|
|
| ازدهار سوق الكتاب العربي والإسلامي في هولندا
|
تؤكد استطلاعات ميدانية أن سوق الكتاب العربي والإسلامي في هولندا شهدت في السنوات الثلاث الماضية استفاقة، ويؤكد صاحب إحدى المكتبات العربية في هولندا أن 11 سبتمبر -وإن كانت بمثابة الغيمة على سماء الإسلام والمسلمين، وخاصة الذين يعيشون في الغرب منهم- فإنها على الكتب الإسلامية كانت العكس، إذ شهد هذا المجال إقبالا منقطع النظير سواء من الهولنديين لرغبتهم في معرفة الإسلام، أو من الأجيال الجديدة من المسلمين التي ولدت وتربت في هولندا لبحث ومعرفة أمور دينها.
ويضيف الباحث الأكاديمي سفيان ثوري سرجار مترجم القرآن الكريم أن نسبة مبيعات ترجمة القرآن الكريم الصادرة عن المركز الثقافي الإسلامي بهولندا تضاعفت ثلاث مرات سنة 2002 عن السنة التي قبلها، وقد بلغ عدد الكتب المترجمة من العربية إلى الهولندية حوالي 5000 كتاب على عكس ما كانت تعيشه سوق الترجمة من حالة ركود في سنوات مضت، ولهذه الأرقام دلالة كبيرة إذا استحضرنا أن لغة مثل الهولندية لا يزيد نطاق تداولها وعدد قرائها عن 20 مليونا بين هولندا، وقسم من بلجيكا.
وتحتل كتب الرقائق والكتب التربوية أهمية لدى المترجمين لما تلقاه من إقبال لدى الشباب المسلم في الغرب المتعطش إلى معرفة دينه، وتضمنها لقضايا تدغدغ مشاعر المتحمسين الباحثين في ثنايا كتب الوعظ والإرشاد التي تترجم لهم بعد أن فقدوا معين اللغة العربية، ولما تجده هذه الكتب في الغالب من دعم من قبل جهات محسنة من داخل وخارج هولندا.
وتتسع مجالات الترجمة لتشمل كل مجالات اللغة العربية والعلوم الإسلامية، ويبرز على رأس الترجمات التي تمت إلى الآن ترجمة القرآن الكريم والحديث والعقيدة والفقه والتاريخ والقصص والأدب العربي.
رحلة في ترجمة القرآن
"ترجمة سريجار خطوة معبرة على المستوى الذي وصلت إليه الجالية الإسلامية في هولندا" بهذه الكلمات وصف المستشرق فاختن دنك dr. K. Wagtendonk الأستاذ بجامعة أمستردام ترجمة الأكاديمي الهولندي المتحدر من أصول إندونيسية سفيان سريجار التي جاءت لتحدث حالة من التنوع في ترجمات القرآن الكريم إلى اللغة الهولندية بعدما ظلت الترجمات التقليدية لعقود طويلة تتربع في السوق، كما حاولت ترجمة سفيان سريجار تجاوز المؤاخذات التي كانت توجه للترجمات السابقة.
صدرت ترجمة سريجار سنة 1996 في طبعتها الأولى، وأعيدت طباعتها للمرة الثانية سنة 1998 والثالثة سنة 2002، وتتميز عن غيرها ممّا عرفته الساحة الهولندية من ترجمات بالتركيز على نقل روح القرآن والمصطلحات الدينية بالإضافة إلى ما اتسمت به من السعي إلى نقل ثقافة بأكملها واصطلاحات لم يعهدها القارئ الهولندي من مثل تسمية المصطلحات الدينية بمسمياتها مع تضمين مدلولات وتعريفات متعارف عليها بين المسلمين، ويجهلها القاموس اللغوي الهولندي حتى يتم نقل الرسالة القرآنية بمعانيها الاصطلاحية لا اللغوية فقط.
ويذكر المؤلف أنه اضطر إلى الوقوف على هذه الترجمة؛ نظرا للسلبيات التي طالت الترجمات السابقة، مثل التجريد، والتحامل الواضح، وغياب الروح، والبعد الديني لهذه الترجمات مع إيراد واستعمال الألفاظ التي لا تؤدي الغرض والتركيز في الغالب على الترجمات اللغوية، مثل وصف الجنة بالحديقة والصلاة بالدعاء.. أو ترجمة أسماء الأعلام بما يوافقها من أسماء لاتنية.
وبالإضافة إلى ترجمة سريجار تبرز ترجمة ليم هاوس Leemhuis التي ظهرت في طبعتها الأولى سنة 1989 للمستشرق الهولندي "فريد ليم هاوس" الذي حصل على دكتوراة في علوم اللغة العربية من مصر، وقد ساعده معرفته باللغة العربية في الترجمة المباشرة عن النص العربي، وبين في مقدمة ترجمته أنه استعان بالتفاسير المشهورة والمعتمدة من أمثال الطبري والبيضاوي والجلالين والزمخشري وتفسير الرازي وعدد من الكتب الأخرى في معاني القرآن. كما حاول أن يستعمل اللغة الهولندية البسيطة والمعاصرة ليتدارك معوقات التطور الذي تشهده اللغة الهولندية والتغيرات التي تحدث فيها بين الحين والآخر والتي أصبحت حائلا دون التواصل مع الترجمات القديمة التي كتبت بها والتي لم تعد في متناول الأجيال الجديدة.
وتعتبر ترجمة "كرامر" Kramer Prof.dr. J.H. سنة 1956 من الترجمات التي نقلت عن العربية، وظلت إلى وقت قريب تلقى رواجا لدى الهولنديين الذين لديهم الرغبة في التعرف على القرآن الكريم، وهي موجهة إلى المؤسسات الأكاديمية ومراكز الدراسات الإستراتجية الاستشراقية بالدرجة الأولى وهي بمثابة ثمرة جهد لحملة من البعثات التي عرفها القرن العشرين، وقامت بها عدد من المؤسسات الأكاديمية المهتمة بثقافة الإسلام والعالم العربي والتي تسعى بمثل هذا الإنجاز إلى تحقيق ذاتها.
وسبقت الترجمات الثلاث الأخيرة ترجمة الأحمديّة 1934 والتي لم تجد لها رواجا داخل الجاليات الإسلامية ولا المؤسسات الأكاديمية لما عرف عن هذه الجماعة من انحرافات في منهج العبادة وفهمها للدين وهي من الترجمات الأوائل التي يحسبها عدد من الهولنديين من إفرازات الوجود الإسلامي في هولندا. وقد ترجم القرآن الكريم ثلاث عشرة مرة، تسع منها نقلت عن ترجمات مستشرقين غربيين وعن لغات أوربية أخرى (إنجليزية، فرنسية، ألمانية، وإيطالية)، أما الأربعة التي ذكرناها سابقا فتتأطر ضمن الترجمات الحديثة لمعاني القرآن ومأخوذة مباشرة من لغة القرآن الأصلية. هذا وقد تزامن التغير في منهجية الترجمة التي شهدها القرن العشرين مع وصول الوفود القادمة من الدول الإسلامية بهدف العمل ومع استعمار هولندا لواحدة من كبرى الدول الإسلامية (إندونيسيا)، ومع تخريج دفعات من المستعربين والمستشرقين في إطار الخطة التي انتهجتها الأكاديميات الهولندية في تشجيع الإرساليات وإنشاء المؤسسات والمعاهد والمراكز التي تبحث في التراث والثقافة الإسلامية.
ترجمة الحديث النبوي
ولضخامة مراجع الحديث وقلة المؤسسات الكبيرة القائمة على موضوع الترجمة من جهة ولضعف الدعم المادي الموجه لهذا الموضوع من جهة أخرى، فإن قضية ترجمة مراجع الحديث لم تحظ بالأهمية التي تستحقها، ومع ذلك فقد ترجم كتاب رياض الصالحين والأربعين حديثا النووية والأحاديث القدسية، وتم أخيرا ترجمة كتاب منهاج المسلم الذي أحدث ضجة كبيرة في الأوساط الهولندية لما تناوله الكتاب من أحاديث وآراء واجتهادات لكاتبه أبو بكر الجزائري لا تروق لثقافة المجتمع الهولندي، مثل موقفه من اللواطيين ومن المرأة.. والتي أثارت ثائرة المجتمع الهولندي الذي أقر حقوق الشواذ جنسيا.. ليثور السؤال حول ما إذا كان توقيت ترجمة الكتاب موفقا؟ وكونه هو الكتاب الذي ينقص الجالية المسلمة في الغرب الآن؟ أم أنه سوء تقدير.
ترجمة التاريخ والسير والقصص والآداب
وحظي مجال ترجمة التاريخ الإسلامي بكثير من الاهتمام لما لهذا الموضوع من أهمية لدى المستشرقين من ناحية في نقل تاريخ حضارة سبقتهم، وإن لم تكن ترجمة حرفية لكتاب بعينه، فإنها كتب في مختلف حقب التاريخ الإسلامي المختلفة، وما أنتجه علماء المسلمين وما أنتجه الفكر الإسلامي، إذ تعد مكتبة جامعة ليدن من أعرق المكتبات، وتحتوي العدد الأكبر من هذه الكتب باعتبارها مرجعا للعديد من الباحثين في الثقافة العربية والإسلامية. ولدى المسلمين من ناحية أخرى رغبة في معرفة تاريخهم وثقافتهم، ولعل من أهم ما ترجم في هذا المجال كتب حول سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وحياة الرسول اليومية والعشرة المبشرين بالجنة وحياة الصحابة والخلافة الراشدة، وابن بطوطة وتحت الطبع الآن ترجمة مقدمة ابن خلدون.
ولأن الترجمة تجارة بالدرجة الأولى للعديد من المترجمين المحترفين فإنه لا يتم البت في قرار ترجمة أيّ كتاب إلا بعد معرفة درجة رواجه في السوق وقيمة ما يمكن أن يدره على المترجم ودار النشر التي ستتبنى هذا العمل، فقصص نجيب محفوظ لم يتم ترجمتها إلا بعد أن نال جائزة نوبل للآداب، حينها تهافت عدد من المترجمين على إنتاجها، وعالم شهرزاد لم تترجم إلا حينما ترجمت إلى أهم لغات العالم، وأصبحت ترجمتها مؤكدة الربح، وقدمت فيها البحوث، وأقيمت لها المؤتمرات، وأخيرا وليس آخرا نوقشت في مؤتمر عقد في باريس مؤخراً حول حكايات ألف ليلة وليلة، وقدم فيها من الأبحاث قرابة أربعين باحثا من أوربا وأمريكا واليابان والعالم العربي. وقد جاء هذا المؤتمر في إطار احتفال بمناسبة مرور ثلاثمائة سنة على أول ترجمة لحكايات ألف ليلة وليلة إلى الفرنسية التي قام بها المستشرق أنطوان غالان لتكون بذلك ترجمة ليوان ريتشارد الهولندي الترجمة الأخيرة إلى اللغة الهولندية. كما لم تترجم كتب المصري نصر حامد أبو زيد إلا حين لجأ إلى هولندا، وتصدرت قضيته عناوين وسائل الإعلام العالمية والمحلية.
مشاكل ومعوقات الترجمة
الإطار المتعارف عليه في الدوائر الغربية أن الثقافة والأدب هما نتاج المجتمع ودعامة مؤسساته المدنية والثقافية، وتتموقع الحكومات المتعاقبة من الثقافة بمستوى ما تقدمه لها من إسهامات مادية، فالدولة قد تدعم، ولكنها ليست الرقيب المباشر على مثل هذه المجالات؛ وهو ما يفسح المجال أمام النقابات والهيئات المستقلة لمهمة السهر على حمل عبء الثقافة بما في ذلك الترجمة والنقول. ومؤسسات المجتمع المسلم في هولندا والغرب عموما تعيش ضعفا وانقسامات حادة فيما بينها مما يؤثر بالضرورة على نوعية الجهود المبذولة والطريقة المتبعة في سير حركة الترجمة، من ذلك غياب الهيئة التنظمية والرقابية العليا التي يمكن أن تنظم حركة الترجمة وإحداث تنسيق بين العاملين في هذا المجال مما يجعل الجهود تعود إلى اجتهادات دور النشر العاملة أو المترجمين كأفراد مع غياب التنسيق الواضح بين الطرفين، وهذا يبرز بالأساس في تعدد ترجمة الكتاب الواحد من مترجمين عدة. كما أن غياب خطة إستراتيجية مدروسة لما يمكن أن يترجم وما هو ذو أولوية في هذه المرحلة بالذات التي عرف فيها العالم بجهله بالثقافة العربية والإسلامية وللتشويه الذي أحدثه الإعلام الدولي على هذه الثقافة، إضافة إلى عدم وجود تجمع للمترجمين ودور النشر يؤدي إلى تكامل الجهود، خاصة في ظل اعتياد بعض المترجمين عدم احترام جهودهم والاعتداء على حق ملكيتهم.
|