English

 

الأحد. فبراير. 5, 2006

ثقافة وفن » سينما ومسرح

 
   
روابط من إسلام أون لاين

سينما الخليج وسؤال استقلاليتها

صلاح سرميني

الدورة 4 مسابقة أفلام من الإمارات 

 
إن غوصا سريعا في سينمات الخليج العربي منذ بداياتها في ثلاثينيات القرن المنصرم وحتى الآن تكشف لنا أن مجمل ما أنتج من سينما راوح بين الفردية والتمويل الذاتي في ظل غياب الدعم الحكومي.

فتاريخ عجلة هذه السينما المتعثرة يمكن تلخيصه ببعض الصفحات ودزينة من الأسماء والأفلام والقليل من الأحداث والتطورات، وفي هذه الببلوغرافيا نحاول من خلالها أن نخط تسلسل وتاريخ سينما الخليج قبل أن نحلل هذه السينما ونضعها في سياقها الصحيح.

ببلوغرافيا أفلام الخليج

في الكويت نهاية الثلاثينيات، أخرج محمد قبازرد فيلما تسجيليا، كما صور بعض الهواة عدة أفلام عن معالم الكويت القديمة، وفي عام 1946 أقدمت "شركة نفط الكويت" على تصوير فيلم تسجيلي، وعلى الصعيد الحكومي بدأت النشاطات السينمائية منذ عام 1950 في دائرة المعارف وقتذاك، وتحقق من خلالها 60 فيلما وثائقيا، وفي عام 1959 أفسحت وزارة الشئون الاجتماعية والعمل المجال أمام الإنتاج السينمائي التوثيقي.

وفي عام 1961 أخذت وزارة الإرشاد والأنباء على عاتقها مسئولية العمل السينمائي، وفي عام 1964 انتقل قسم السينما إلى تلفزيون الكويت الذي أنجز أغلب الأعمال السينمائية الرائدة.

ومن ثم استمرت المبادرات الفردية بإنجاز محمد السنعوسي لأول فيلم روائي كويتي قصير "العاصفة".

ويمكن اعتبار "بس يا بحر" الذي أخرجه خالد الصديق عام 1972 بعد مجموعة من الأفلام التسجيلية نقطة تحول في تاريخ السينما الكويتية والخليجية، وفي عام 1977 أقدم على إنجاز فيلمه الروائي الثاني "عرس الزين"، وفي عام 1995 أنتج وأخرج فيلمه الثالث "شاهين".

في عام 2000، وبدعمٍ من التلفزيون الكويتي أخرج وليد العوضي فيلمه التسجيلي "السدرة" عن غزو العراق للكويت، وقدم فيما بعد أفلاما تسجيلية وروائية قصيرة.

في الوقت الذي كانت دزينة من المخرجين ينجزون أفلاما روائية قصيرة وتسجيلية ساهمت في تشكيل الواقع السينمائي في الكويت، ولعل أشهرهم عبد الله المخيال.

في عام 2004 صور محمد دحّام الشمري بنظام الديجيتال فيلمه الروائي الأول "شباب كوول"، وظهر فيلمٌ روائي آخر بعنوان "منتصف الليل" من إخراج عبد الله السلمان، ومن ثم أنجز "سامي الشريدة" أولى تجاربه السينمائية مع فيلم "جسوم أي شيء".

البحرين

كاميرا محمد الجناحي 

في البحرين كانت المحاولات الأولى للإنتاج السينمائي مع شركة الصقر للسينما، ويُعتبر مؤسسها خليفة شاهين أحد الرواد الأوائل لإنتاج أعمال تسجيلية قصيرة.

وخلال الفترة (1961-1971) اهتمت "شركة البحرين للنفط" بإنتاج عدد من الأفلام التسجيلية القصيرة.

في منتصف السبعينيات، صور وأخرج إبراهيم الجناحي الفيلم الروائي القصير الأول بعنوان "الأحدب".

وفي عام 1990، قدم بسام الذوادي أول فيلم بحريني روائي طويل "الحاجز"، وفي عام 2003 أنجز بنظام الديجيتال فيلمه الروائي الثاني "زائر" باكورة إنتاج "شركة البحرين للسينما"، مع عدد من الجهات الرسمية والأهلية، من بينها وزارة الإعلام وهيئة الإذاعة والتلفزيون.

الإمارات

في الإمارات العربية المتحدة بداية التسعينيات أنجز علي العبدول ومحمد نجيب وجابر جاسم، وعبد الله النقي أفلاما روائية طويلة صُورت بكاميرات الفيديو وعُرضت محليا.

بالإضافة لأفلام صورت بكاميرا16 مم لمخرجين درسوا في الخارج، منهم خضر العيدروس وخالد المحمود ونجلاء الشحي ونائلة الخاجة... إلخ.

وفي عام 1999 أنجزت المخرجة الإماراتية نجوم الغانم فيلمها التسجيلي "ما بين الضفتين"، بعد إخراجها لفيلمين روائيين قصيرين.

ويعتبر الإماراتي مسعود أمر الله المُحرك الفعلي للنشاط السينمائي، وقبل أن يؤسس ويدير "مسابقة أفلام من الإمارات" أخرج أفلاما روائية قصيرة وتسجيلية.

في دولة قطر حقق الإنكليزي "رود باكستر" عام 1960 فيلما تسجيليا طويلا بعنوان "قطر"، وبعدها غاب الإنتاج السينمائي، ما عدا فيلما تسجيليا بطول 62 دقيقة أخرجه المصري محمد نبيه، وأنتجته وزارة الإعلام القطرية في عام 1967، وفي عام 1976 أقدم نفس المخرج على إنجاز أول فيلم روائي قطري بعنوان "الشراع الحزين".

عُمان اهتمام حديث

وفي السبعينيات، أوفدت سلطنة عمان عددا من الشباب لدراسة السينما، وبعد عودتهم إلى البلاد عملوا كمخرجين في التلفزيون العُماني.

وبعد إنجازه لفيلم قصير في نيويورك عام 1988 بعنوان Fall تمكن "حاتم الطائي" في عام 1989 وبجهود ذاتية من إنجاز "الوردة الأخيرة" أول فيلم روائي عُماني قصير، ومن ثم أكمل تصوير فيلمه الثاني "شجرة الحِداد الخضراء".

بدوره، أنجز محبوب موسى أفلاما قصيرة أثناء متابعته لدورات سينمائية في أحد المعاهد الأمريكية المُتخصصة. بينما الشاعر والناقد السينمائي عبد الله حبيب الذي يتواجد حاليا في الولايات المتحدة لتحضير رسالة الدكتوراه أخرج في بداية التسعينيات عددا من الأفلام الروائية القصيرة.

وعلى المستوى الحكومي، اهتمت سلطنة عُمان مؤخرا بإنتاج أول فيلم عُماني طويل "عودة زاهر" من تأليف، وإخراج خالد الزدجالي وإنتاج وزارات الإعلام والتراث والثقافة والمالية.

أفلام معدودة

وفي اليمن أقدم بدر بن يحيى الحرسي -المولود في بريطانيا- على إنتاج وإخراج عدد من الأفلام التسجيلية "الشيخ الإنكليزي" و"الجنتلمان اليمني" و"أعظم رحلة في العالم".. قبل أن يصور مؤخرا فيلمه الروائي الطويل الأول "يوم جديد في صنعاء القديمة" من إنتاج مركز الإعلام اليمني وشركة بريطانية، بمساهمة وزارة الثقافة والسياحة.

وتُعتبر خديجة السلامي المخرجة اليمنية الوحيدة، وقد أنجزت عددا من الأفلام المُلتزمة بشأن المرأة في بلدها، بينما أخرج حميد عقبي خلال دراسته في بغداد فيلمين قصيرين.

وفي المملكة العربية السعودية تجسدت المحاولات الفردية من خلال محمد القزاز وعادل عبد المعطوب وعبد الله المحيسن، ولكن في عام 2004 تسُلطت الأضواء على هيفاء المنصور كأول مخرجة سعودية بعد أن صورت فيلمين قصيرين بكاميرا الديجيتال، قبل أن تصور فيلمها القصير "أنا والآخر" سينمائيا.

محاولات لم تهدأ

على طريق نواف الجناحي 

تبيّن هذه النبذة المُختصرة بأن العملية الإنتاجية في دول الخليج قد انتقلت من الشركات البريطانية العاملة في المنطقة إلى بعض المُتحمسين الذين أنجزوا المُحاولات الأولى للسينما في بلادهم، ومن ثم اهتمام بعض الوزارات بالتوثيق البصري لأحوال البلاد المختلفة.

ومنذ تلك الفترة وحتى اليوم لم تهدأ المُبادرات الفردية لإنجاز أفلام قصيرة وطويلة روائية، وتسجيلية، وبفضلها تعرف الجمهور المحلي والعربي على أفلام أنجزها سينمائيون خليجيون عانوا مما يُسمى "استقلالية"، ولم يتوقفوا يوما عن حث الإدارات الحكومية ورءوس الأموال الخاصة على ضرورة الاهتمام الحقيقي بالإنتاج وتأسيس صناعة سينمائية.

ومن دراسة تاريخ السينما في المنطقة يتأكد بأن الفردية والتمويل الذاتي وغياب الدعم الحكومي، كانت من أهم الأسباب التي أبطأت عجلة السينما وجعلتها متعثرة إلى الدرجة التي يمكن تلخيص تاريخها ببعض الصفحات ودزينة من الأسماء والأفلام والقليل من الأحداث والتطورات.

بشكل عام، تتوزع مصادر التمويل الحالية للسينما في دول الخليج ما بين: التمويل الذاتي -الأفلام الطلابية- الإدارات المحلية، والوزارات -قنوات التلفزيون- الشركات الخاصة.

وإذا عرفنا أن السينما المُستقلة في الولايات المتحدة فترة الستينيات، ظهرت مترافقة مع (سينما الأندر غراوند)، وفي نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات تحول مفهومها ليشمل الأفلام التي تمردت على سيطرة الأستوديوهات الكبيرة، وأنجزت بميزانيات قليلة، وحققت أرباحا معقولة ونجاحات جماهيرية، وتضافرت تلك الاستقلالية مع تحرير اللغة السينمائية من القوالب المُتكررة التي فرضتها السينما الهوليودية.

وإذا أدركنا بأن تاريخ السينما في الولايات المتحدة وكل السينمات المُتطورة سجل تطورات نوعية وكمية كثيرة للمفاهيم الإنتاجية والجمالية.. فإنني أتحاشى الحديث عن سينما مستقلة في دول الخليج وحتى في السينما العربية نفسها.

كيف.. كيف؟

كيف يمكن ظهور "سينما مستقلة" في منطقة جغرافية افتقدت تماما أولويات الصناعة السينمائية، ولم تكن في أي لحظة من تاريخها "القصير" مرتبطة بأي نمط إنتاجي؟.

إن العمل الفردي والتمويل الذاتي لمُتحمسين ومغامرين نشاط عرفه تاريخ كل سينمات العالم، وكان الانطلاقة الفعلية لبدايات السينما نفسها، منذ شرائط الأخوين لوميير، وميلييس، وبورتر، وحتى اليوم، تلك الفردية التي فرضها "الأمر الواقع" بعيدة تماما عن الأسباب التي انطلقت من أجلها السينما المستقلة، وعلى العكس إن التطورات القليلة التي عاشتها السينما في الدول الخليجية تظهر جهودا متواصلة لاستقطاب التمويل الحكومي والخاص الذي استثمر كثيرا من المال لصالح القنوات التلفزيونية وأهمل تماما السينما المحلية، وكأنه لم يؤمن بجدواها أو اعتقد بأن الإنتاجات التلفزيونية تُعوض عن الأفلام المُوجهة للصالات السينمائية.

لقد تركزت حسابات الحكومات ورءوس الأموال على جدوى الجانب الإعلامي والاقتصادي، وأهملت الجانب الثقافي والحضاري والتربوي الذي توفره السينما العاجزة حاليا عن تحقيق الأرباح السريعة، ولهذا فقد اهتمت رءوس الأموال بالمنتجات التلفزيونية بعد أن فهم أصحابها إمكانية إنتاج برامج ومسلسلات بكاملها اعتمادا على المداخيل الإعلانية والبيع السريع لمحطات أخرى؛ الأمر الذي تتجنبه السينما تماما وهي غير قادرة على تحقيقه.

معاناة الانفراد

هل نقول إذن بأن السينمائيين في الخليج يريدون التخلي عن "استقلاليتهم المُفترضة" للتوجه نحو مصادر تمويل أخرى؟.

الحقيقة، لم يكن هؤلاء مستقلين أبدا، وأوضاعهم السابقة والحالية كانت وما تزال مصدر عجز لهم ولماضي السينما في بلادهم وحاضرها.

لقد عانى السينمائيون في الخليج من مشكلة انفرادهم بالعمل السينمائي ولم يعانوا من سيطرة جهات تمويلية ما على المشهد السينمائي، وكانت المشكلة بالتحديد في غياب تلك الجهات.

لم تعرف دول الخليج مؤسسة عامة للسينما كما في سوريا، أو مركزا قوميا كما في مصر، أو مركزا وطنيا كما في المغرب، كي يستقل المخرجون والمنتجون عن هذه أو ذاك، وهي مؤسسات حكومية لصالح السينما أينما وُجدت، ومن الحماقة إغفال دورها في دعم السينمات الوطنية.

من جهة أخرى، لم تسيطر في يوم ما أي شركة إنتاج عملاقة على السوق السينمائية في الخليج كي يتمرد المخرجون عليها ويبحثوا عن وسائل بديلة للإنتاج والتوزيع.

لقد توجهت الطاقات والجهود لإنجاز أفلام مع أي جهة كانت حكومية أو خاصة فقيرة أو ثرية، وقد نجح البعض مؤخرا وفشل الكثير باستقطاب الانتباه حول مشاريعهم الخاصة.

ملامح مرحلة جديدة

أنا والآخر هيفاء المنصور 

وخلال السنوات الخمس الأخيرة بدأت ملامح مرحلة جديدة تتشكل في المشهد السينمائي الخليجي، ولم يفعل السينمائيون الخليجيون غير الاستفادة من ثورة تقنية غيرت مفاهيم وتقاليد العمل السينمائي التقليدي وحتى جماليات اللغة السينمائية والسمعية/البصرية، وساهمت بتسهيل العملية الإنتاجية وتقليص ميزانياتها وأعادت بعض السينمائيين إلى المشهد السينمائي المحلي والعربي، وساعدت على ظهور أعداد أخرى أكبر مما كنا نتوقع، هذه الكاميرات الصغيرة وأنظمة المونتاج الرقمية المُتطورة هي التي انتشلت الجميع من النسيان والغياب.. والصدأ ومنحتهم إمكانية تمويل أفلامهم والعمل في مجموعات صغيرة.

وكانت فرصة عظيمة للجيل السينمائي الجديد الذي لم يتسن لمعظمه العمل وُفق التقاليد السينمائية، فلم يطرح هؤلاء أسئلة كثيرة عن الفروقات الجوهرية ما بين الفيديو والسينما، ولم يكن لديهم أي خيارات أخرى غير استثمار المُتاح لهم، ومنذ بعض السنوات لم يتوقفوا عن استخدام هذه التقنيات وفهم إمكانياتها التعبيرية، وخاصة في الإمارات العربية المتحدة حيث شجعتهم "مسابقة أفلام من الإمارات" كإحدى المُبادرات الأكثر أهمية في تاريخ السينما الخليجية، ولم تكتف بالكشف عن أعداد كبيرة لمخرجين ومخرجات، بل انتقلت عدواها الجميلة إلى آخرين في الدول الخليجية المُجاورة.

في تلك الفترة، اقتنع البحريني بسام الذوادي بإنجاز فيلمه الروائي الثاني بواسطة التقنيات الرقمية، وشجعت تجربته آخرين في الكويت على إنتاج أفلام تجارية، ربما تكون تمهيدا لسينما مقاولات خليجية، ومن ثم جاء الإماراتي هاني الشيباني وقدم فيلمه الروائي الطويل الأول "حلم" مؤكدا على إمكانية عمل أفلام جادة بكاميرا ديجيتال صغيرة.

ولم تكن تلك المُحاولات الفردية مؤشرا على انطلاقة "سينما مُستقلة" في الخليج؛ لأنه لو اقترح اليوم أي "ممول مفترض تمويل فيلم لهذا أو ذاك فلن يتردد أحد على الإطلاق بالموافقة، ولا أعتقد بأن أي سينمائي في العالم يرفض إنتاج مشاريعه عن طريق شركة صغرى أو كبرى.

الخروج عن سلطة ما ليست شرطا حتميا للاستقلالية، وهذا يقودنا إلى السبب الثاني الذي أجبر السينمائيين في (الولايات المتحدة)، وبلدان أخرى على البحث عن وسائل بديلة وهي طبيعة الأفلام نفسها، والتي لم تتوافق أساليبها مع ما تعودت الشركات الكبرى على إنتاجه، ومن هنا اضطر هؤلاء (مرغمين) بأن يديروا لها ظهورهم وهم يتطلعون بشغف إلى الوراء.

إن الاستقلالية تتوافق مع سينما مُغايرة في الأشكال والمضامين وأساليب المعالجة والتصورات السمعية/البصرية.

وعمليا، يمكن لأي سينما وطنية في العالم استخدام أحدث التقنيات والأنظمة، ولكنها لا تستطيع استيراد مفاهيم ومصطلحات لا تتوافق مع تاريخها وتطورها وحاضرها.

ولكن مواهب وإبداعات مخرجيها وحدهم القادرين على إبداع أساليبها جمالياتها وخصوصيتها.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم