English

 

الأربعاء. فبراير. 15, 2006

ثقافة وفن » سينما ومسرح

 
   
روابط من إسلام أون لاين

ميونخ.. رواية سبيلبرج الناقصة *

عاطف أبوسيف

بوستر فيلم ميونخ
على قائمة الترشيحات في أوسكار هذا العام، فيلمان يحملان في طياتهما الروايتين الفلسطينية والإسرائيلية: الجنة الآن، وميونخ. الأول، إخراج فلسطيني والثاني، إخراج أمريكي.

ميونخ فيلم ستيفن سبيلبرج الأخير الذي يعرض فيه -لأول مرة في تاريخه السينمائي- للصراع العربي الإسرائيلي، وهو لا يمر عليه مرور الكرام، بل إن جل الفيلم ومادته وشخوصه هي أحداث وشخوص حقيقية.

ببساطة قصة الفيلم تتمركز حول مهمة مجموعة من ضباط الموساد في أوربا يتم إرسالهم لتعقب مجموعة من قادة المقاومة الفلسطينية خصوصا من مجموعة "أيلول الأسود" التابعة لحركة "فتح" عقب قيام مجموعة مسلحة باختطاف مجموعة من الرياضيين الإسرائيليين المشاركين في أولمبياد ميونخ.

الفيلم يروي رحلة القتل الإسرائيلية في العواصم الأوربية المختلفة. مجموعة من 11 شخصا فلسطينيا تتم مراقبتهم ومحاولة قتلهم. على رأس هذه القائمة أبو حسن علي سلامة (أبو داود)، وأبو يوسف النجار، والكمالان (عدوان وناصر)، ومحمود الهمشري، ووائل زعيتر، ووديع حداد وبعض ضباط الاتصال في أيلول الأسود.

البداية اختيار متحيز

بداية اختيار ميونخ كنقطة انطلاق لمناقشة الصراع العربي الإسرائيلي هي مثل كل البدايات تحمل في طياتها تحيزا وتتبنى موقفا معينا.

أولا سبيلبرج يجرد "عملية ميونخ" من محتواها التاريخي ويقدمها وكأنها قصة خطف يقوم بها إرهابيون ضد رياضيين دون وضع هذه العملية في سياق الصراع العربي الإسرائيلي.

فحين قررت أيلول الأسود خطف مجموعة من الرياضيين الإسرائيليين لم تكن نية "فتح" في ذلك الوقت مجرد الخطف والقتل. ببساطة تقدمت منظمة التحرير بطلب المشاركة في الأولمبياد مثل سائر شعوب الأرض فتم رفض الطلب بحجة أن فلسطين ليست دولة.

الحل الذي فكر فيه قادة الثورة أنه يجب أن تحضر فلسطين بأية طريقة ويجب إما أن نشارك أو لا تشارك إسرائيل. سبيلبرج إما أنه يجهل هذه الخلفية المهمة والتي تدلل على موقف سياسي مدروس وعلى أن الفلسطينيين ليسوا قتلة بل أصحاب حق يبحثون لتثبيته، أو أنه يعرف ولا يريد أن يعرض لهذا الجانب من الحقيقة.

الأمر الآخر الذي لا ذكر له في قصة سبيلبرج عن ميونخ هو حقيقة أن إسرائيل قبل أيام فقط من عملية ميونخ قامت بقصف مخيمات لبنان وخلفت عشرات الشهداء والجرحى.

أيضا في الشهر ذاته قامت بطرد سكان قريتين فلسطينيتين في الجليل لا يحضرني اسمهما. وبالمناسبة فإن "أيلول الأسود" أطلقت على عملية ميونخ اسم هاتين القريتين في أدبياتها. سبيلبرج لا علاقة له بذلك. الشيء الأهم ربما من كل ذلك هو انتقائيته في سرد الأحداث حتى ضمن ما هو متعارف عليه في الرواية الإسرائيلية.

القاتل يدافع عن "أخلاقه"

المخرج سبيلبرج 

يبدأ المخرج المهمة الإسرائيلية بلقاء لجولدا مائير مع ضابط الموساد (الذي عمل حارسا شخصيا لها من قبل) في بيتها مع قادة الموساد والشين بيت والجيش، حين تقوم بتكليفه بقتل الفلسطينيين.

وهو هنا يقدم جولدا في صورة الأم الحنون الوديعة التي تعتني بمرؤوسيها فهي تقدم لهم القهوة بيديها وتستمع لهم وتربت على أكتافهم. في خضم حديثها عن ردة الفعل الإسرائيلية جولدا في رواية الفيلم تبدو الأخلاقية الكبيرة التي يدفعها الإرهاب الفلسطيني للتنازل عن إنسانيتها والتغاضي ولو قليلا عن أخلاقها العالية لتحافظ على حياة الأبرياء.

وكأن المخرج ينسى تصريح جولدا الشهير في ذلك الوقت بأنه لا يوجد شيء اسمه شعب فلسطيني. هل نسي هذا؟ لا أحد يقرأ حياة جولدا أو يقرأ عنها ولا يمر على هذه العبارة القاسية والعنصرية والتي ربما هي الأهم من كل تصريحات جولدا. هل هو حقيقة لا يعرف ذلك؟.

خلال رحلة القتل تلك يبرع المخرج في تقديم القاتل الإسرائيلي في صورة الأخلاقي الذي يؤرقه أنه يقتل، لكنه مجبر على فعل ذلك. فهو يطرح علامات استفهام كبيرة قبل وبعد كل عملية قتل يقوم بها، لكن ما يضحد رؤيته تلك أنه وفي ختام كل تفكير عميق فإن ضابط الموساد يضع جانبا كل هذا النقاش الأخلاقي ويقوم بالقتل بل يحتفل به مع رفاقه.

شهوة القتل الإسرائيلية تلك رغم محاولة المخرج الدفاع عنها عبر الأطروحات الأخلاقية المختلفة تفضح المخرج.

انظروا الحوار بين ضابط الموساد وأحد أفراد فرقته حين يرفض تنفيذ الأوامر بحجة "إنني تربيت كيهودي.. إنني لا أستطيع أن أقتل".

بكلمة أخرى اليهودي لا يستطيع أن يقتل وهو أكبر من أن ينحدر لدرجة فقدان الأخلاق والتنازل عن طيبته الإنسانية. أشد من ذلك فيما يكون الضابط في مهمة القتل خاصته في أوربا متابعا إحدى ضحاياه يتصل هاتفيا بزوجته التي تكون قد وضعت طفلتهما البكر حديثا وما إن يسمع صوت طفلته حتى ينفجر في مشهد بكاء مسرحي مفتعل.

أنا لا أنفي حق أحد في الحنين لطفله فهذا شعور إنساني علينا عدم التقليل منه وهو من فطرة البشر، لكن ما أتحدث عنه حاجة قصة من هذا النوع لمشهد من هذا النوع. إذا كان من حاجة فهي فقط لاستجداء تعاطف المشاهد مع القاتل وإظهاره بمظهر الأب الحنون الذي يشتاق لطفلته والذي يستدرجه الإرهاب الفلسطيني للابتعاد عنها.

وعلينا عدم تقليل قيمة مثل هذا المشهد بالنسبة للمشاهد الأمريكي خاصة. والمخرج يعرف على أي وتر يعزف.

بكلمة أخرى كل قصة الفيلم تتركز على الدفاع عن أخلاق القاتل هذا. انظروا كيف يقوم القاتل بوقف تفجير القنبلة حين تعود ابنة محمود الهمشري للبيت لأنه وكما يقترح سبيلبرج لا يريد أن يقتل أبرياء دون أن يقول: إنه لا علاقة لهذا بالبراءة ولا ما يحزنون بل بنية القاتل التأكد من قتل ضحيته "محمود الهمشري" فهو لا يريد أن يفشل.

الفلسطيني.. هدف للقتل ومسببه

أحد مشاهد الفيلم 

الأسوأ من كل ذلك هو صورة الفلسطيني في الفيلم. فالفلسطيني يأتي فقط كهدف للقتل أو مسبب له أو فكرة عابرة على القاتل أن يطردها.

مثلا يقوم سبيلبرج بتصوير الحياة المرفهة التي يعيشها محمود الهمشري وأبو حسن سلامة. فمحمود الهمشري يعيش في بيت باريسي أنيق. ابنته وزوجته لهما سيارة وسائق وهو، أي الهمشري، يتحدث لابنته بالعربية فتجيبه بالفرنسية. أبو حسن سلامة حين يزور أسبانيا يمضي وقته في فيلا أنيقة على شاطئ البحر.

بجانب هذا فالفلسطيني لا يعرف كيف يدافع عن قضيته ولا ينظم حديثه. مثلا حين يأتي أحد أفراد عصابة القتل لبيت الهمشري متنكرا على هيئة صحافي فيقوم بزرع القنبلة في هاتف الهمشري، يبرع سبيلبرج في تصوير ضوضاء الفلسطيني وعدم مقدرته على تنظيم نفسه والحديث بصوت واحد.

ففيما يقوم الهمشري بشرح معاناة الفلسطيني تقوم زوجته بين كلمة وأخرى بمقاطعته فيقوم بالصراخ في وجهها في النهاية "هي المقابلة معاي وإلا معاكي".

زوجة الهمشري مثله لا تجيد حديث المنطق بل حديث القلب. مثلها "علي" أحد أفراد "أيلول الأسود" الذي يتقابل مع ضباط الموساد في شقة في أثينا بالصدفة ويدور حديث بينهما دون أن يدرك علي حقيقة ضابط الموساد، يقوم بالدفاع عن حقه الفلسطيني بطريقة عاطفية. رغم قوة دفاع علي العاطفية وتسليط سبيلبرج للكاميرا على عيني "علي" وهو يوضح كيف أنه حتى إن فشل في استعادة بلاده فإن أحفاده وأحفاد أحفاده سيكملون المشوار، فإن سبيلبرج يقدم علي بصورة نقيض المنطق الإسرائيلي المؤسس على القيمة الأخلاقية والإنسانية.

حتى حين يتحدث الفلسطيني بلغة أخرى فسبيلبرج لا ينسى أن يتهكم عليه. فالفتاة الإيطالية التي يستخدمها ضابط الموساد في مراقبة وائل زعيتر تتهكم من لغة زعيتر الإيطالية حين يلفظ إحدى الكلمات. على العكس من ذلك فضابط الموساد يبرع في حديث فلسفي مع فتاة ألمانية تدلي له في النهاية بمعلومات عن كيفية الاسترشاد لضحاياه.

مشاهد التذكير الدائمة

وسبيلبرج لا يفوته تذكير المشاهد بين لحظة وأخرى بالقتل والإرهاب الفلسطيني. فهو مثلا لا يقوم بسرد عملية الخطف في ميونخ دفعة واحدة بل يقوم بتوزيع مشاهدها بين ثنايا الفيلم.

يبدأ الفيلم بمشهد الاختطاف إلى حين ينجح الفلسطينيون في اقتحام جناح الرياضيين الإسرائيليين، ثم يركز سبيلبرج على مشهد تكليف جولدا مائير للضابط وتشكيل فرقة القتل. في خضم تفكير ضابط الموساد بقبول أو رفض المهمة الخطيرة يقطع المخرج المشهد ليكمل حكاية الخطف عبر تصوير قتل الفلسطينيين لأحد الرياضيين بطريقة دموية ثم يعود للفيلم. قبل عميلة القتل الأولى لفرقة الموساد لا ينسى المخرج من تذكير المشاهد: لا تنس أنهم يفعلون ذلك بسبب قتل الفلسطينيين لمجموعة من الرياضيين الأبرياء.

لفعل ذلك يعود إلى لحظة وضع المختطفين في طائرة استعدادا للإقلاع بهم بعيدا عن ألمانيا. ثم وبعد عملية قتل أخرى يرجع المخرج للحظة التي يزعم فيها أن الفلسطينيين قتلوا الرياضيين.

انحياز مطلق

وهنا يعلن سبيلبرج انحيازه المطلق للرواية الإسرائيلية. أولا لا حديث عن الرفض الإسرائيلي لمقايضة الرهائن بمائتي أسير فلسطيني وعربي وأجنبي من مقاتلي الثورة.

المخرج يمر عن هذا مرور الكرام ولا يقول لمشاهده كيف إن إسرائيل رفضت التعاطي مع هذه المطالب ولو فعلت لكانت وفرت على نفسها الكثير من العناء، وينسى أن يقول إن جولدا أمرت بقتل جميع الخاطفين مهما كان الثمن.

ثانيا هل قتل الفلسطينيون الرهائن؟ هناك حديث عن أن الكوماندوز الإسرائيلي والألماني هم الذين فجروا الطائرة بقنبلة أو طلقة رصاص أصابت مخزن الوقود، وهذا ليس بالسر. سبيلبرج لا يعرف الأسرار فهناك متهم جاهز يحمل على كتفه أعباء القضية وتبعاتها.

الفيلم أثار ضجة كبيرة لما قيل من احتجاج بعض الأوساط الإسرائيلية والصهيونية عليه. فالقنصل الإسرائيلي في لوس أنجلوس كان أول من هاجم الفيلم. إذا كان من هدف وراء هذا الهجوم الإسرائيلي الاستباقي فربما لتسليط الضوء على الفيلم وامتصاص أي اتهام له بمحاباة إسرائيل، وهو، وعلينا الاعتراف، ما حصل.


*نشر المقال في صحيفة الأيام الفلسطينية بتاريخ 14/2/2006.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم