعمق قضية تكرار النموذج في مخيلته.

وإضافة إلى الرمزية العالية التي قدمها الفيلم فقد احتوى على كوميديا ومفارقات واقعية ومنطقية تمكنت فعلا من شد الجمهور للفيلم طوال ساعتين ونصف، فهي مواقف موحية تدلل على الجهد المبذول في سيناريو الفيلم، فمثلا: قدم الناظر لطارق فيلما نصحه بمشاهدته كلما شعر بالإحباط على اعتبار أنه يضم الانتصارات المصرية بعد حرب 1967 لتأتي المفارقة أنه يحوي المباريات والأهداف التي حققتها الفرق المصرية.

كما قدم صورة قاتمة وواقعية عن اهتمام المؤسسات العربية بالمبدعين الشباب، وطبيعة تفكير رجال الأعمال العرب الذين لا يفكرون إلا في المشاريع التي تدر ربحا سريعا.

وفي تعامل المخرج مع "نظرية المؤامرة" كان أكثر سطحية، فطوال مشاهد الفيلم يظهر للمشاهد عمق تأثر المخرج بالنظرية من خلال معرفة رجال الاستخبارات لأدق التفاصيل في حياة طارق والناظر، وفي سعيهما لتدمير السلاح الجديد، وفي النهاية قدم أملا وفرحا متخيلا للاختراع زرع في وعي الجمهور إمكانية النجاح.

فيلم ومخرج

الفيلم جاء محاولة من محمد أمين لتقديم اعتذار إلى عراقية اغتصبها 4 جنود "مارينز" لعجزه عن مساعدتها، وضعفه الذي شل قدراته على التدخل لمساعدة شعب العراق.

وهو فيلم جاء بعد عشرات الأعمال الكوميدية المصرية التي ابتعدت عن الإبداع واقتربت أكثر من الضحك ليقدم كوميديا سوداء حقيقية اقتربت من الجمهور العريض الذي ضحك فعلا من قلبه على ألمه ومعاناته ومشاكله.

وكما يحسب للمخرج تقديمه عملا كوميديا جميلا فيحسب للفيلم تقديمه في المقابل مخرجا يحمل رؤية مغايرة للسائد من أدوار الكوميديا وقدرتها على تناول القضايا الجادة.

والعمل دليل ذلك؛ فأفكاره الصعبة التي تحملها شرائح المجتمع كافة وتمتاز بأنها مركبة ومعقدة قدمت بسلاسة ويسر ليقترب أكثر من عتبة الوصول إلى حلول للمشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وليقدم محاسبة للدول العربية أظهر تقصيرها في الدفاع عن ذاتها، وأن المستقبل بمقدار ما نشتاق له فإنه يبعد عنا، فمشهد المحاسبة بين طارق والناظر وسط الفيلم أظهر فعلا عمق المصيبة وحجم الفجوة التي تعاني منها الدول العربية ليس فيما يتعلق بالحرية بل في تأخرها وتخلفها وجهلها.

والمضحك فعلا أن سقوط العراق أصبح موضوعا للضحك، وهنا تكمن المشكلة أمام قلة الحيلة، رغم أن الفيلم بما قدمه تمكن باقتدار من نقل الواقع العربي المبكي حتى الضحك.


ناقد فني ومحرر في النطاق الثقافي والفني في شبكة إسلام اون لاين.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم