|
دايرين السلام..
صفوا الضمير خلو التنمية تنشال..
جبل مرة أبو خضارا شال..
ألفى أنجلا ارمو السلاح اتحنوا..
سودانا هنيا فيه نعم الصبيان..
تلك كانت أغنية فتيات دارفور اللاتي توافدن مع أمهاتهن إلى ملعب كرة القدم بمدينة الفاشر (ولاية شمال دارفور) ليشهدن حفل تخريج دفعة جديدة من حافظي القرآن.
شاهد واستمع للقطات فيلمية من دارفور:
|
نمط حياة ألفه الدارفوريون منذ دخولهم الإسلام طوعا في القرن الثالث الهجري؛ فقد وجهوا جهودهم لحفظ القرآن وتلاوته واشتهروا بكثرة الحفاظ، فالدارفوري -حتى وقت قريب- كان يقدم الزرع والعلم الشرعي للسودان عبر الخلاوي التي دأب سلاطينهم المتعاقبون على إقامتها دليلا على صلاحهم.
توالت رقصات الفتيات وأناشيدهن احتفالا بألف حافظ وحافظة للقرآن، وكان المشهد -في رأيي- أقرب لرد عملي على ادعاءات الإبادة والتطهير العرقي والاغتصاب؛ فالملعب الممتلئ بالبنات والنساء والأطفال ورجال الإدارة المحلية يحوي بداخله أبناء وبنات الزغاوة والمساليت والفور إلى جوار الرزيقات والمحاميد من العرب.
سلاطين دارفور لقطات من التاريخ
دخل الإسلام للسودان عام 31 للهجرة عن طريق اتفاقية البقط بين عبد الله بن أبي السرح وعظيم النوبة في دنقلة، وخلال 300 عام من هذه الاتفاقية تغلغل الإسلام رويدا رويدا إلى أهالي دارفور أسرع من النوبة، حيث نشأت أول سلطنة إسلامية في هذه المنطقة في القرن الثالث الهجري وهى سلطنة "الدايو" -قبيلة أفريقية. ورغم أن سلطنة الدايو حافظت بشكل أساسي على العادات والتقاليد الأفريقية واختلط فيها الإسلام بالتراث الأفريقي، من سحر وطبول ورقصات، برغم هذا فإنها أدخلت الشريعة الإسلامية كمكون أساسي للحياة في دارفور جنبا إلى جنب مع قانون دالي.
فكانت الأمور المتعلقة بالجرائم الجنائية من سرقة وقتل وزنا وغيرها يحتكمون فيها إلى قانون دالي، ويقوم على رعاية هذا القانون وتفسيره وتطبيقه أمين السلطنة الملقب بشيخ دالي. ووفقا لهذا القانون فقد كانت العقوبات تقدر بعدد من رءوس الماشية وفقا لفداحة الجرم؛ فالقتل مثلا كان له عدد من رءوس الأبقار والزنا كانت الأغنام كفيلة بإزالة آثاره.
وجاءت الشريعة الإسلامية فكان قاضي القضاة في السلطنة يقوم على رعايتها وتطبيقها في أمور مثل الزواج والطلاق والزكاة والحج والجهاد والمواريث والعقود وغيرها من الأمور الأخرى التي لا تدخل في النطاق الجنائي.
الحواكير رسخت للإسلام
وفى عام 1445م. تأسست مملكة الفور الإسلامية في دارفور أيضا، وبعد 200 عام فقط سلمت الفور قيادة دارفور إلى العرب عبر السلطان سليمان صولون وذلك عام 1640م. بسبب زواج أبيه من أميرة دارفورية من بيت السلطان فازدهرت الحضارة العربية في السلطنة.
ولكن السلطان عبد الرحمن الرشيد كان سبب الانتقال الحقيقي لهذا النفوذ في البلاط السلطاني بعدما بنى مدينة الفاشر عام 1792م. وجلب العلماء من الأزهر والدول العربية المجاورة لتعليم الناس أمور دينهم.
وفى عهد الرشيد انتشرت الخلاوي التي أوقف عليها الحواكير –وهي أراض زراعية يجعلها حكرا على شيخ الخلوة لينفق منها على تلاميذه وطلاب العلم وعلى شئون الخلوة- وكانت المراسيم السلطانية تمنع منعا باتا جباة الضرائب والخراج من أن يقتربوا من الحواكير أو أن يأخذوا منها شيئا.
ومع دخول العنصر العربي للحكم في دارفور تغيرت الألقاب في السلطنة ودخل لقب الأمين مكان شيخ دالي، والناظر وشيخ القبيلة مكان الألفاظ التي استعملت في السابق، واختفى تماما الحكم بقانون دالي عام 1812م. عندما أعدم السلطانُ محمدُ الفضل شيخَ دالي السلطنة بسبب صدام على النفوذ بين الرجلين، وبإعدامه أصبح المنصب والقانون في ذمة التاريخ وحكم العرب دارفور تماما.
ولكن التقليد الأساسي الذي احتفظ به سلاطين دارفور حتى سقوط السلطنة عام 1916م. هو تربية أبناء مشايخ القبائل داخل قصر السلطان، وكان ابن شيخ القبيلة عندما يحين دوره في قيادة قبيلته مكان أبيه يخرج من قصر السلطان في موكب خاص لينصب من قبل السلطان حال وفاة أبيه أو عجزه عن القيام بشئون القبيلة.
ولم تشهد دارفور طوال تاريخها تمييزا بين عرب وأفارقة في البلاط السلطاني، لا في عهد الأفارقة ولا في عهد العرب؛ فقد كان التعيين بالمناصب العليا في السلطنة وفقا للكفاءة والعلم ولم يعرف أي من الوزراء أو أصحاب المناصب العليا باسم قبيلته في دارفور.
من أنطق البندقية هناك؟
|
|
من أنطق البندقية
|
تختلف الروايات حول النزاع الأول الذي ظهر على السطح كحالة تستحق المعالجة الخارجية في دارفور، فوفقا لمدير مركز تراث دارفور محجوب الزين لم تسجل أول حالة تخطى فيها النزاع حدوده الطبيعية كخلاف صغير بين رعاة ومزارعين إلا عام 1968م. وكان خلافا عربيا عربيا -رعويا- بين الرزيقات والمعالية، وهو خلاف إداري وسياسي، حيث وعدت الأحزاب المعالية بالاستقلال عن إدارة الرزيقات وإعطائهم نظارة منفصلة من أجل كسب أصواتهم الانتخابية.
ولم يصبح حوار البندقية أصلا من أصول دارفور إلا بعد الحرب التشادية الليبية أواخر الثمانينيات، والحرب التشادية التشادية بعدها، ولم يعرف الجنجويد كمصطلح يطلق على اللصوص إلا بعد نزوح قبائل تشادية إلى دارفور؛ فالتسمية تشادية أصلا والمصطلح دخيل عليهم من تشاد -وهى كلمة مكونة من 3 مقاطع، هي: "جن" بمعنى رجل، و"جاو" أو "جي" ويقصد بها أن هذا الرجل يحمل مدفعا رشاشا من نوع "جيم 3" المنتشر في دارفور بكثرة، و"ويد" ومعناها الجواد.. ومعنى الكلمة بالتالي هو: الرجل الذي يركب جوادا ويحمل مدفعا رشاشا. فنزوح قبائل تشادية إلى دارفور غير من أخلاقيات سكانها وأدخل عليهم أساليب السلب والنهب المسلح وعلمهم حمل السلاح بعد أن كان تسليح الرجل لا يزيد عن البندقية الأنفيلد القديمة ليهش بها الذئاب عن غنمه.
فدارفور منذ نشأتها عرفت بالتسامح الذي جبلت عليه قبائلها -العربية منها والأفريقية- وكان مشهد التنقل من الجنوب إلى الشمال في فصل الخريف لدى الرحّل مشهدا دالا على التناغم والمحبة بين هذه القبائل التي تزيد على 85 قبيلة، وكانت له أسس وقواعد مرعية؛ فرحلة البدو لها وقت محدد ولها إذن أيضا يأخذونه من أصحاب الأراضي الزراعية.
طرق سير القبائل الرعوية وهو ما يعرف بالمراحيل محددة من قبل السلطان وعددها 11 مرحالا، وعند بداية الرحلة ترسل القبائل المرتحلة مندوبا إلى القرى التي سيمرون بها لتعلمهم بوقت المرور فتخرج كل قرية لتستقبل ضيوفها وتقريهم وتقيم لهم الاحتفالات، وفى هذه الرحلات كان التزاوج متاحا بين القبائل، وكذلك التبادل التجاري، وقد يصل الأمر إلى "حلف الكتاب" وهى أقصى درجات الموالاة بين قبيلة وأخرى عندما تحلفان على أنهما أهل وأن الصلة بينهم صلة دم.
هذه المشاهد كان يعكر صفوها أحيانا بعض التعديات البسيطة بين قبيلة وقبيلة ولكنها سرعان ما تحل "بالوطي والركوبة ومجلس الأجاويد". والوطي هي الأرض يجلسون عليها ليعرض كل منهم مشكلته، أما الركوبة فهي مكان كبير واسع يبنى من القش تعقد بداخلة الجلسات، وأما الأجاويد فهم نظار القبائل وشيوخها وأهل الحل والعقد وكلمتهم مسموعة وحكمهم نافذ يسمع له المخطئ ويرتضي به صاحب الحق.
وفى الركوبة تدفع الديات، وغالبا ما كان يتم الصفح عن المسيء على أن تتذكر قبيلة الجاني ما قدمته قبيلة القتيل إذا حدث تعد منها في يوم من الأيام باعتبار أن بينهما ركوبة، ويكون على القبيلة المخطئة أن تساعد القبيلة الأخرى في دياتها وتتكافل معها في مشاكلها الأخرى.
|