|
|
| فارغ ينتظر الجمهور فهل يفعلها المسرح المستقل؟
|
ما تكاد تخطر على بال المرء عبارة "الفن المسرحي المصري"، حتى يتوافد إلى الذهن صور شتى، غالبا ما تحمل من الملامح السلبية، أكثر مما تحمله تلك الصور من الملامح الإيجابية.
فقد تتحسر على ريادة فنية حملت مصر لواءها لعقود. هذا غير حسرة على ازدهار المسرح المصري في الستينيات. وتستحضر الأذن جملا مرت عليها من قبيل "أزمة المسرح المصري"، و"المسرح التخريبي أو التغريبي وليس التجريبي"، و"إسفاف مسرح القطاع الخاص"، و"إفلاس مسرح الدولة".
غير أن الحديث عن تيار المسرح المستقل، أو الفرق المسرحية الحرة، ما إن يتوافد في مثل هذا السياق، حتى يتنفس البعض معتبره الأمل الذي أشرق في قلب اليأس، على حين ما يستنكر البعض معتبرا إياه ليس إلا حلاوة الروح لجثة المسرح المصري، فهو عند أصحاب هذا الرأي، ليس إلا دلالة الاحتضار.
وبين هذا التطرف في النظر وذاك، نحاول عرض بعض ما لهذه الفرق، وما عليها، مرورا بآراء بعض المهتمين بهذا الشأن. لكن بداية سنحاول التعريف بهذا التيار.
المسرح المستقل.. ما هو؟
يذهب ياسر جراب الفنان التشكيلي ومدير العلاقات الخارجية بمؤسسة "التاون هاوس" الثقافية إلى أن المسرحيين المستقلين "هم مجموعات أو جماعات أو فرق أو أفراد يشغلهم مشروع ثقافي مسرحي، يحاولون تقديمه للجمهور مستعينين بكيانات وهيئات قادرة على تذليل العقبات المتعلقة بهذا المشروع، مع الوضع في الاعتبار أن البناء الهيكلي لما سبق لا يشترط أن يكون متوفرا منذ البداية".
ويعني بذلك أن الوعي بأهمية البناء ليس وصفة محفوظة لدى تلك الفرق من قبل. لكن تثبيته وتطويره هو أحد أهم أدوار داعمي هذا التيار.
يضيف جراب: "هذا التطوير هو دور بالغ الأهمية ولعله الحصاد الأهم لعام 2005 بالنسبة لي.. أن هناك مستقلين كثيرين يحتاجون لمكان بروفات مثلا وأنا أوفر لهم ذلك بقدر إمكانياتي كمؤسسة. لكني أدركت أن دعمهم بتوفير خبرة إدارية تمكنهم من استكمال مشروعهم، ومن ثم تنفيذ هذا المشروع، هو احتياج أساسي لديهم".
هكذا نرى أحد المهتمين يعتبر أن السمة الأهم لما يمكن أن نطلق عليه فرق المسرح المستقل هو المشروع الفني للفرقة. فهذا ما يميزهم عن المسرح الجامعي مثلا، الذي لا يمكن أن نقول إنه يمتلك مشاريع فنية.
غناء خارج السرب
|
|
بوستر آخر
|
نفس فكرة المشروع الفني كمحدد أساسي للفرق المسرحية المستقلة نجدها لدى المخرج الفنان د.هاني المتناوي، مدير مهرجان المسرح المستقل للكوميديا الخفيفة، الذي يؤكد أن "وجودك ككيان مستقل رهين بتماسك مشروعك الفني المقنع، على أن يلتزم هذا المشروع (بالغناء خارج السرب). إن المسرح المستقل بالأساس هو مسرح يمتلك خيار الغناء خارج السرب، وهذا الخيار لا يمنحه له أحد. إنه دائما ما يحاول أن يوفر هذا الخيار لنفسه. طبعا البيئة المحيطة قد تساعد أو تعرقل هذا الخيار".
وهذا المنطق على استقامته، يكشف عن الجدل المستمر بين المستقلين والدولة. الفرق المستقلة تناضل من أجل الحصول على الدعم الفني، فتمنح الدولة أو تمنع، فتناضل الأولى من أجل تعديل القوانين التي تصنع المناخ القائم والقاتم أيضا.
هذا التشخيص الذي يقدمه د.المتناوي للحالة المتعسرة، ويبسطه في وضوح لا يحمل التباس قائلا: "المهم أنك تناضل كمستقل لتنال ما يسمح لك بالاستمرار، سواء على المسار المالي/الدعم، أو القانوني/ صلاحيات، تناضل لتنال حقك في الاختلاف".
مشروعك مبرر وجودك
هكذا نجد أن المشروع هو المحدد الأهم في تعيين المسرح المستقل، سواء أكان هذا المشروع فنيا بحتا، أو كان مضفرا في نضال مشروع من أجل البقاء مختلفا.
يأتي أيمن حلمي الموسيقي والناشط والمتابع لتيار المسرح المستقل، فيبسط وجهة نظره بكون المستقل هو "ذلك الواعي بذاته في لحظة انفصاله عن كلٍ ما، بمعنى ثان أنه يخرج عن كيان أكبر يكون متصلا به من قبل، وهو يدرك حاجته لانفصال، وتبقى علاقته بالأصل علاقة إشكالية في تحديد ماهيته، أي لن تفهم المستقل إلا في ضوء فهمك لما هو مستقل عنه".
وبالرغم من تجريديه وعمومية ما يقوله حلمي -الذي لا يضع يده على خصوصية المسرح المستقل عن أي مستقل آخر- فإن هذا النموذج وغيره يبدو مفيدا في عكس ما يعتري مفهوم المسرح المستقل من تعقيد، وهو الأمر الذي يتضح من كلمات حلمي التالية: "يرتبط مفهوم المسرح المستقل لدى الناس عموما، بمفهوم التمويل المادي، وفي هذا الإطار سنجد درجات للاستقلال، فلو أننا اعتبرنا الفرقة المستقلة هي المعتمدة على مواردها في تمويل نفسها، لأخرجنا بذلك معظم الفرق المستقلة من عباءة الاستقلال، وعليه أجد أن مفهوم التمويل ليس هو المحدد الحاسم للاستقلال، أظن أن المحدد هو الوعي الذاتي بالاستقلال".
طبعا خطورة ما يطرحه حلمي هو كونه سيعتبر أيا ممن يقول إنه مستقل، مستقلا بالفعل، وهو ما يفتح الباب على مصراعيه للجميع، إلا أنه يدرك ذلك، ويؤكد أن ذلك متوقع في مرحلة النمو، ولديه يجب عدم التعسف في إنضاج ما لم ينضج بعد.
هكذا نرى المشروع الفني، والتمويل، والوعي الذاتي، هي بعض المحددات التي يطرحها المهتمون بالمسرح المستقل كمحددات له، إلا أنه من الواضح أن مسألة ماهية المسرح المستقل هي مسألة ليست بالهينة. وهي تطرح بصورة أو بأخرى الصعوبات التي تعترض سبيل هذا التيار. وهنا سنقف -في هذا الموضع- عند تلك الصعوبات بشيء من التفصيل.
العراقيل في المسار
|
|
بوستر لأحد الفرق المستقلة
|
يمكن مبدئيا تقسيم تلك الصعوبات إلى داخلية وخارجية، ونعني بالداخلية مشكلات وعراقيل تمس هذا الكيان من داخله، وصعوبات تمس البيئة المحيطة به، ويركز د.المتناوي على الصعوبة الخارجية -الأساسية من وجه نظره-، ويكثفها فيما يسميه بالذهنية العسكرية، وهو منطق تتعامل به مؤسسة الإدارة في مصر بشكل عام. ليس مع الفن فحسب، وخلاصتها منطق يرى أن كل شيء يجب أن يحكم السيطرة عليه، ويحوّل المواطنين إلى جنود في الشوارع، بداخل كل منهم رقيب ذاتي.
ويضيف: "الصعوبات المادية التي نصادفها نستطيع التحايل عليها: مكان التدريب والبروفات والعرض تستطيع توفيره، لكن ماذا تفعل مع عقلية، تدفع بك إلى السجن في حالة حصولك على قيمة تذكرة بعشرة جنيهات؟!".
بينما يرى الفنان ياسر جراب بأنه يمكن تحديد الصعوبات التي تعترض سبيل المستقلين في أربع مشكلات: أولاها أنه ليس لهذه الفرق جمهور حقيقي حتى الآن، بل ما زال يعتمد على العلاقات الشخصية من المهتمين فقط، وعليه ستجد جمهور عروض هذا المسرح، هم نفس الأشخاص تقريبا؛ حيث لم تعثر الفرق بعد على طريقة لإيجاد جمهور حقيقي.
غير أن المتناوي يخالفه الرأي حيث يرى أن وصف جمهور المسرح المستقل بكونه جمهورا نوعيا، تقسيم غير دقيق. فهناك تقسيم للجمهور ما بين جمهور حشود، مثل جمهور مباريات كرة القدم، أو جمهور نخبوي، وليس جمهور المسرح المستقل جمهورا من النخبة. ولعل هذا المكتسب -يعني أن جمهور المستقل ليسوا نخبويين- هو المكتسب الأهم.
نعود لرصد جراب للمشكلات وثانيها عدم وجود قدرة مالية تسمح لهذه الفرق بالاستمرار كتكوين. والحل فيما يرى جراب تخصيص عنصر في كل فرقة معني بقضية التمويل والدعم، ولا يشترط إطلاقا أن يكون مبدعا.. إنه على نحو ما مدير أعمال.
فإذا ما أضفنا إلى ما سبق أن معظم -كدت أقول كل- المستقلين تقريبا لا يعتمدون على عملهم الفني كمصدر للدخل، وإذا ما أضفنا لساعات العمل التي تضيع في تحصيل الرزق، الوقت الذي يضيع في سبيل البحث عن الدعم والتمويل، لأدركنا كيف يتم استهلاك تلك الفرق نفسيا وفنيا.
نستكمل تصور ياسر جراب الذي يرى أن ثالث هذه المشكلات هو عدم وجود علم ومعرفة حقيقية لجميع الأفراد المكونة لهذه الجماعات، وأحيانا ما يتصادف وجود مجموعة عمل بالكامل ليس لديها لا العلم ولا الخبرة الكافية للعملية المسرحية بتفاصيلها، بالرغم من أن المعرفة ليست مطلبا تكميليا.. إنها أمر جوهري في هذا الفن المركب.
أخر تلك المشكلات من وجهة نظره، هي ما يسميه بالتغريب، ويعني به ابتعاد تلك الفرق عن تراثها، بل "الفرنجة". حيث يرى أن بعض المفردات الفنية في عروض تلك الفرق، ليس لها أي علاقة بتراثنا الجمالي والميثولوجي.
وبالتالي لا يمكن لنا فهمها أصلا، وليس تذوقها. لا أحد يريد المباشرة الفجة، لكن يجب خلق لغة يستطيع الجمهور إدراكها، ولا يمكن أن يحدث هذا الإدراك، مع ما هو منقطع الصلة مع موروثنا الثقافي.
منجزات ومكاسب
كما أسلفنا يعتبر المتناوي أن المنجز الأهم لفرق المسرح المستقل هو وجود جمهور غير نخبوي. فالفرق كونت لها جمهورا في أماكن عديدة، وصارت عبارة "كامل العدد" ترتبط بالفرق المستقلة. ومهرجان الطليعة منذ عامين شاهدٌ على ذلك.
يشارك المتناوي جراب في وجهة النظر تلك، حتى وإن لم يكن هذا التواجد منظما، لكن حضور الفرق في المنيا، والإسكندرية، والقاهرة، ومسارح الجيزويت، والفرير، والهناجر، وساقية الصاوي، والتاون هاوس، والمراكز الثقافية المختلفة، ظاهرة صحية.
المتناوي يرى أن إنتاج فرق المسرح المستقل، يفوق إنتاج مسرح الدولة في العام. وهذا أمر مضحك، فبلا شيء تصنع الفرق كل ذلك. هذا في الوقت الذي نشاهد عودة مسارح الدولة لما كانت تنتجه منذ 17 عاما كأكبر دليل على الإفلاس.
حلمي يرى أن المكتسب الأهم هو أن عهد الاعتماد على الدولة من قبل المستقلين قد انقضى.
وينقلنا هذا الرأي الأخير لنقطة بالغة الحساسية، وهي موقف الفرق المستقلة من الكيانات القائمة بالفعل مثل مسرح الدولة، ومسرح القطاع الخاص، وهل تعتبر نفسها بديلا لهما أم شريكا، وخاصة بعد أن حدث ما حدث؟!.
بديل أم شريك؟
يرى جراب، أن الفرق المستقلة لا تطرح نفسها كبديل سواء لمسرح الدولة أو للقطاع الخاص. بل إن فكرة التجاور بين كل تلك الأشكال ضرورة.. لا ينبغي رفض الآخر. ويقول: "المستقلون يريدون الاستقلال عن ميزانيات المسرح التجاري، أو مسرح الدولة، ليس هذا هو الاستقلال كما أفهمه. نرفض ما يقدم في المسرح التجاري نعم، لكن لا بأس من السعي للحصول على موطن قدم، ومن هذا الموضع لتنشر فكرك وطريقتك، لكن القطيعة النهائية، ليست صحية على الإطلاق، الاختلاف لا يعني القطيعة، القطاع الخاص والحكومة إذا ما فكرا بهدوء فيجب أن يكونا صاحبي مبادرة لدعوة المستقلين للعمل، بشكل يحمي مصالح الطرفين، الشراكة لا تضعف إلا الضعفاء بالفعل".
يتفق د. المتناوي مع وجهة النظر تلك، فالفرق المستقلة لا تطرح نفسها كبديل لما هو قائم، في تقديره هذا ليس إلا وهم يشيعه العاملون في مسرح الدولة.. "فنحن لا نستطيع أن نحيا بلا تنافس، لكن منطق إن لم تكن معي فأنت ضدي مرفوض".
فالانغلاق على الذات في خلال ما يزيد عن 40 عاما داخل جهاز الدولة المسرحي أضاع عليها فرصة التعرف على ما وصلت إليه دول العالم. ففي الخارج، وضعت الدولة نفسها فوق التنافس، ثم منحت الفرق التي أثبتت جدارة عقودا نصف مستقرة، لكي تضمن الحفاظ على المستوى الفني.
غير أن خطاب المتناوي في تقديري يعكس وبوضوح أنه يرى أن المستقلين بديل لمسرح الدولة، وهو نفس ما نلمحه في كلام جراب حين يتحدث عن موطئ قدم ثم بقية الصورة بداهة، عملية إزاحة لما هو قائم.
تأتي وجهة نظر حلمي في هذا السياق بحيث لا تكاد تختلف في المنطق وإن اختلفت في النبر إذ يقول: "دعنا نتحدث عن تقبل الآخر! لكن مسرح الدولة بما آل إليه لا تطالب أحدا باحترامه. كذلك هو الأمر بالنسبة لمسرح القطاع الخاص. لكن ذلك لا يحول دون أن تتعامل الفرق المستقلة مع هذا أو ذاك".
ينقضي التحقيق وتبقى الأسئلة الأصعب والتي لن يجيب عليها إلا الغد..
كاتب وناقد فني.
|