|
مضت مصر في القرن الرابع عشر الهجري في طريق الإصلاح، وتلمست النور في وسط دياجير الظلام، ولاح لها شعاع الفجر خافتًا، ثم ما لبث أن قوي النور وسطع حتى أشرق الصباح، وكان يحمل مصابيح الهداية والنور نفر من أبناء مصر الكرام، أضاء كل منهم جانبًا من جوانب الحياة، وجلا غامضها؛ فازدهر الأدب، وانتعشت العلوم، وارتقت الصنائع، وتغير وجه الحياة على أرض مصر.
وكان جلاء التاريخ وإبراز أيامه وأمجاده من الجوانب التي اشتغل بها نخبة من رجال الفكر، وظهرت مدونات التاريخ تترى على نحو جديد، في بيان مشرق وفكر واضح وتسلسل منطقي للأحداث.
ولمع كوكبة من المؤرخين النابهين بعد "علي مبارك باشا " رائد النهضة وصاحب الخطط التوفيقية والعمل الموسوعي الفذ. وكان من هؤلاء: محمد الخضري، وعمر طوسون، وعبد الرحمن الرافعي، وأحمد كمال باشا، وسليم حسن، وأمين سامي، ومحمد شفيق غربال، وعبد الرحمن زكي، وغيرهم.
وكان ممن أسهم في إثراء حركة التاريخ أحمد شفيق باشا بكتابات رائدة، وإرساء مناهج وطرق جديدة في العرض لم يطرقها قبله أحد.
المولد والنشأة
في حي السيدة زينب بمدينة القاهرة ولد أحمد شفيق بن حسن موسى في (8 من ذي القعدة 1276هـ= 28 من مايو 1860م)، ونشأ في أسرة كريمة، قريبة من ذوي النفوذ والسلطان، وقد عني أبوه به، فألحقه بالكتاب حيث حفظ القرآن، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة والحساب، ثم انتقل إلى مدرسة المبتديان، وتلقى فيها التاريخ والجغرافيا، والحساب والهندسة، واللغة العربية والخط، ودرس اللغة التركية والإنجليزية والفرنسية والألمانية.
وبعد عامين من الدراسة انتقل إلى المدرسة التجهيزية وظل بها عامًا، ثم نقل إلى مدرسة القبة؛ حيث أنهى بها تعليمه الثانوي، ثم سافر إلى فرنسا لاستكمال تعليمه سنة (1303هـ= 1885م)، حيث درس بكلية الحقوق بباريس، القانون والاقتصاد والعلوم السياسية.
في معترك الحياة
رجع أحمد شفيق إلى مصر في أخريات حكم الخديوي توفيق، فعمل سكرتيرًا لناظر الخارجية، ثم عين رئيسًا لقلم الترجمة بالقصر سنة (1310هـ= 1893م) بعد تولي الخديوي عباس حلمي حكم مصر، حيث أنس فيه الكفاءة والقدرة وحسن التصرف، ثم جعله سكرتيرًا خاصًا له سنة (1315هـ= 1897م) بعد أن ازدادت ثقته فيه، وعهد إليه بمهام وسفارات صعبة كان يؤديها على خير وجه، كما كان يؤازره في نضاله ضد الاحتلال البريطاني، ثم أسند إليه رئاسة الديوانين العربي والإفرنجي في سنة (1323هـ= 1905م).
إدارة ديوان الأوقاف
ترك أحمد شفيق المعية الخديوية، وأسندت إليه إدارة ديوان الأوقاف الأهلية سنة (1328هـ= 1910م) للاستفادة من خبرته وقدرته على إصلاح ديوان الأوقاف الذي أوشك على الإفلاس، فكان عند حسن الظن به؛ فنهض بالعمل، ووضع اللوائح التي تنظم سيره، وقضى على الفساد المستشري في الإدارة، وبدأت ثمار عمله تظهر؛ حيث تحسنت الأراضي الزراعية.
كما أنشأ الشعبة الأزهرية للارتقاء بالوعظ والخطاب في المساجد التابعة للإدارة، وامتدت يده إلى المساجد الكبيرة فأدخل إليها الكهرباء، وفرشها بالبسط، وشيد مبنى ضخمًا لطلاب المعهد الديني بطنطا، وكانوا يتلقون دراستهم في الجامع الأحمدي، وأنشأ معهدًا آخر في دمياط.
وكان أحمد شفيق نزيه الخلق، أمينًا على المال العام، حريصًا على حمايته من أيدي المغتصبين، مهما كانت مناصبهم؛ فحين أرادت إدارة ديوان الأوقاف أن تشتري أرضًا مملوكة للخديوي عباس بثمن يفوق قيمتها الحقيقية، رفض أحمد شفيق عملية الشراء إلا بعد تشكيل لجنة لتقييم الأرض وتحديد سعرها، ولما حاول الخديوي إغراءه بالمال أو المنصب ازداد رفضه وأصر على موقفه من عدم إتمام الشراء.
وقوفه مع الخديوي
وبعد نشوب الحرب العالمية الأولى خلع الإنجليز الخديوي عباس حلمي من منصبه في (غرة صفر 1323هـ= 19 من ديسمبر 1914م)، وكان آنذاك في الأستانة، فسافر إليه أحمد شفيق ليكون بجواره في محنته، وكان رسوله ومبعوثه في مهام كثيرة إلى ملوك أوروبا وساستها من أجل استعادة العرش المسلوب، وظل معه حتى سنة (1340هـ= 1921م)، ثم عاد إلى مصر لتبدأ مرحلة جديدة في حياته، أكثر خصوبة في الإنتاج، وأشد تأثيرًا في ميدان العلم والثقافة.
في ميدان التعليم
بدأت بوادر عناية أحمد شفيق بجوانب الإصلاح منذ وقت مبكر، حيث كان واحدًا ممن أسهموا في صدور القانون رقم (1) لسنة 1908م، الخاص بإصلاح الأزهر؛ حيث نص القانون على إنشاء مجلس أعلى لإدارة الأزهر يرأسه شيخ الجامع، ويتألف من ستة أعضاء، يقوم بوضع ميزانية الأزهر، والإشراف على معاهده، وتنظيم الدراسة به.
وكانت له يد مشكورة في إنشاء الجامعة المصرية ، وانتخبه مجلس إدارتها وكيلا لها، كما ترأس المؤتمر الذي عقدته نقابة المعلمين سنة (1344هـ= 1925م) لإصلاح التعليم، ودراسة أساليب النهوض به، وكانت له آراء إصلاحية تتمثل في دعوته إلى جعل التعليم الأَولي إجباريًا، والإسراع في إنشاء بنية تعليمية لاستيعاب المتقدمين، ولو اقتضى الأمر إقامة أبنية من خشب تغطى بالحصير.
وكان مؤمنا بسياسة الانتقاء والاختيار من الحضارة الغربية، لا أن نأخذ كل ما فيها بحلوها ومرها وخيرها وشرها، ويقول في ذلك: "... وجب على الشرقي أن يأخذ عنهم فضائل هذه الحضارة، فيأخذ عنهم العلم المهذب المصفى، والاقتصاد والعناية بالصحة، ومعرفة الواجب والمحافظة على الوقت واستثماره في النافع...".
مؤلفاته العلمية
بعد رجوع أحمد شفيق إلى مصر سنة (1340هـ= 1921م) تفرغ للقراءة والتأليف، وشهدت الفترة التي امتدت حتى وفاته إنتاجًا خصبًا، وشغل نفسه بالكتابة التاريخية، وبدأ في نشر مذكراته عن الفترة التي عاشها قريبًا من السلطة والحكم، وهي فترة طويلة تمتد لنصف قرن، وصدرت المذكرات في ثلاثة أجزاء وأربعة مجلدات. يتناول الجزء الأول من سنة (1290هـ= 1873 م) إلى وفاة الخديوي توفيق في (جمادى الثانية 1309هـ= يناير 1892م)، والجزء الثاني (1309هـ= 1892م) إلى سنة (1333هـ= 1914م)، ويقع في قسمين. أما الجزء الثالث فقد خصصه للفترة من سنة (1334هـ= 1915م) إلى سنة (1342هـ= 1923م).
حوليات مصر السياسية
أما أضخم أعماله فهي حولياته السياسية التي صدرت في عشرة أجزاء، ضمت 10500 صفحة، وزينها بمئات الصور الوثائقية، وقد بدأها بأحداث سنة (1343هـ= 1924م) حيث انعقاد مجلس النواب المصري، فأصبح عام انعقاده عامًا تاريخيًا في حياة الأمة المصرية.
وقدم شفيق للموسوعة بمقدمة طويلة بلغت مجلدين، سجل فيها تاريخ مصر منذ عهد محمد علي حتى سنة (1343هـ= 1924م)، وسجل في حولياته أحداث كل سنة، ووقائعها التاريخية التي تنشرها الجرائد والدوريات، فأصبحت كأنها جريدة الجرائد تحوي حوادث العصر ووقائعه ووثائقه من خطب ومراسلات ومحادثات تعين الباحثين للرجوع إليها بدلا من مراجعة مطولات الصحف.
وإلى جانب ذلك ألف بالفرنسية كتاب "الرق في الإسلام"، و"مصر الحديثة والنفوذ الأجنبي بها"، وله أيضًا "قناة السويس مفخرة القرن التاسع عشر"، و"أعمالي بعد مذكراتي"، وقد نشر بعد وفاته.
وفاته
وبعد حياة مليئة بالعمل الجاد في خدمة الوطن تُوفِّي أحمد شفيق في (15 من رمضان 1359هـ= 17 من أكتوبر 1940) عن عمر بلغ ثمانين عامًا.
هوامش ومصادر:
- عبد العزيز الرفاعي ـ أحمد شفيق المؤرخ، حياته وآثاره ـ الدار المصرية للتأليف والترجمة ـ القاهرة ـ بدون تاريخ.
- أنور الجندي ـ أضواء على الأدب العربي المعاصر ـ دار الكتاب العربي للطباعة والنشر ـ القاهرة ـ (1388هـ= 1916م).
- محمد سيد الكيلاني ـ عباس حلمي الثاني ـ دار الفرجاني ـ ليبيا ـ (1412هـ= 1986م).
- خير الدين الزركلي ـ الأعلام ـ دار العلم للملايين ـبيروت (1406هـ= 1986م).
باحث مصري في التاريخ والتراث.
|