English

 

الأحد. يوليو. 18, 2004

ثقافة وفن » تراث وحضارة

 
   
روابط من إسلام أون لاين

حركة الجنائز للعتبات المقدسة

حامد محمود

وادى الغرى
روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب –كرم الله وجهه- أنه أراد الخلوة بنفسه فأتى إلى طرف الغري، فبينما هو ذات يوم هناك يشرف على النجف وإذا برجل قد أقبل من البرية راكبًا ناقة وقدامه جنازة، فحين رأى عليًا قصده حتى وصل إليه وسلم عليه فرد عليه، وقال له الإمام علي: من أين؟ قال: من اليمن. قال: ما هذه الجنازة؟ قال: جنازة أبي جئت لأدفنه في هذه الأرض فقال له علي: لم لا تدفنه في أرضكم؟ قال: أوصى أبي بذلك، وقال أن يدفنه هناك رجل يدخل في شفاعته مثل ربيعة ومضر فقال له علي: أتعرف ذلك الرجل؟ قال: لا، فقال علي: والله ذلك الرجل أنا، قم فادفن أباك...".

سر حركة الجنائز

ظهرت في الإسلام الشيعي ظاهرة مدن العتبات المقدسة بوصفها الأرض المفضلة لدى المؤمنين الشيعة الذين كانوا يطمعون في قضاء الفترة الممتدة بين الموت والانبعاث قرب أئمتهم، وكان تطور هذه الممارسة يجسد مخاوف بني البشر من الآخرة، كما كان يعكس فكرة المؤمنين الشيعة عن الموت وصورتهم عن الأئمة بصفتهم قادرين على الشفاعة لهم يوم القيامة.

ويقول الشيعة إن علي بن أبي طالب –كرم الله وجهه- كان أول شيعي نقل جثمانه من قبره الأصلي ودفن في النجف، ورغم أن الشيعة بدءوا فيما بعد نقل الجنائز إلى النجف وغيرها من مدن العتبات المقدسة فإن هذه الممارسة لم تتطور على نطاق واسع للغاية إلا بعد قيام الدولة الصفوية في إيران وتشيع الإيرانيين واكتسبت حركة الجنائز زخمًا جديدًا في القرن التاسع عشر مع تشيع كثير من عشائر العراق.

وكانت المقابر المقدسة الرئيسية حسب أهميتها هي: مقبرة وادي السلام في النجف، ومقبرة وادي الإيمان في كربلاء، ومقابر قريش في الكاظميين ببغداد، ومقبرة الكارمة بسامراء.

وكانت جثث الشخصيات المرموقة أو الغنية بصفة خاصة تدفن في جدران الأضرحة نفسها.

وتعد النجف هي أكثر مدينة من مدن العتبات المقدسة التي برزت بوصفها نقطة الجذب الرئيسية التي يتجه إليها القسم الأعظم من حركة الجنائز الشيعية، وأصبحت مقابرها الأكثر قدسية عند المؤمنين الشيعة الأتقياء، وكان هذا في جزء منه نتيجة المعتقدات السائدة بين الشيعة التي صورت علي بن أبي طالب على أنه السند والعون والشفيع الأقوى تأثيرًا لصالح المؤمنين الأتقياء، سواء بعد وفاتهم مباشرة أو حين يحاسبهم الملكان (نفير ونكير) على أعمالهم أو في يوم القيامة.

فعلى سبيل المثال يروي أحد الأحاديث الشيعية أن الدفن بجوار علي سينهي محنة الميت في القبر، ويقلص الفترة الفاصلة بين الموت والقيامة. وكما يروي حديث آخر منسوب للإمام جعفر الصادق –الإمام السادس عند الشيعة- أن اليوم الواحد بجوار علي خير من سبعمائة عام من التعبد.

من طقوس حركة الجنائز

وبتشيُّع غالبية سكان إيران في القرن السادس عشر أصبحت مدينة النجف وكربلاء مركزًا للتعبد لأعداد كبيرة من الإيرانيين الذين كانوا ينقلون موتاهم وجنائزهم إلى المدن المقدسة بالعراق، كما أفتى بذلك المجتهد النجفي الكبير جعفر كاشف الغطاء المتوفى عام 1812، وشجع ذلك علماء الشيعة في العراق على نقل الجنائز إلى هذه المدن كمركز لتفاني المؤمنين الشيعة حتى وصلت إلى 20 ألف جنازة من داخل وخارج العراق في أواخر العهد العثماني (وتحديدًا فترة الحرب العالمية الأولى 1914).

وقد ترسخت تلك العادة (حركة الجنائز) كجزء لا ينفصل من حياة العشائر العربية بالعراق التي أصبحت تعد التزامًا قويًا لهم؛ حيث توجب عليهم مساعدة أبناء العشيرة في تحمل تكاليف الجنازة بما فيها الرحلة إلى مدن العتبات المقدس، وكذا مجالس العزاء التي تقام للمتوفى، وذلك بالمساهمة في جمع مبلغ كاف لنقل الجنازة إلى النجف أو أي من العتبات المقدسة.

وكانت لكل عشيرة من عشائر العراق أماكن خاصة بها في مقبرة وادي السلام بالنجف لدفن موتاها، بينما توجد فئات أخرى بمدن العتبات المقدسة تعتمد على حركة الجنائز كمصدر للرزق؛ حيث كان هناك مقاولون لنقل الجنائز وجمعها في مواقع مختلفة مقابل أتعابهم التي يتقاضونها من أهل المتوفى، بينما يتواجد قرب المقابر صناع الأكفان وحفارو القبور والخدام العاملون في الأضرحة (السدنة)، وكذلك العلماء والطلاب المرتبطون بحركة الجنائز بشكل وثيق، بينما يرافق الجثة قبل دفنها في القبر من يقومون على غسلها والذين يتلون الآيات القرآنية؛ حيث كانوا يطوفون مع الخدم حول ضريح المتوفى، لا سيما إذا كان من الشخصيات المهمة، وهو عمل يعد ثوابًا للمتوفى، بينما يقوم الطلاب على تنظيف وتجديد السراج وتلاوة الصلوات على القبور مقابل أجر يحصلون عليه من السادن الذي يحصل على الأتعاب كلها دفعة واحدة ثم يقوم بتوزيعها على الخدم والطلبة.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم