|
خطة بدأت في هدوء لإعادة تدريس الكتب الأساسية في الفكر الإسلامي بالمساجد التي أُلفت وشرحت بها للمرة الأولى، وكانت البداية بالأزهر.
العبور من ساحة الجامع الأزهر الشمالية وصحنه باتجاه الضلع الجنوبي ليس مجرد عبور لعدة عشرات من الخطوات في المكان، بل عبور في الزمان.
يتجاوز الداخل باتجاه عمق الجامع لافتة الترميم الأخير ورواد المسجد من المصلين والسائحين إلى زمن يبدو سرمديا في ثباته، حيث تتراص في الجهة الجنوبية من المسجد أروقة العلم وقد بقيت كما هي باستثناء رواق الجبرتي الذي تحول إلى مكتب لإمام المسجد على بابه لوحة إعلانية تحمل تحذيرين ينتهي أحدهما بخطأ لغوي لا يجوز في هذا المقام.
في الممر أمام الرواق العباسي، طلاب يراجعون دروسهم في حلقات وبعضهم يستسلم لإغفاءة لائذا بالجدار. مهرجان من ألوان البشرة السمراء والصفراء والبيضاء. وباستثناء تغيير الجلباب والجبة القديمين بالجلباب الحديث و"تي شيرت" والبنطلون يبدو المشهد لوحة خارجة من وصف الجبرتي لواقع الأزهر المملوكي.
الأزهر مؤسسة تنويرية
تجربة استعادة الدور التعليمي للجامع الأزهر الجديدة تستحق التوقف أمامها، صحيح أن أروقة الأزهر لم تغلق يوما، لكنها طوال ما يقرب من نصف القرن كانت قاصرة على استقبال دروس الوعظ وبعض الدروس في الشريعة، في تغيير لوظيفة الأزهر الذي اضطلع بدوره التعليمي بعد سنوات قليلة من بنائه وافتتاحه للصلاة عام 361 هـ على يد جوهر الكاتب الصقلي؛ قائد جند أبي تميم معد.. فقد جاء التحول سريعا على يد العزيز نزار الذي أضاف إلى الجامع وظيفة المعهد العلمي.
هذه الوظيفة التنويرية هي التي أسست لمكانة الأزهر لاحقا، كمؤسسة للرقابة على أعمال الحاكم والوقوف في وجه المستعمر. وكان من المنطقي أن يحتل الأزهر هذه المكانة بوصفه طليعة التنوير في المجتمع، وكان من المنطقي أيضا أن تكون هذه المكانة السبب الرئيسي في التربص السياسي بالأزهر. وكانت السياسة دائما هي التي تحدد دور الأزهر فتدعمه وتؤازره أو تضيق عليه وتحدد سلطاته العلمية التي نشأت عنها مكانته السياسية.
وبعد حفاوة الولاة الفاطميين الذين أوقفوا الأوقاف على الأزهر وقاموا بالتجديدات والتوسعات واحدا بعد الآخر، أهمل الأيوبيون الجامع وضيقوا عليه، حتى إن صلاح الدين منع الخطبة فيه، واستمر هذا الحال نحو قرن، عاد بعده الأزهر إلى دوره.
وكان الظاهر بيبرس من زاد في بنائه وأعاد الخطبة إلى منبره وحلقات العلم إلى أروقته، أما السلطان قايتباي فقد كان من أكثر من أحسنوا إلى الأزهر. ويقول ابن إياس إن هذا الوالي كان يتخفي في عباءة مغربية ويذهب إلى الجامع ليقف على أحواله.
عصر التشريع
|
|
|
مناقشة بين الأستاذ وطلابه في الرواق
|
كان المد والجزر في دور الأزهر يتوقف على التوجه الأيديولوجي للنظام الحاكم ومدى تعاطفه أو عدم تعاطفه مع رسالة الجامع، ومع العام 1911 دخل الأزهر مرحلة جديدة بصدور قانون ينظمه ويحدد تخصصات الدراسة فيه، ومنذ ذلك التاريخ اندرج الأزهر كمؤسسة من مؤسسات التعليم المصرية واستقر في المراحل قبل الجامعية كتعليم مواز لعشرات من الأنواع الأخرى التي تشكل كرنفالا غريبا يصنع ألوانا متباينة من الوجدان المصري.
علي أية حال صار الأزهر جامعة وأضيف في الستينيات إلى علومها الشرعية والأدبية العلوم الطبيعية، ومنذ ذلك الوقت تضاءل دور الجامع أمام المعاهد والجامعة.
عودة إلى الأزهر الجامع
التجربة التي بدأت في الرواق العباسي منذ فترة قصيرة لتدريس مواد الجامعة في الرواق خطوة لإعادة الانسجام إلى اسم الأزهر الذي لم يعد يعني اليوم شيئا واحدا بل ثلاثة: المشيخة، والجامعة، والجامع.
في الحادية عشرة والنصف كان موعد الدرس الذي سيلقيه الدكتور حسن الشافعي الأستاذ بدار العلوم وعضو مجمع اللغة العربية برواق الشوام في مادة المنطق. وقبل الموعد تجمع الطلاب داخل الرواق في انتظار الشيخ الأستاذ، طلاب البلد الواحد أو الصف الواحد ينتظمون في حلقة مراجعة أو استرخاء.
المصريون بالرواق ليسوا من القاهرة فقط، بل يأتون من المحافظات، من كليات الأزهر والكليات العادية، جامعيون من صفوف مختلفة وطلاب دراسات عليا، فليست هناك شروط لحضور الدرس، فيما يقول طارق محجوب مسئول التنظيم بالرواق الذي يسميه "حوزة": يأتي بعض الناس من غير الدارسين غالبا لأنهم يتصورون الدرس حلقة وعظية وعندما يجدونه درسا متخصصا في المنطق أو علم الكلام ولا يستطيعون المتابعة ينصرفون.
الطلاب الوافدون أنفسهم ليسوا من فرقة واحدة، بعضهم في السنة الأولى بجامعة الأزهر وبالتالي لم يكمل بعد العام من الإقامة في القاهرة، فكيف يتابعون دروسا في المنطق وعلم الكلام؟!.
يبتسم دونوما أبو بكر (من نيجيريا، طالب فرقة أولى بكلية اللغة العربية): الكلية لا تغني من جوع، فليست هناك فرصة للسؤال كالموجودة هنا، كما أن الأساتذة يستخدمون في محاضرات الجامعة اللغة العامية التي يصعب على غير المصريين فهمها.
أبو بكر في منحة أزهرية بعد التخرج في معهد أزهري بولاية (بورو) وهي واحدة من ثلاث محافظات بها فروع للأزهر (بورنو، كانو، إيباوم).
ويدرس أبو بكر المذهب المالكي المنتشر في نيجيريا وبين معظم مسلمي أفريقيا، ويواظب على حضور دروس د.حسن الشافعي في المنطق وعلم الكلام، وشرح د.محمد عثمان لألفية ابن مالك التي يحفظها أبو بكر عن ظهر قلب.
الأساتذة الذين اقتنع بهم دنوما أبو بكر في الرواق بعضهم أساتذته الذين لم يتمكن من التواصل معهم في مدرجات الجامعة، وبعضهم لم يره إلا هنا في الرواق، حيث يحل هذا التواصل المباشر في دقائق معضلة قد تحير الطالب عشرة أيام في الجامعة دون أن يجد العون.
أبو بكر طلب عوني في مسألة واحدة: أن أرشح له صحيفة مصرية يمكنه من خلالها أن يتابع أخبار نيجيريا، لأنه لاحظ أن الصحافة المصرية تميل إلى المحلية.
هنا أفضل
أودين نجم الدين صادقين درس في مدرسة دينية بإندونسيا خمس سنوات قبل المجيء إلى مصر حيث يقيم منذ ثلاث سنوات طالبا في كلية الشريعة الإسلامية، ما تلقاه نجم الدين في الرواق أهم مما يتلقاه في الجامعة، يقول: هذا هو دور الجامع الذي يجب أن يسترده، في الجامعة العدد كبير والتفاعل مع الأستاذ أقل.
في تهذيب الكلام
|
|
|
سيدة وطفلها في الطريق إلى الرواق
|
في الموعد المحدد بالضبط حضر الدكتور حسن الشافعي، ألقى السلام، وهب الطلاب للمصافحة، بادر البعض بتقبيل اليد، تبادل معهم السؤال عن الأحوال، قبل أن يتوجه إلى مقعده بصدر الرواق، حيث وضع عدد من الطلاب أجهزة تسجيلاتهم الصغيرة في وضع الاستعداد على متكئي المقعد. بعد دخول الأستاذ دخلت الطالبات، عدد من المنقبات وواحدة محجبة اتخذن مواقعهن في نهاية الحلقة.
يتولي د. الشافعي شرح كتاب "تهذيب الكلام" لسعد الدين التفتازاني (القرن الثامن الهجري) مما يشكل دروسا في المنطق وعلم الكلام. وهذا هو الدرس الثاني، الأول كان عن الوجود والعدم ذكرهما الشيخ الدكتور، واليوم عن مفهوم الماهية، بتقسيماتها، وعللها، وأنواعها.
هذه القضايا الفلسفية يستقبلها طلاب متفاوتو السن، بل يتفاوتون في درجة استيعاب العربية، لكن الشيخ يبسط، ويتباسط، ويدير الحوار ويطلب التفسير، يداعب طالبا أجنبيا: "تفضل يا شيخ خواجة، شيخ وخواجة حاجة عظيمة، هذا من قال عنه الرسول الكريم: له أجران"، أو "هيه! يا شيخ محسن انتبه، هذا ما كنت تسأل عنه"، "هل بيننا مهندس؟ كنت أريد مهندسا ليشرح لنا كيف أن النقطة مفهوم غير موجود، لكنها مع ذلك أصل الخط".
الأزهر بوصفه بداية
الرواق العباسي العائد للحياة لن يكون التجربة الوحيدة فيما يبدو، فهذه التجربة التي حظيت بعدد مشجع من الحضور ليست سوى جزء من فكرة أشمل ولدت منذ ستة أشهر، لم يكن التفكير قاصرا على الأزهر فقط. يقول د.حسن الشافعي: بل كان التفكير في إعادة تقديم الكتب الإسلامية الأساسية التي أُلفت في القاهرة بنفس الأماكن التي وضعت وشرحت للمرة الأولى فيها، كتقديم "الرسالة" للإمام الشافعي في جامع عمرو، وكتاب "العقيدة "للآمدي في مسجد الفكهاني بالغورية حيث ألفه ودرسٌه فيه، وهكذا، فقد حاولت الفكرة استعادة دور القاهرة كعاصمة ثقافية إسلامية، وقد ناقش الدكتور أحمد الطيب رئيس جامعة الأزهر وفضيلة المفتي د. علي جمعة الفكرة مع د. حمدي زقزوق ورؤي تنفيذها على مراحل تبدأ بالأزهر.
الأساتذة الذين شاركوا في الفكرة انطلقوا من رؤية ترى تدهور التعليم الجامعي، لكنهم ذهبوا خطوة أبعد من ندب الحظ بعمل شيء يعيد إلى الأذهان الطريقة الأزهرية الموسوعية القديمة، حيث يقوم المحاضر بشرح النص نحويا ولغويا وبلاغيا وفلسفيا ومنطقيا، بالإضافة إلى توظيفه وربطه بالفكر المعاصر.
وفي رأي الدكتور الشافعي فإن عودة الشيخ الأزهري التقليدي الموسوعي من شأنه أن يكون خطوة مهمة ضد التطرف والغلو الذي يتغذى من كتب الخرافات الدينية التي تباع على الأرصفة.
*
|