English

 

الأربعاء. فبراير. 22, 2006

ثقافة وفن » سينما ومسرح

 
   
روابط من إسلام أون لاين

"البوم".. أول غيث السينما العمانية

أسامة جاد

البوم.. قصة الآباء والأجداد
لم يكن الفن السابع بحال من الأحوال فنا غريبا على سلطنة عمان، خاصة أن بداياتها التلفزيونية كانت باستخدام خامات ومعدات تصوير وطبع سينمائية وبالطبع بمساعدات تقنية خارجية من بريطانيا والهند. إلا أن هذه البدايات التي تطورت فيما بعد سرعان ما تراجعت مع دخول أنظمة البث بتقنيات الفيديو وكاميرات "البيتا كام" و"البيتاماكس".

غير أن ذلك لم يمنع سلطنة عمان من ابتعاث عدد من كوادرها لدراسة السينما بصورة محترفة، سواء في القاهرة أو سوريا أو حتى في أوربا، فكان أن تخرج عدد من السينمائيين العمانيين الذين ساهموا بعد عودتهم في تطوير الفن التلفزيوني -في الأساس- برؤية أكثر احترافية وتخصصا.

بدايات مختلفة

ومن هؤلاء خميس المسافر الذي أضحى مديرا عاما لتلفزيون سلطنة عمان لفترة كبيرة، وعبد الرسول الزدجالي وغيرهما، ومن بعدهما جيل آخر يضم كلا من مال الله بن درويش البلوشي، ود. خالد بن عبد الرحيم الزدجالي، ومحبوب موسى، والثلاثة درسوا في القاهرة، إضافة إلى عبد الله حبيب وسالم المعمري اللذين درسا بشكل شخصي في الولايات المتحدة الأمريكية، وحاتم الطائي الذي كان دءوبا في السعي لإنتاج أول فيلم روائي قصير بعنوان "شجرة الحداد الخضراء"، غير أن إشكالات التمويل حالت دون إتمام مشروعه.

هذا الجيل الأحدث من السينمائيين وانطلاقا من الرغبة في تطبيق ما درسوه في معاهد السينما بدءوا في محاولة تقديم صيغة مختلفة للدراما التلفزيونية فكان أن قدم د. خالد عبد الرحيم الزدجالي سهرة تلفزيونية اعتمد فيها أسلوبا سينمائيا في زوايا الكادر وعمق الصورة وأساليب القطع.

ونجحت السهرة التي حملت عنوان "العرس" بامتياز لدى عرضها في بدايات التسعينيات، بل ظهر جمهور احتفى بالسهرة التي كانت مغايرة من جهة وجريئة الطرح من جهة حتى وصل الأمر إلى تكوين جمعية باسم "أصدقاء العرس".

وفي عام 1993 كرر الزدجالي التجربة في سهرة ثانية بعنوان "المناطحة" التي حظيت بالنجاح ذاته، غير أن اهتمامات المخرج تشعبت ومع انشغاله بالتحضير لأطروحته الخاصة بالدكتوراة وتقديمه لأكثر من عمل مسرحي منها "المياشين" انحسر حلم السينما نسبيا، خاصة بعد سفر كل من عبد الله حبيب وسالم المعمري للولايات المتحدة الأمريكية لأغراض دراسية.

جماعة السينمائيين العمانيين

وفي عام 1995 ومع عودة محبوب موسى من القاهرة، بعد عدة محاولات كمساعد لعدد من المخرجين في مصر، عاد حديث السينما بقوة، ليعود د. خالد عبد الرحيم وبمشاركة عدد من الفنانين لتأسيس ما سمي بجماعة السينمائيين العمانيين، وتواكب ذلك بالترخيص لوزارة التنمية الاجتماعية -الشئون وقتها- بالسماح بإنشاء الجمعيات الأهلية المختلفة، وكانت باكورة أعمال الجماعة مهرجانا بالتعاون مع سفارة فرنسا للأفلام العربية الفرنسية حيث أقيم المهرجان في 1996 وعرضت فيه أفلام من مصر وسوريا وتونس والمغرب والجزائر.

وإثر دعوة خاصة من الحكومة الفرنسية كانت مشاركة الزدجالي في مهرجان "كان" السينمائي الدولي، أحد أهم ثلاثة مهرجانات في عالم الفن السابع، وهناك كان لقاؤه المهم بالمخرج الفرنسي فيليب جالادوه رئيس مهرجان نانت الدولي للقارات الثلاث.

المهرجان الأول

ومع عودته بدأ د. خالد الإعداد لأول مهرجان سينمائي باسم مهرجان مسقط حيث كانت الدورة الأولى للمهرجان في عام 2000، وقد افتتح المهرجان بفيلم "تراب الغرباء" أحد روائع السينما السورية الذي يتناول قصة المفكر والمناضل السوري عبد الرحمن الكواكبي.

المهرجان ورغم نجاحه الكبير على مستوى السلطنة فإنه طرح سؤالا مهما هو: ما المعنى في إقامة مهرجان للسينما دون وجود فيلم سينمائي درامي عماني طويل؟.

وفي عام 2001 كانت الدورة الثانية للمهرجان حيث بدأ المهرجان يستقطب أسماء مهمة عربيا ودوليا فحضره من مصر الراحل رضوان الكاشف والنجم نور الشريف، بالإضافة إلى نقاد مميزين كعلي أبو شادي ومدكور ثابت، غير أن الحدث الأبرز تمثل في توقيع اتفاقية توأمة بين المهرجان ومهرجان "نانت" السينمائي؛ الأمر الذي يعني بداية الرحلة نحو تدويل مهرجان مسقط.

وفي تلك الدورة تقرر أن يقام المهرجان كل عامين عوضا عن عام واحد، على أن يشهد العام الذي لا يقام المهرجان فيه أسبوعا أو أسابيع سينمائية مميزة.

ومع بداية العام 2003 شهدت الدورة الثالثة للمهرجان أكثر من حدث مهم، ربما كان أبرزها الاهتمام والرعاية الرسمية من الحكومة العمانية للمهرجان ممثلة في وزارة التراث والثقافة (التراث القومي والثقافة وقتها)، إضافة إلى تكوين لجنة نقاد دولية بالتجاور مع لجنة التحكيم التي رأسها الممثل حسين فهمي، ومشاركة مخرجين عالميين على رأسهم الراحل مصطفى العقاد، فيما كان الفيلم اللبناني "لما حكيت مريم" لمخرجه أسد فولاذكار والذي حصد جوائز أحسن فيلم وأحسن إخراج وأحسن تمثيل نسائي، مفاجأة كونه أنتج بكاميرا الديجيتال وبتكاليف لم تتعد وقتها 15 ألف دولار.

"البوم": أول الغيث

وهنا طرح السؤال مجددا: متى يكون هناك فيلم عماني؟.

وزارة التراث والثقافة يومها بادرت بالإعلان عن تبنيها لتمويل إنتاج فيلم سينمائي عماني، ليدخل المخرج د. خالد عبد الرحيم مرحلة إعداد النص.

وعلى مدى العامين الماضيين وبالتعاون مع المخرج المصري د. محمد كامل القليوبي، أستاذ السيناريو والإخراج في معهد السينما بمصر، بدأت مراحل تنفيذ فيلم "البوم" أول فيلم سينمائي عماني والذي تم عرضه منذ أسابيع في افتتاح مهرجان مسقط السينمائي الدولي في دورته الخامسة.

و"البوم" هو اسم خليجي لنوع من السفن كالبغلة والسنبوق والجالبوت والغنجة؛ فعمان تملك امتدادا ساحليا كبيرا؛ الأمر الذي جعلها إحدى الدول البحرية بامتياز.

وتدور أحداث الفيلم في قرية للصيادين، على خلفية من حكاية شعبية يطلق عليها "أبو السناسل" عن مجموعة من الأقوياء يسيطرون على مقدرات أهل القرية في الخفاء، حيث يدور صراع خفي ينجم عنه موت أحد الصيادين قبيل ليلة عرسه.

محلية وعودة للأصول

ومن خلال الخطوط العامة للفيلم والتي تدور في قرية للصيادين يطلق عليها "البوم" تكشف الأحداث عن أن هناك أحد الأثرياء الذي يقف وراء كثير من الحوادث الغامضة التي تشهدها القرية ومن بينها اختفاء بعض الصيادين وتدمير بعض مراكب الصيد.

ومن خلال الأحداث تكون قصة الحب الجديدة بين الخطيبة التي فقدت خطيبها ووالد الخطيب موضوعا جديدا وجريئا تتطور معه أحداث الفيلم التي تكشف عن وجود صراع خارجي على مساحات الصيد وأماكنه من قبل شركات استثمار أجنبية كبرى، تستخدم أحدث السفن وتعمل على استمرار الخلافات والفتن بين أهل القرية التي ينزح الكثير من أبنائها الشباب إلى المدينة للبحث عن فرص عمل أخرى.

ولكن هاجس الأصالة يظل هو الأبرز؛ لذا تأتي النهاية لصالح انتصار الخير النابع من الأصالة ورجوع الأبناء إلى مهن الأجداد وتراثهم وتقاليدهم. وقد عبرت لقطة النهاية عن هذا الانتصار بعودة "البوم" يتهادى فوق مياه الخليج بدلا عن السفن الحديثة التي كانت تجور على الثروة السمكية في الأعماق وتقطع رزق الصيادين التقليدين على الساحل.

جمالية وخصوصية

وعلى الرغم من بساطة القصة وتقليديتها فإن الفيلم اتسم بمشهدية جمالية واضحة ساهم فيها جمال البيئة البحرية في عمان، فضلا عن إيقاع الحياة الهادئ الذي يحيل إلى جماليات أقرب للأسطورية.

غير أن العيوب التي ظهرت في نسخة الفيلم الأولى قللت من قيمة الفيلم إجمالا؛ إذ على الرغم من كونه باكورة الإنتاج السينمائي الدرامي فإن ذلك لا يمكن أن يكون سببا في ضعف التقنية والمعالجة وخاصة الموسيقى التصويرية التي اتسمت بكثير من العيوب، فمع الإمكانات الكبيرة في الإنتاج كان من الأحرى البدء من حيث انتهت السينما العربية، وليس شرطا أن يكون تأخر البدايات سببا في الانطلاق من نقطة الصفر.

الفيلم اشترك في بطولته كل من صالح زعل وسعود الدرمكي وسالم بهوان وزهى قادر وزكريا يحيى وعصام الزدجالي وفريدة نور، بالإضافة إلى أمينة عبد الرسول وبمشاركة الفنان المصري سعيد صالح.

مخرج الفيلم أكد أنه لم يكن يسعى لتقديم صيغة هوليودية في فيلمه، مشيرا إلى أن قوة "البوم" تكمن في محليته وكونه نابعا من البيئة العمانية ويحكي قصة بسيطة جدا تتحدث عن صيادين يعيشون في البحر.

ورغم أن هذا الموضوع تم تناوله ومعالجته تلفزيونيا، فإن الفيلم يعالج نفس القضية ولكن برؤية سينمائية؛ بمعنى أن المشاهد غير محتاج أن ينتظر إلى 15 يوما وأكثر من أجل أن يرى نهاية اللغز في الأعمال التلفزيونية. ثانيا الرؤية البصرية من خلال كاميرا السينما والصورة البصرية وجمالها مختلفة عن الرؤية البصرية في التلفزيون؛ بمعنى أنها أجمل مئات المرات، إلا أن ذلك لم يبرر وقوع الفيلم في عدد من المآزق التقنية والعيوب الفنية التي لم يكن وجودها مقبولا مع تجربة خالد السابقة.

كثيرون أكدوا على أهمية الفيلم كونه بسيطا ويحمل فكرة العودة للأصول، فهو عمل سينمائي واقعي قريب من الواقعية الإيطالية، مخلص في الحكي عن الناس، يمتاز بالجمالية المشهدية وجرأة الطرح وقادر على الدخول في مهرجانات أيضا.

كما أن الفيلم يحوي الخصوصية العمانية الواضحة فيه، كما ظهر تميز الأداء لدى زهى قادر وعصام يحيى اللذين برزا كنجمين سينمائيين متميزين.

وقد حقق الفيلم نتائج إيجابية كونه العمل الأول، منها تعرف الممثلين العمانيين وخوضهم تجربة الفن السابع وهي خطوة أولى ومقدمة لتقديم أعمال أخرى أنضج وأجمل وأفضل للجمهور العماني والعربي.

ورغم بعض العيوب الفنية المتمثلة بالصوت والمؤثرات الصوتية التي ظهرت في الفيلم ومن المتوقع معالجتها، فإن ذلك لم يمنع من كونه حصل على استحسان الجمهور العماني والعربي الذي شاهده في المهرجان.

سؤال معلق

بقي أن نشير إلى أن الفيلم ورغم نجاحه كهدف في إنتاج فيلم سينمائي عماني فإنه كان مدعاة للسؤال الأهم، وهو: كيف يمكن قيام صناعة سينمائية في بلد لا يتجاوز تعداد سكانه المليونين ولا توجد به أكثر من عدة دور عرض لا تتجاوز أصابع اليدين؟.

وهل يمكن لهذا الفيلم أن يحقق الإيرادات المطلوبة ليكرس لسينما جديدة في المشرق العربي أم أنه فقط فيلم احتفالي في صيغة العمل الأول ليس أكثر؟.

سؤال جديد معلق ربما تجيب عليه الأيام المقبلة. وإن كان حديث المخرج يشير إلى أنه فيلم مهرجانات، أي إن هدفه ليس تسويقيا بحال من الأحوال.

بقي أن نقول إن الفيلم ما زال ينتظر رأي السينمائيين العرب حيث من المتوقع أن يستقبلوه بفرح شديد كونه بدايات الإنتاج السينمائي العماني.


ناقد فني مصري.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم