English

 

الثلاثاء. نوفمبر. 1, 2005

ثقافة وفن » تراث وحضارة

 
   
روابط من إسلام أون لاين

بين بوابات المحروسة.. السقا لم يمت!

هيثم خيري

السقا
بعد ثلاثة أيام قضيتها باحثا عن سقاء، من مسجد الحسين إلى مسجد أحمد الدردير، ومن القلعة إلى الدراسة، ومن السيدة سكينة إلى السيدة رقية، خفت خلالهما عدم العثور على سقاء واحد يعيدني إلى الماضي القريب الذي كان باديا لي ولغيري أنه غادرنا، وجدته أخيرا في مسجد السيدة زينب، كان العم صلاح، يأوي إلى عمود المسجد ويسبح في ملكوت لا يعرف أحد كنهه إلا خالقه.

بين زمانين

في الماضي كان يمكنك أن تجد السقا محني الظهر، يجول في بلاد الله، تحت شمسه وسمائه، بين المجاذيب وأصحاب اللطائف الخفية، فيصطبغ وجهه بالسواد القمحي، وتتخذ قدمه شكلا مفلطحا من فرط الوقوف والمشي ليل نهار، سيظهر لك قديما قدم الدهر والدروب التي تحتويه، ساعيا بين الحسين وبيت القاضي وبوابة المتولي وحارة السقائين والسيدة زينب والسيدة رقية.

فمهنة السقاية كانت معروفة لدى الجميع، وكان للسقائين شيخ طائفة، وأماكن للتجمعات، وأخرى للسكن، أما الآن فهم عملة نادرة تماما، وبصعوبة بالغة تكاد تقتفي أثرهم كأنهم ينتمون إلى عالم آخر.

غير أن مسحة من الانبساط تشعر بها بمجرد مصادفتك لهم إذا اتخذت مساجد ومقامات آل البيت طريقا لك، غداة ذلك ربما تراجع نفسك وتقول: "السقا لم يمت بعد!".

أربع طوائف

لم تكن حرفة السقاية قديما بهذه الندرة، ولم يكن عملها على هذا القدر من العشوائية، بل كان للعاملين بها طائفة تضمهم، حيث يُروى في كتاب "وصف مصر": "كانت تلك الطائفة تقسم على أسس منطقية، ونموذجها في القاهرة، حيث وجد بها في نهاية القرن الثامن عشر طوائف لهم، وكانت ترد المياه من النهر الذي يوجد على طوله الموردات التي يصب عندها السقاءون، ومن هنا نشأت الطوائف الأربع لحاملي المياه متدرجة بالقرب من المداخل الغربية للقاهرة".

ويذكر الكتاب أن السقائين كانوا يكافئون من عملائهم، ولم تكن لهم محلات، وقد سكنوا "كفر الشيخ ريحان" والذي سمي فيما بعد باسم "حارة السقائين"، واستمر ذلك الاسم حتى نهاية القرن التاسع عشر.

وكانت تتركز طوائف السقائين في حي "باب البحر"، و"باب اللوق"، و"حارة السقائين"، و"قناطر السباع"، وقد وجدت في وسط الحد الغربي للقاهرة طائفة حاملي المياه على ظهور الجمال أيضا.

ورغم انتشار تلك الحرفة وتعظيم أجرها وثوابها عند الله فإن بريقها كان أقل من غيرها من الحرف مثل: التجارة، والحدادة، والنجارة. وقد اختلف ثمن المياه تبعا لوفرتها أو قلتها، فكان السقا يتقاضى سنة 1830 ثمن قربة المياه التي يحملها مسافة ثلاثة كيلومترات من 10 إلى 30 فضة (أقل تفريعات العملة المصرية)، وهذا مؤشر يدلل على أنها كانت مهنة غير مجزية.

رسل الحريم

وربما يكون هذا سببا مباشرا في تسمية كتاب "وصف مصر" تلك الفئة بالخدم، حيث يقول: "أما السقاءون فهم على نحوٍ ما رسل الحريم (أي النساء)، وينتهي بهم الأمر بأن يكونوا أموالا من الحريم، والنساء هن اللائي يخترنهم ويتبادلنهم فيما بينهن، ويتمتع هؤلاء الخدم عامة بحظ أوفر من الآخرين، ويوليهم أرباب البيوت أكبر قدر من الرعاية، وتبسط النساء عليهم حمايتهن ويحرصن على راحتهم".

وبلغ اهتمام عامة الناس وخاصتهم بالسقا أن البعض طلب من المحتسب أن يأمر سقاة الماء "بالكيزان" (وعاء لحمل الماء) وأصحاب القرب بنظافة أزيارهم، وصيانتها بالأغطية وتغطية قربهم التي يسقون منها في الأسواق، وبجلاء الكيزان النحاسية كل ليلة، وتطييب شبابيكها بشمع المسك واللادن والطيب العنبري.

وكان السقا يحتفظ بالماء في قربة كبيرة من جلد الماعز يغلقها بسدادة خشبية ويعطرها بالمستكة، ثم يضع فيها بعضا من ماء الورد، وأحيانا يضيف إليها النعناع.

ويورد الدكتور السيد طه أبو سديرة في كتابه "الحرف والصناعات في مصر الإسلامية" كيف راجت صناعة الجلود على يد السقائين، وكانت حرفة السقاية من الحرف الشائعة في الفسطاط وفي غيرها من المدن المصرية، منذ الفتح الإسلامي، وكان هؤلاء الحمالون أو السقاءون يحملون الروايا (وعاء خاص لنقل الماء) من ماء النيل إلى المنازل، ويصعدون الدور (البنايات) كل طبقة بنصف دانق.

ومما يذكر أن دار "عبد العزيز بن مروان" الوالي على مصر كان يحمل إليها نحو أربعمائة رواية ماء في كل يوم، وظلت حرفة السقاية شائعة في مصر حتى العصر الفاطمي.

حرفة عليها واجباتها

اللافت أن السقائين لم يكن يقتصر دورهم على حمل المياه وتوصيلها للمنازل، بل لعبوا دورا كبيرا في إخماد الحرائق، إذ كانت تؤخذ عليهم التعهدات باستعدادهم للحضور كلما دعت الحاجة إليهم ليلا أو نهارا.

وفي الماضي كانت البيوت تعتمد على السقا تماما؛ إذ لم تكن قد ظهرت صهاريج المياه أو الصنابير بعد، فكان السقا هو مصدر المياه الوحيد في كل بيت، يملأ قربته من الآبار أو الخليج (كان هناك خليج يصب في ترعة الإسماعيلية، يبدأ من شارع بور سعيد ثم يتفرع ليصب في حارة السقائين). ولم تكن تجد في ذلك الزمن الصنابير سوى في القصور الملكية، مثل قصر الأمير محمد علي باشا، والمساجد الفخمة.

السقا وذكريات المهنة

"للعم صلاح" حكاية غريبة في امتهانه السقاية، فهو لم يمتهنها وراثة عن آبائه وأجداده، ولكنه كان موظفا على درجة عالية في وزارة الزراعة، ثم فضل التقرب من آل البيت والتبرك بهم بهذه الخدمة التي يعتبرها فاتحة لحالة الخير والسعادة التي يعيشها، ويقول: "لم يكن يخطر ببالي يوما أن أكون ساقيا، ولكني رأيت في المنام أنني أجاور مقامات الأولياء وأصب للناس الماء، وأحمل خلف ظهري قربة، فنزحت من المنصورة إلى القاهرة سعيا وراء المقامات والتقرب من آل البيت وتحقيقا للرؤيا، ومنذ ذلك اليوم أسافر كل بضعة أيام إلى أهلي في المنصورة أعطيهم مما رزقني الله، ثم أعود أدراجي إلى مقام السيدة زينب".

وعن مهنته يقول: "كان دور السقا الحقيقي يبرز في المناسبات كشهر رمضان والعيدين، وفي الموالد والأفراح والطهور (الختان)، فكان أهل الخير يمنحون السقا كسوة جديدة في الأفراح، وفي الأعياد يُطعم اللحوم، واليوم أعمل جيدا في المساجد وفي رمضان الخير".

وعلى الرغم من أن مهنة السقاية شارفت على الاندثار، خاصة في حارة السقائين، فإنه وبمجرد دلوف الزائر إلى هذا المكان سيشعر أنه دخل في حضرة مملكة السقاية في مصر، فلا تخلو الأمتار القليلة التي تشكل أركان الحارة من المياه الرطبة، أمام المقاهي وورش النجارة ومصنع الطوب الأحمر أو دكاكين البقالة.

ويلاحظ أن هناك تطورات كثيرة حدثت لهذه الحرفة ليس على صعيد ندرتها بل وأدواتها أيضا فالقربة اليوم لم تعد من جلد الماعز، كما هو متعارف عليها، بل أصبحت من الألمنيوم، ويبدو ذلك عائدا إلى غرض تقبل الناس للشرب من ممتهنيها عبر شكل جديد وجميل أمام موجات التطورات التي خففت من معاناة الناس في تعاملهم مع عصب الحياة وأساس كل شيء حي.

وأمام ما توصل إليه العلم من تقدم في تقديم مياه عذبة ونقية وحتى مثلجة يبدو أن حظوظ السقاية كمهنة في طريقها إلى زوال أمام من يؤكد أنها حرفة انقرضت بتلاشي دورها في خدمة الناس.

لكن المؤكد أن وجود أمثال هؤلاء السقائين في مساجدنا وحاراتنا يحمل قيمة جعلتهم هدفا لعدسات الهواة والزائرين؛ فهم مسحة دافئة من الرجوع إلى ماض ما زال الكثير منا يحمل حنينا له.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم