English

 

الاثنين. أغسطس. 28, 2006

ثقافة وفن » لغة وأدب

 
   
روابط من إسلام أون لاين

نجيب محفوظ.. أديب الحارة والحرافيش

ملامح أدبية

منير عتيبة

يعد محفوظ أول أديب عربي حصل على جائزة نوبل
الحياة المديدة التي عاشها نجيب محفوظ، وإنتاجه الضخم، يجعلان الكتابة عنه من أصعب ما يكون، إذ إنه لا يمكن ادعاء الإحاطة بكل جوانبه في مقال أو كتاب، وهو الذي تناقش رسائل الماجستير والدكتوراة حول بعض ملامح أدبه. ومع ذلك فهناك ملامح أساسية لأدب نجيب محفوظ منها:

المكان.. الحارة

الذي يلعب دور البطل في كل أعماله بمختلف مراحلها الفنية، والمكان الأثير لدى نجيب محفوظ هو الحارة، كما يقول الأديب جمال الغيطاني: "لم أر إنسانا ارتبط بمكان نشأته الأولى مثل نجيب محفوظ، عاش في الجمالية اثني عشر عاما، هي الأعوام الأولى من عمره، ثم انتقل إلى العباسية، لكنه ظل مشدودا إلى الحواري والأزقة والأقبية، إلى الحسين، إلى الجمالية، إلى الناس الذين عرفهم وعرفوه، ثم كان المكان محورا لأهم وأعظم أعماله الأدبية.

وتظل الحارة هي محور ما كتبه نجيب محفوظ من أعمال.. غير أن الحارة في رواياته تتخذ أبعادا أخرى لتصبح ملخصا للعالم كله.. فهو لم يصور الحارة تصويرا فوتوغرافيا سطحيا، إنما يمكن القول إنه استوعب جيدا عناصرها ثم فكها وأعاد ترتيبها من جديد".

ونلحظ أهمية المكان لديه بداية من أسماء رواياته التي أخذها من أسماء أحياء القاهرة ومقاهيها، ونلحظ أهمية المكان من تأثيره في تصرفات الشخصيات الروائية وعلاقاتها بعضها ببعض وتحديد مكانتها وطبقتها الاجتماعية.

والحارة هي الوحدة الأساسية في أحياء القاهرة القديمة، وهى طريق مرصوف تقوم البيوت على جانبيه، ويؤكد محفوظ أن "ما يحركني حقيقة عالم الحارة، هناك البعض يقع اختيارهم على مكان واقعي أو خيالي أو فترة من التاريخ، ولكن عالمي الأثير هو الحارة، أصبحت الحارة خلفية لمعظم أعمالي حتى أعيش في المنطقة التي أحبها".

في "الحارة" اختزل نجيب محفوظ العالم، ومن خلالها كتب التاريخ المصري الاجتماعي الحديث، وتطور الفكر الإنساني، حارة نجيب محفوظ بها وحدات مكانية أساسية لعل أهمها التكية والمقهى والخمارة، ودائما ما يحيط بالحارة خلاء صحراوي استوحاه نجيب من العباسية التي كانت في أيامه على حدود الصحراء.

في الفترة الواقعية كانت الحارة منقولة من الواقع بكل زخمه وتفاصيله، وبعد ذلك أصبحت الصحراء رمزا، وأصبحت التكية مستقرًا للدراويش الذين هجروا الدنيا وتفرغوا للذكر، وأصبح شيخ التكية رمزا للإيمان الخالص، أو القوة الباطنية التي تعين البشر الخاطئين، أو القوة التي انفصلت عن عالم الأرضيين وتركتهم يتخبطون في تيههم، حسب موضوع الرواية، ونرى التكية في أجلى صورها في "ملحمة الحرافيش" فهي رمز الجنة والفردوس المفقود، وهى التي يتطلع إليها الإنسان دائما عندما يبحث عن العدالة أو الحقوق الضائعة.

والخمارة هي المكان الذي يجتمع فيه غير الأسوياء من أهل الحارة ليشربوا ويسكروا، الخمارة؛ فهي مقر الشيطان، والشيطان هو الذي يديرها بنفسه، ليلعب في عقول البشر الضعفاء، ليسلموا له القياد، وينشر عن طريقهم الشر والجريمة في الحارة الآمنة (كما في ملحمة الحرافيش).

أما المقهى فهو مكان أثير في حياة وأدب نجيب محفوظ معا، فيقول: "المقهى يلعب دورا كبيرا في رواياتي.. كان جلوسي بمقهى الفيشاوي يوحى لي بالتفكير، كل نفس شيشة كان يطلع بمنظر، كان خيالي يصبح نشيطا جدا أثناء تدخين الشيشة" المقهى هو ملتقى الأصدقاء في أعمال نجيب محفوظ، ومكان المناقشات الفكرية والسياسية، وهو المكان المحوري في بعض الأعمال مثل "خان الخليلي"، ويطلق اسمه على بعض الروايات مثل الكرنك، وفيه يقابل نجيب محفوظ نفسه وأصدقاءه وشلته "الحرافيش".

في الحارة طبقات اجتماعية متمايزة، التجار الذين يمثلون الثراء والقوة الاقتصادية، والفتوات الذين يمثلون القوة العسكرية والسلطة الحاكمة، الحرافيش الذين يمثلون المواطنين العاديين الذين يسعون على "أكل عيشهم" يوما بيوم، والذين يتعرضون دائما للسرقة من جانب التجار، والنهب من جانب الفتوات، فالتجار يدفعون للفتوة "الإتاوة" مقابل حمايتهم، حمايتهم من الفتوة نفسه ومن الفتوات الآخرين ومن الحرافيش.

والفتوة سلطة مطلقة له أن يفعل ما يشاء دون اعتراض أحد ما دام محتفظا بقوته الجسدية التي يعتمد عليها في المقام الأول، ورجاله الذين يشكلون عصبته وجيشه، لكنه إذا سقط فلن يرحمه أحد، إذ يظهر فتوة جديد يحتل مكانه، ويسقط هو قتيلا، أو هاربا، أو يتحول إلى مواطن عادي ويكون محل سخرية الجميع.

وكما استمد نجيب محفوظ نموذج الحارة من حي الجمالية، ونموذج المقهى من المقاهي العديدة التي جلس عليها في أحياء القاهرة القديمة كمقهى زقاق المدق والفيشاوي وقشتمر، فإنه استمد نموذج الفتوة من "عرابي" آخر الفتوات الذي تابع محفوظ معاركه الدموية، ودخوله السجن، ثم خروجه منه هادئا يدير مقهاه دون أن يتدخل في شئون أحد حتى موته.

أما شيخ الحارة وهو شخصية رئيسية في أعمال نجيب محفوظ، فهو ممثل الحكومة في الحارة، وهو عادة ما يكون ضعيفا وتابعا للفتوة، حيث إن الحكومة المصرية في ذلك الزمان كانت تعتمد نظام الفتوات وتوافق عليه ما دام لا يسبب لها إزعاجا، فتحول مندوبها إلى مجرد صورة تذكر بوجودها، أما الحكومة الحقيقية التي تحكم الحارة فهي حكومة الفتوة.

الوطن.. والإنسان

كان الوطن بالمعنى الكبير للكلمة، والإنسان المصري، الشاغل الأول لنجيب محفوظ؛ لأن "روح نهضة مصر ودوافع الوطنية يشكلان الإطار المعنوي للإنتاج الفني عند هذا الفنان" كما يقول د.عزت قرني في كتابه "فعل الإبداع الفني عند نجيب محفوظ".

فالوطن من الملامح البارزة في أدب نجيب محفوظ، فهو كأحد أبناء ثورة 1919 مشبع بالانتماء الوطني وفكرة الوحدة الوطنية، لذلك يمكن أن نؤرخ لمصر سياسيا واجتماعيا وثقافيا من خلال أعمال نجيب محفوظ، فنرى انعكاس صورة مصر منذ تفجر بركان ثورة 1919 حتى الآن، والكاتب هنا لا يدبج القصائد في حب الوطن، لكنه يقوم بدوره في فهم ما يحدث ورصده وتحليله محاولا التوصل إلى أسباب الانتصارات والانتكاسات، والمكونات الأساسية لروح الشعب، بما فيها من إيجابي لا بد من تنميته، وسلبي لابد من الحد منه، فثورة 19 التي أحيت موات الشعب المصري تنكسر بتحولها إلى أحزاب متناحرة، وثورة يوليو 1952 التي حققت أحلام الشعب في الاستقلال تنطفئ بالديكتاتورية ثم تموت بالنكسة سنة 1967.

ومحاولات النهوض الاجتماعي، والعثرات والسقطات الكبيرة التي عاشها الشعب المصري، كل ذلك نجد انعكاسه في أدب نجيب محفوظ من خلال الشخصيات الحية التي يعرضها، الشخصيات المأخوذة بلحمها ودمها من المجتمع المصري، والموضوعة في إطارها الحقيقي على الورق، دون تزييف أو مزايدة، فقد "نجح -محفوظ- في نقل الواقع الاجتماعي المصري، دون أن يقلد تيارا خارجيا، وإن كان قد استفاد كثيرا بالتقنيات البنائية للرواية، لقد جعل محفوظ من الرواية سجلا اجتماعيا لمصر الحديثة، إذ نقل بصدق وبدرجة عالية من الفن واقع الوعي المصري المعاصر وتفاصيل الحياة اليومية الاعتيادية في حواري وأزقة القاهرة المعزية".

فمحفوظ يؤمن بأنه صاحب رسالة وعليه واجب ودور لابد من تأديته وفاء بحق الوطن، كما أدى سعد زغلول والعقاد وطلعت حرب ومختار والنحاس وغيرهم واجبهم، وإلا كان من المقصرين.

المرأة

المرأة في حياة وأدب نجيب محفوظ مهمة للغاية، رأينا كيف كان تأثير أمه فيه، ولم يتزوج محفوظ إلا سنة (1954) وهو في الثالثة والأربعين من عمره؛ لأنه كان يخشى أن يعطله الزواج عن التفرغ للأدب، وإن كان قد اعترف باكتشافه لخطأ هذه الفكرة وتأكيده أن العكس هو ما حدث، وفي دراستها "المرأة في أدب نجيب محفوظ.. مظاهر تطور المرأة في مصر المعاصرة من خلال روايات نجيب محفوظ 1945-1967" للدكتورة فوزية العشماوي وهو رسالتها للدكتوراة باللغة الفرنسية من جامعة جنيف، والتي ترجمتها بنفسها إلى العربية، تشير إلى الاهتمام المبكر لنجيب محفوظ بالمرأة، حيث نشر مقالا في مجلة السياسة الأسبوعية عام (1930) وهو في التاسعة عشرة من عمره داعيا إلى تعليم المرأة مع عدم خروجها للعمل بدواوين الحكومة.

وتؤكد الدكتورة فوزية أهمية ثلاثة تواريخ في حياة الشعب المصري وفي أدب نجيب محفوظ، وهي ثورة 1919 التي يعد محفوظ ابنا لها، والتي بثت فيه الوعي السياسي والاجتماعي، وثورة 1952 التي انتقدها كثيرا في رواياته، وهزيمة 1967 التي أثرت بشدة في شخص وأدب نجيب محفوظ سواء في مضمون رواياته أو شكلها الفني، اختار نجيب محفوظ نساء رواياته من الطبقة الوسطى، لم يحاول المبالغة أو تجميل الواقع، وكن مطابقات تماما لواقعهن الاجتماعي، وبعضهن كن البطلات الأساسيات اللاتي دارت حولهن أعماله الفنية مثل حميدة في رواية "زقاق المدق"، ونفيسة في "بداية ونهاية"، ومن خلال أولئك البطلات وجه محفوظ نقده لمجتمع ما قبل ثورة يوليو، والذي وصل إلى قمته في الثلاثية، ثم توقف عن النظر إلى تلك الفترة، بعد انهيار ذلك المجتمع من أساسه بقيام ثورة يوليو 1952.

وقد اتجه محفوظ إلى نقد مجتمع ما بعد ثورة يوليو بعدد من الروايات التي اتخذت منهج النقد الاجتماعي، ومن أهم هذه الروايات "اللص والكلاب"، و"السمان الخريف"، و" الطريق"، و" الشحاذ"، و"ثرثرة فوق النيل"، و"ميرامار".

ويحتفي محفوظ بالبطلات غير العاديات، أي البطلات الشاردات اللاتي أجبرتهن ظروف المجتمع وأوضاعه على الانحراف عن خط سير القطيع، فالدكتورة فوزية العشماوي ترى أن محفوظ في احتفائه بالضالات الشاردات يجتهد في أن جعل القارئ لرواياته يتعاطف معهن ويتفهم الظروف التي دفعت بهن إلى الخطيئة، لذلك ترى أن نفيسة هي أفضل نموذج روائي للمرأة المصرية من الطبقة المتوسطة؛ ويجسد فيها حياة تلك الطبقة وأزمتها الاقتصادية الطاحنة في فترة ما بين الحرب العالمية الأولى والثانية، ويقدم نور بطلة "اللص والكلاب" كامرأة ملوثة الجسد نقية النفس قلبها من ذهب، أما زهرة بطلة "ميرامار" فهي امرأة يرمز بها محفوظ إلى مصر كلها.

إن نجيب محفوظ يرد على من انتقدوا كثرة وجود المنحرفات في رواياته بأنهن جزء من الواقع، فهو يعتبر رواياته "حشمة" بالنسبة للواقع فيقول: "أعرف عن الواقع الاجتماعي حقائق مخيفة.. الحياة الاجتماعية التحتية مرعبة لماذا نتجاهلها؟"، ويرى أن "حركة تحرر المرأة هي سمة أساسية من سمات فترات النهضة في تاريخ الشعوب، فلا يمكن أن تكون هناك نهضة في المجتمع دون أن تصحبها حركة لتحرر المرأة، وأقرب شاهد على ذلك هو تاريخنا نفسه ابتداء من فترة صدر الإسلام حين كان مكان المرأة جنبا إلى جنب مع الرجل سواء في الشعر أو في ساحة القتال، إلى تاريخنا الحديث، فثورة 1919 التي نفخت في المجتمع رياح التقدم صاحبتها حركة قوية لتحرر المرأة استمرت في المجتمع حتى الثلاثينيات".

الدين

الدين ملمح مهم من ملامح أدب نجيب محفوظ، بمعنى الدور الذي يلعبه الدين في صياغة العلاقات الاجتماعية، وتأثيره على تصرفات الشخصيات، وتأثيره على علاقة الإنسان بنفسه وبربه والآخرين، هذا الملمح موجود في كل رواياته على اختلاف مراحلها الزمنية والفنية، لسبب أساسي وهو أن الدين من أهم العوامل المؤثرة في حياة المجتمع المصري.

وير الناقد "ماتتياهو بليد" أن البعض يعتبرون محفوظ يساريا، لكن الحقيقة أنه أقرب إلى التعاطف مع فكر الإخوان المسلمين، والدليل أن الشيوعي في الثلاثية تزوج لكنه لم ينجب، ومن أنجب كان الإخوانجي، مما يعني أن الفكر الشيوعي لا مستقبل له في مصر، بينما سيكون المستقبل للاتجاه الديني، وأكد محفوظ أنه لم يكن واعيا بهذا عند كتابة الثلاثية، مما يعني أن عمله الروائي كان يستقرئ الواقع ويبني عليه توقعات المستقبل دون تدخل مباشر من الفنان.

والواقع أن أزمة الشك الإيماني تأتي من سبب مهم وهو وضع المعرفة العقلية مقابل الإيمان القلبي، إما هذا أو ذاك، في حين أن الإنسان كلٌّ متكامل، والمعرفة لا حدود لها، ووسائل الوصول إليها متعددة، وهذا ما يصل إليه معظم الشاكين في النهاية؛ لأنهم يبدءون من محاولة معرفة غير المحدود بوسائل محدودة، لكن التجربة الروحية العميقة التي يخوضونها تفتح لهم آفاقا أخرى من المعرفة، وقد اعترف نجيب محفوظ أنه مر بهذه المرحلة، وأنه عبر عنها في روايتي "الطريق" و"الشحات" فيقول: "مررت بلحظات الشك حين أردت في مقتبل حياتي أن أخضع عقيدتي للعقل والمنطق والعلم، كانت تلك فترة طويلة وأليمة، لكني خرجت منها كما خرج الغزالي أي خرجت بقلبي لا بعقلي، خرجت منها باليقين، لكنه يقين الإيمان أما العقل فقد سحبه اليقين وراءه.. ولقد استمرت مرحلة الشك أربع أو خمس سنوات.. ولقد انعكست هذه الفترة في رواياتي مثل الطريق والشحات، حيث محاولة معرفة المطلق معرفة عقلية، وهي محاولة تفشل في الروايتين، في الطريق يسعى البطل لمقابلة والده ليتعرف عليه أو ليبادله السلام، لكنه لا يصل إليه أبدا رغم شعوره الأكيد بوجوده، أما الشحات فهناك خطوة متقدمة على ذلك هي أن البطل يتنازل عن المطلق حين يشعر به بقلبه، أي يتنازل عن المعرفة العقلية في مقابل المعرفة القلبية بعد أن يكتشف البطل في نهاية الرواية أن هناك معرفة أخرى هي المعرفة القلبية".

وقد بدا محفوظ متأثرًا في بعض أعماله بفكر عالم الاجتماع الفرنسي "أوجست كومت" الذي يقسم تطور التفكير البشري من التفكير البدائي الحسي إلى التفكير الديني ثم التفكير العلمي، فنرى بطل الرواية ينغمس في شهوات الجسد، ثم يتحرر منها متجها إلى الإيمان، متطلعا من موقفه هذا إلى العلم، ولعل هذا ما جعل "عرفة" بطل الرواية المشكلة "أولاد حارتنا" يقتل الجبلاوي، تأثرا بفكرة موت الإله في الفلسفة الغربية الحديثة، لكن محفوظ يشير في نهاية الرواية إلى أن العالم لا يصلح بعرفة وحده، وكأنه يعود إلى فكرته الأساسية التي نقلناها عنه في الفقرة السابقة.

وقد أثارت رواية "أولاد حارتنا" مشاكل عديدة منذ نشرها، ولم تنشر بشكل رسمي في كتاب في مصر، ورفض محفوظ نفسه نشرها بدون موافقة الأزهر، وأرى أن محفوظ عمد في "أولاد حارتنا" إلى إعادة كتابة التاريخ الديني والفكري والاجتماعي للإنسانية روائيا، وهو نفس ما فعله في الحرافيش، لكنه في أولاد حارتنا اتكأ على مصدر أساسي وربما وحيد هو قصص الأنبياء، وأعاد كتابتها ساحبا إياها إلى الفضاء الروائي الذي يألفه وهو الحارة بكل سماتها المعروفة في أدبه، ولم يتصرف كثيرا في القصص التي بين يديه، فبدا وكأنه يضع قصص الأنبياء أمامه ثم يقوم بتغيير أسماء الأشخاص والأماكن لتناسب الحارة، بل إنه عند تغيير الأسماء كان حريصا على اختيار أسماء ذات دلالة واضحة على الأسماء الأصلية، وهذا ما وضعه في المأزق المعروف.

ومحفوظ هنا كان يقدم محاولة طموحة لعرض تاريخ الفكر الإنساني في رواية واحدة، لا أكثر ولا أقل، لكنه وقع في فخ المباشرة، فخانه الفن، فقدم رواية أرى أنها متوسطة القيمة إذا قيست بأعماله الأخرى وبالذات "الحرافيش" التي كان فيها في قمة نضجه الفني فقوبلت بالحفاوة التي تستحقها دون أن تثار حولها المشاكل، رغم أن موضوعهما واحد، وهذه المباشرة هي التي أعطت الفرصة لمن لا يقرءون الأدب، ولمن لا يفهمون الفن، ولمن لا يتسامحون مع الرأي الآخر أو يردون عليه بالرأي، ولمن يلصقون نقائصهم بالإسلام؛ أن ينقضوا عليه، لذلك نجد عالما جليلا كالشيخ محمد الغزالي يقول: "أدنت محاولة اغتيال محفوظ في اليوم التالي لوقوعها، أنا ضدها على طول الخط، والمحاولة لا يقرها شرع ولا دين، والإسلام دين السماحة والعقل والتفكير.. الذي يفتي في الناس لا بد أن يكون من العلماء الذين يعلمون أصول الدين".

ومن الملامح المهمة في أدب نجيب محفوظ والمرتبطة باهتمامه بفكرة الدين؛ التجربة الصوفية التي تناولها في الكثير من أعماله، والتي يرى "محمد ناظم العبيدي" أنه "توقف عند مظهرها الخارجي ولم يلج تفاصيلها العميقة لأسباب تتعلق بطبيعة التجربة الصوفية ذاتها، لما يكتنفها من غموض تستعصي معه وتستحيل إلى معرفة ذاتية تقصر اللغة عن الإحاطة بدقائقها" فالمنحى الصوفي عند محفوظ "يحتاج إلى بحث ووقفة طويلة تستقرئ مظاهره لما شغله من حيز كبير في إبداع نجيب محفوظ؛ ولأنه التجسد الفعلي لسعي الإنسان إلى الحقيقة المطلقة ولجذوره العميقة في الثقافة العالمية والإسلامية".

اقرأ في هذا الملف:


أديب وروائي مصري.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم