|
| أين تأخذ أقلام الكتاب لبنان ؟
|
بسريان قرار مجلس الأمن بوقف "الأعمال القتالية" بين المقاومة اللبنانية وإسرائيل، بدأت أصداء ما بعد وقف القتال تتبدى في الصحافة العربية، لتنتقل من تغطية المعركة إلى الحديث عن "ما بعد المعركة" واستحقاقات المرحلة القادمة.
وقد سيطرت على مساحات الرأي والمقالات تساؤلات عن مجموعة من النقاط الرئيسية، في مقدمتها:
1. المساءلة: حيث تفرض مسألة محاسبة المقاومة ومدى مسئوليتها عما جرى نفسها، ما بين مؤيد لهذه المحاسبة عما لحق بلبنان من الدمار، وبين رافض لهذا المبدأ؛ فالمحاسبة تكون للمتسببين في الهزيمة وليس الانتصار.
2. ما بعد الحرب: ما مستقبل لبنان، وبخاصة المقاومة؟ وهل تظل محتفظة بسلاحها أم لا؟.
3. مستقبل المنطقة: يتجاوز البعض الحديث عن مستقبل لبنان إلى التساؤل عن مستقبل المنطقة ككل، وما هي أقرب السيناريوهات للتحقق على أرض الواقع؟.
بسط السيادة
بعض مقالات جريدة "الحياة اللندنية" حاولت قراءة أبعاد الحرب؛ ففي مقال بعنوان: "مسار الحوار الوطني قبل الحرب على لبنان وبعدها" (14-8-2006) تساؤل "فوزي زيدان" عن سبب عدم نجاح الحوار الوطني اللبناني رغم تفاؤل اللبنانيين به، وخلص إلى أن عدم قدرة الحوار على الوصول إلى حلول جذرية يرجع إلى أن الجميع كانوا بانتظار إغلاق الملفات الساخنة في المنطقة، من العراق إلى فلسطين إلى الملف النووي الإيراني؛ لذلك فقد أخفق المتحاورون في الوصول إلى اتفاق حول سلاح المقاومة أو التغيير الرئاسي أو غيرها من القضايا الأساسية.
ويرى الكاتب أن ما جرى هو حرب إقليمية - دولية بين المحور السوري-الإيراني الحليف لحزب الله والمحور الأمريكي-الإسرائيلي المعادي له، وإن كلا من إيران وسوريا أفادت من هذه الحرب وكان الخاسر الأكبر هو لبنان.
لذلك يرى الكاتب أن على السياسيين اللبنانيين كافة التخلي عن أنانيتهم و"تحالفاتهم الخارجية"، وأن عليهم جميعا مؤازرة الدولة لبسط نفوذها وسيادتها على الأرض، وإنهاء معاناة اللبنانيين.
وفي الجريدة نفسها كتب الكاتب العراقي "صلاح النصراوي" مقالا بعنوان "مأزق حزب الله ومأزق المنطقة" (14-8-2006) حاول فيه رصد الأسباب التي تجعل من حزب الله -في رأيه- في مأزق في الوقت الراهن.
فالحرب وفقا للكاتب هي أول حرب في تاريخ الصراع العربي-الإسرائيلي يخوضها حزب أصولي ضد الدولة العبرية بعد أن كانت الحروب بين الدول العربية وإسرائيل، وبالتالي يكون المأزق الأساسي لحزب الله هو أن عمليته جاءت في وقت رأت فيه الأنظمة العربية تطبيقا لأجندة إيرانية-سورية غير متوافقة مع أجندتها، كما أن الأنظمة تنظر إلى هذا الحزب كحزب أصولي من شأن نجاحه أن يعزز الحركات الأصولية المعادية.
ويرى الكاتب أن كل حرب خاضها العرب مع إسرائيل كشفت عن إحدى عللهم والحرب الحالية كشفت عن أخطر العلل العربية على الإطلاق، وهي الانقسامات المذهبية والطائفية.
أما الكاتب اللبناني "زهير قصيباتي" فكتب تحت عنوان "حزب الله بين شرعيتين" (14-8-2006) حيا عبره شجاعة حزب الله في إعلانه استعداده لقبول نشر الجيش اللبناني في الجنوب رغم أن هذا سيعني تسليم "ورقة السلام" في الجنوب، إضافة إلى إبعاد مقاتلي الحزب عن "الخط الأزرق".
ويتساءل الكاتب عما إذا كان الحزب على استعداد ليقبل بنفس القدر من الشجاعة نزع سلاحه وفقا للقرار 1701 "ليس استجابة أو ركوعا عند رغبات الأمريكي والإسرائيلي، بل لمواجهة ما سمي لحظة الحقيقة لإنقاذ تجربة التضامن الشعبي والحكومي مع المقاومة".
هزيمة أم انتصار؟
|
| تضاربت أقلام الكتاب في توصيف واقع لبنان فكيف سيكون المستقبل؟ |
ركزت جريدة "الشرق الأوسط" السعودية على فكرة المحاسبة مرة أخرى، فكتب رئيس تحريرها عبد الرحمن الراشد مقالا بعنوان "من يدفع ثمن الهزيمة؟" (14-8-2006) تساءل فيه: لماذا يخضع رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت للمحاسبة من قبل حكومته وأعضاء الكنيست والرأي العام الإسرائيلي، في حين لا تحدث محاسبة مماثلة على الجانب اللبناني لمن تسببوا -وفقا للكاتب- بـ"خراب" لبنان.
أما الكاتب الإيراني "سيد عطا الله مهاجراني" فكتب مقالا تحت عنوان "معنى الحرب" (14-8-2006) تساءل فيه عن معنى خوض الحروب، واستشهد بمقولة ونستون تشرشل "الحرب غير ضرورية"، وهو ما ينطبق -في رأي الكاتب- على الحرب بين لبنان وإسرائيل؛ فهي ليست حربا لاستعادة الجنديين الإسرائيليين اللذين أسرهما حزب الله.
ويرجع "مهاجراني" أسباب الصراع إلى أسباب دينية لاهوتية تتعلق بما يؤمن به المحافظون الجدد وحلفاؤهم في إسرائيل.
أما الكاتب طارق الحميد فقد كتب معلقا على خطابي الرئيسين السوري والإيراني بعد الحرب مقالا بعنوان "بالفعل إنها حفلة تزوير" (16-8-2006) أكد على أن الحرب التي جرت في لبنان هي حرب إيرانية-سورية بالأساس ينفذها حزب الله بالوكالة. مؤكدا أن العرب جميعا سيدفعون ثمن الحرب خاصة الرافضة لـ"المغامرات والمغامرين"، على حد قوله.
وبنفس المنطق كتبت الصحفية اللبنانية "سناء الجاك" في نفس الجريدة مقالا بعنوان "دولة السيد" (16-8-2006) تناولت فيه خطابات السيد حسن نصر الله في أثناء وبعد الحرب.
وترى الكاتبة أن أسلوب السيد في خطاباته بعد الحرب يختلف عن مفردات خطابه خلالها؛ فخطابات الـ"بعد" -وفقا للكاتبة- قام خلالها السيد بإلغاء دور الدولة اللبنانية ومؤسساتها لصالح شحن الجماهير في صفه.
وتتساءل الكاتبة عما إذا كان السيد سيقبل المسألة وأن تعاد إليه نفس الأسئلة التي وجهها لمنتقدي حزبه مثل: "هل يعتبر أن مواطنا لبنانيا من عامة الشعب يملك الحق بسؤاله إذا كان في انتصاره الإستراتيجي والتاريخي، تمكن من حماية لبنان؟ هل استعدنا مزارع شبعا والأسرى؟ كما ترى الكاتبة أن ما نجح في وقف إطلاق النار هو المعركة الدبلوماسية التي خاضها بنجاح رئيس الوزراء فؤاد السنيورة.
"انتصرنا"
الاحتفاء بصمود المقاومة اللبنانية واعتبار إنجازها انتصارا للأمة بأسرها كان محورا لعدد من الصحف العربية؛ فصحيفة الوفد المصرية المعارضة تصدرتها صورة رئيس الوزراء الإسرائيلي "إيهود أولمرت" ومانشيت "نهاية الأسطورة". أما جريدة الكرامة المعارضة فتصدرتها صورة نصر الله ومانشيت "انتصرنا" (15-6-2006)، وهو ما ذهب إليه الكاتب المصري "فهمي هويدي" في مقال له بجريدة "أخبار الخليج" بعنوان "آن لزمان الضفادع أن يولي" (15-8-2006) انتقد فيه من لا يرون حقيقة انتصار المقاومة في جنوب لبنان، معتبرا أننا نعاني أزمة ضمير وافتقاد بصيرة، ويستشهد بمقالات لصحفيين ومعلقين سياسيين وعسكريين إسرائيليين الذين اعتبروا أن ما حدث في جنوب لبنان هو "زلزال في الجيش".
واعتبر هويدي أن هذه الشهادات الإسرائيلية ليست اعترافا بالهزيمة على يد المقاومة فحسب، بل الأمر تعدى إلى اتهام بعض الإسرائيليين للولايات المتحدة بتوريط إسرائيل.
ماذا بعد؟
جريدة الأهرام المصرية ركزت أغلب مقالات كتابها على محاولة استشراف مستقبل المنطقة بعد انتهاء الحرب على لبنان، وهي وإن اختلفت أطروحات كتابها فإنها جميعا اتفقت على حد أدنى وهو أن معركة لبنان ستغير وجه المنطقة بشكل عام؛ ففي مقال بعنوان "العالم العربي الجديد" (16-8-2006) كتب "محمد فريد خميس" المقاومة اللبنانية امتلكت ميزة مهمة وهي ما قدمته للشعوب العربية من احتواء الخوف من المشروع الصهيوني، وغيرت مقصد الإدارة الأمريكية ومشروعها في إقامة شرق أوسط جديد.
ويرى الكاتب أنه لا بد من استثمار إنجاز المقاومة عربيا؛ وذلك بتأسيس إستراتيجية عربية جديدة، وأن هذه الإستراتيجية لا بد أن تكون "متعددة الأبعاد" تتجاوز الاندفاع والمغامرة، وسياسات رد الفعل.
أما خبير القانون الدولي الدكتور "فؤاد عبد المنعم رياض" فركز في مقاله "جريمة الإبادة الإسرائيلية وضرورة ملاحقة مرتكبيها" على رؤية القانون الدولي لحرب لبنان، معتبرا أن ما قامت به القوات الإسرائيلية في لبنان كشف عن استخفافها بحياة الإنسان العربي، ويرى الكاتب أن المؤسسة الدولية لم تستطع وقف العدوان؛ لأنها تخلت عن الدور المنوط بها وصارت أداة في يد القوى العظمى لتحقيق مصالحها. ويذهب الكاتب إلى القول إنه لا بد من إيجاد آلية جديدة للتمكن من محاكمة القادة العسكريين والسياسيين الإسرائيليين ومحاكمة المسئولين الأمريكيين أيضا بوصفهم شركاء في هذه الجرائم.
رؤية لبنانية
أما الصحافة اللبنانية فكان الملاحظ تركيزها على الوحدة ومستقبل القوى اللبنانية المختلفة بعد الحرب؛ ففي جريدة "السفير" طرح الكاتب "وسام سعادة" في مقال بعنوان "طائفة التسيير الذاتي باستئناف التاريخ القدسي" (17-8-2006) تساؤلات عن مستقبل الطائفة الشيعية في لبنان؛ إذ يرى الكاتب أن المفتاح لفهم المسألة الشيعية في لبنان هو أن هذه الطائفة جمعت بين كونها الطائفة "المحرومة" وفي ذات الوقت الطائفة المقاومة للاحتلال، ويرى الكاتب أن التعامل مع هذه الطائفة لا يجدي فيه "المسكنات" كالحوار الوطني مثلا؛ بل لا بد من إدراك معادلتها الحقيقية.
ويرى الكاتب أن خطورة المسألة الشيعية هي ليس في كونها ردا على "المسألة المارونية" التي سادت لبنان لفترة طويلة فحسب، ولكن لأن تحقيقها لـ"التسيير الذاتي" يجعلها هي التي تقرر ما الحرب وما السلم في هذا البلد.
أما في جريدة النهار فكتب المطران الأرثوذكسي مقالا بعنوان "المقاومة ولبنان الآتي" (12-8-2006) تناول فيه مستقبل المقاومة الإسلامية في لبنان بعد انتشار الجيش والقوات الدولية في الجنوب؛ إذ يرى أن المقاومة باقية طالما ظلت مزارع شبعا محتلة.
كما يسعى المطران إلى الإجابة عن عدد من الأسئلة المطروحة بعد الحرب في مقدمتها: لماذا لا تنضم المقاومة إلى الجيش؟ ويجيب أنها بذلك تكون قد وضعت حدا لحرب العصابات التي انتصرت من خلالها، وبذلك لن تضيف إلى الجيش شيئا. وينتقد الكاتب اللوم الموجه إلى المقاومة.
"إسرائيل ما بعد الحرب"
أما الكاتب اللبناني مؤسس صحيفة السفير طلال سلامة فقد اهتم في مقاله بنفس الصحيفة "بعد انتصار لبنان.. لم تعد إسرائيل إسرائيل" (17-8-2006) بمحاولة قراءة أثر الانتصار اللبناني على مستقبل إسرائيل؛ فهو يرى أن النصر له آباء عدة أما الهزيمة فيتيمة حيث يتحمل فرد واحد مسئوليتها، أما انتصار المقاومة فكل يسعى الآن إلى أن يكون شريكا فيه حتى هؤلاء الذين شككوا في المقاومة وقدراتها.
ويرى الكاتب أن قرار مجلس الأمن رقم 1701 رغم الملاحظات عليه فإنه جعل الكيان الصهيوني محاطا على حدوده بقوات دولية، سواء تلك الموجودة في سيناء أو خليج العقبة أو أممية كما في جنوب لبنان.
وأضاف أن إسرائيل ستعيش رعبا من بسالة الشعب الفلسطيني، ولعلها تطلب غدا قوات دولية وهي التي تملك واحدا من أقوى جيوش العالم. ويختم: "لبنان بعد المعركة غير لبنان الذي كان، وإسرائيل لم ولن تعود أبدا إسرائيل التي كانت".
|