|
دخل الإسلام ألبانيا منذ أن أقدم العثمانيون على فتحها في القرن الثامن الهجري، وكان هؤلاء الفاتحون يصطحبون معهم العلماء والفقهاء يبشرون بالإسلام، ويدعون إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، ولم تمضِ سنوات معدودة حتى عمّ الإسلام بنوره ألبانيا، وأقبل عليه أهلها يدخلون في دين الله أفواجًا عن رضىً واقتناع، وأصبحت ألبانيا جزءاً لا يتجزّأ من الدولة العثمانية التي بسطت سلطانها في شرقي أوربا. وظلت ألبانيا تتبع دولة الخلافة العثمانية نحو خمسمائة عام حتى حصلت على استقلالها بعد هزيمة العثمانيين في الحرب العالمية الأولى، وأصبحت دولة مستقلة.
أحمد زوغو ملكًا على ألبانيا
تولَّى أحمد زوغو الحكم في البلاد سنة (1341هـ = 1922م) بعد أن نجح في الدفاع عن بلاده ضد قوات الاحتلال الفرنسي والنمساوي والإيطالي، التي كانت قد اقتسمت ألبانيا فيما بينها، ولم تمر فترة حكمه الأولى هادئة مستقرة، وإنما قابلته عواصف هوجاء وفتن جامحة، اضطرته إلى الاستعانة بحكومة يوغسلافيا، فأمدته بعدد من قواتها مكّنته من إحكام قبضته على البلاد، وتوطيد حكمه فيها؛ فاختارته الجمعية الوطنية رئيسًا للبلاد بعد أن قررت الأخذ بالنظام الجمهوري سنة (1343هـ = 1925م).
لكن هذا لم يستمر طويلاً؛ فسرعان ما أعلن أحمد زوغو نفسه ملكًا على البلاد سنة (1347هـ = 1928م)، وظل يحكم ألبانيا إلى أن قام "هتلر" بتوسعاته وغزواته في أوربا، فانتهز حليفه "موسوليني" هذه الفرصة، وكان يطمع في ألبانيا؛ فاقتحمها سنة (1358هـ = 1939م)، واضطر "زوغو" إلى الفرار إلى إنجلترا، ثم توجَّه إلى مصر، وأقام بها فترة، وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية لم يعد إلى بلاده، وظل يتنقل بين فرنسا وإنجلترا والولايات المتحدة الأمريكية حتى تُوفِّي سنة (1365هـ = 1946م).
بقيت ألبانيا تحت الاحتلال الإيطالي نحو أربع سنوات، ثم وقعت تحت ألمانيا، لكنها ما لبثت أن انسحبت منها بعد عام واحد من إحكام قبضتها عليها، وكانت الهزائم قد توالت عليها، ولم تجد مفرًا من ترك ألبانيا؛ فتسلم الحكم فيها جبهة التحرير القومية بقيادة الشيوعيين، وكانت هذه الجبهة قد تأسست في سنة (1360هـ = 1941م)، وقادت حركة المقاومة ضد الغزو الإيطالي والألماني.
ولما وضعت الحرب أوزارها، وعاد الهدوء إلى ألبانيا، أُجريت انتخابات في سنة (1365هـ = 1945م)، أسفرت عن فوز "أنور خوجا" زعيم الحزب الشيوعي الألباني، فتولى مقاليده لأكثر من أربعين عامًا، حكم بلاده بالحديد والنار، وفرض عليها عزلة صارمة.
المولد والنشأة
ولد أنور خوجا في بلدة "أرجيرو كاسترو" سنة (1326هـ = 1908م)، ونشأ في وسط عائلة مسلمة، اشتغلت بالتجارة وعُرفت بالثراء، وتلقى دراسته الأولى في مدرسة فرنسية في "كوريتسا"، وهناك انخرط في صفوف الحزب الشيوعي الفرنسي، وبعد أن أنهى دراسته سافر إلى "بلجيكا"؛ حيث عمل سكرتيرًا للسفارة الألبانية، ثم عاد إلى بلاده سنة (1355هـ = 1936م)، واشتغل بالتدريس. ولما تعرضت بلاده للغزو الإيطالي سنة (1358هـ = 1939م) انقطع عن التدريس، وانخرط في صفوف المقاومين للاحتلال الإيطالي.
مقاومة الاحتلال
بعد فرار أحمد زوغو ملك ألبانيا تاركًا بلاده فريسة الاحتلال الإيطالي اشتعلت حركة المقاومة ضد الغزاة، وكان أنور خوجا واحدًا من قادة المقاومة، وحُكم عليه بالإعدام غيابيًا في سنة (1360هـ = 1941م)، ثم شارك في تأسيس جبهة التحرير القومية التي تزعمت حركة مقاومة الطليان والألمان، وكان الشيوعيون يتزعمون هذه الجبهة، ثم تولى قيادة المقاومة ورئاسة اللجنة الألبانية المناهضة للفاشية في (جمادى الآخرة 1363هـ = مايو 1944م)، وفي أثناء هذه الفترة شارك في تأسيس الحزب الشيوعي الألباني وتولى أمانته؛ فلما انتهت الحرب العالمية الثانية، وخرج الألمان من ألبانيا؛ أُجريت الانتخابات، وفاز "أنور خوجا" برئاسة الحكومة الألبانية في (1365هـ = 1945م).
رئاسة البلاد
بعد استقرار الأحوال في ألبانيا، ونفض غبار المقاومة، ومكافحة الغازي المحتل أُجريت انتخابات عامة في سنة (1366هـ = 1946م) فاز بها أنور خوجا، وعلى إثرها أُعلنت ألبانيا جمهوريةً شعبية، وأُلغيت الملكية رسميًا، وأصبح أنور خوجا رئيسًا للبلاد، وما إن أمسك بمقاليد الأمور حتى بادر إلى قطع العلاقات مع كل من بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية.
كان أنور خوجا من المعجبين بـ"ستالين" دكتاتور الاتحاد السوفيتي، فوقف إلى جانبه حين نشب خلاف سنة (1367هـ = 1948) بينه وبين "تيتو" الرئيس اليوغسلافي، على الرغم من مساندة الحزب الشيوعي اليوغسلافي للشيوعيين الألبان في أثناء الاحتلال الإيطالي لبلادهم، غير أن هذا التأييد الذي أبداه أنور خوجا للسياسة السوفيتية توقف بعد وفاة ستالين سنة (1373هـ = 1953م)، وانتهاج خلفائه سياسة مغايرة؛ فتحوَّل التأييد إلى عداء مستحكم، انتهى بقطع العلاقات بين البلدين في سنة (1381هـ = 1961م)، وكان من الأسباب التي أدت إلى هذه النتيجة وقوف "خوجا" إلى جانب الصين في صراعها الأيديولوجي المذهبي ضد الاتحاد السوفيتي، ثم أعقب ذلك انسحاب ألبانيا من حلف "وارسو" سنة (1388هـ = 1968م)، والتوقف عن المشاركة في "الكوميكون"، وهو المجلس المشترك لمساعدة دولة الكتلة الشرقية.
أدت هذه السياسة التي اتبعها أنور خوجا إلى انعزال ألبانيا عن أوربا والعالم الخارجي، ولم يعُد لها من حليف سوى الصين، لكن الصين نفسها انتهجت بعد وفاة "ماوتس تونج" سياسة مرنة ومهادنة للولايات المتحدة الأمريكية؛ الأمر الذي جعل أنور خوجا يعيد النظر والتفكير ويقلب الرأي، فأعاد العلاقات الدبلوماسية مع يوغسلافيا واليونان؛ للتغلب على شيء من العزلة التي فرضها على بلاده، وفي الوقت نفسه ساءت علاقاته مع الصين، وانتهى بها الحال إلى قطع مساعداتها له.
الحالة الداخلية
أحكم أنور خوجا قبضته على البلاد، وأمسك مقاليد الأمور بيد من حديد، وتخلص من جميع منافسيه في الحزب الشيوعي، وامتدت يده إلى المعارضين؛ فأسكت أصواتهم، ولم يعد هناك من يواجهه، أو يقف في وجهه ويعارض سياسته، واستخدم المجلس النيابي في تحقيق أهدافه؛ فلم تكن له سلطة فعلية أو قدرة على مراقبة أعمال الحكومة، وكان الحزب الشيوعي الذي يرأسه أنور خوجا هو الذي يسيطر على مقادير البلاد وجميع مؤسساتها السياسية.
ووضع أنور خوجا نظامًا اقتصاديًا يعتمد على موارد البلاد، ويمتنع عن الاقتراض من الخارج تمامًا، ويقدم على تأميم كل أدوات الإنتاج؛ فحوَّل المزارع كلها إلى مزارع جماعية، وفرض شروط عمل صارمة على العمال لزيادة الإنتاج، لكن هذا لم يدفع ألبانيا إلى الأمام، أو يضعها في طريق الإصلاح، وظل المواطن الألباني طوال فترة حكمه صاحب أدنى مستوى من الدخل في أوربا كلها، على الرغم من تمتع ألبانيا بكثير من الموارد الطبيعية مثل الكروم والنحاس والنيكل والبترول.
وفاته
ظل أنور خوجا يحكم ألبانيا إحدى وأربعين سنة، حتى تُوفي في (20 من رجب سنة 1405هـ = 11 من إبريل 1985م) عن عمر يناهز السابعة والسبعين، وخلفه "رافر عليا" الذي قام بعدد من الإصلاحات، بعد أن هبّت رياح الحرية في أوربا الشرقية، وتنسمها مَن ذاق طعم الذل والاستبعاد؛ فهب يكسر القيود ويحطم الأغلال، وشملت هذه الإصلاحات رفع القيود على ممارسة الألبان لشعائرهم الدينية، وإعادة فتح المساجد التي أُغلقت من قبل، والموافقة على حرية السفر، والاعتراف بحق كل مواطن في الحصول على جواز سفر.
واتجهت ألبانيا بعد ذلك إلى الانفتاح على أوربا والتقارب مع دولها، ورفع القيود عن الاستعمار الأجنبي، وإنهاء الحظر على التعددية الحزبية.
هوامش ومصادر:
- أمين محمد سعيد: ملوك المسلمين المعاصرين ودولهم – عيسى البابي الحلبي – القاهرة (1934م).
- محمود نجيب أبو الليل: ألبانيا – سجل العرب – القاهرة (1969م).
- عبد الحميد البطريق: التيارات السياسية المعاصرة (1815-1960م) – دار النهضة العربية بيروت (بدون تاريخ).
- محمود صالح منسي: الحرب العالمية الثانية – القاهرة (1989م).
باحث مصري في التاريخ والتراث.
|