|
سيرة الناس والأرض والحياة وبيئة القرية ببساطتها وتشعبها كانت مشروع الأديب الكبير عبد المنعم الصاوي، هذا المشروع الكبير والضخم الذي كرسه في خمسة روايات تحمل عنوانا رئيسيا وهو "الساقية"، فضلا عن عدد ضخم من المجموعات القصصية والروايات التي ابتعدت عن "الساقية"، ثم رئاسته لوزارة الثقافة المصرية، وسعيه الدائم لتحقيق التنمية من خلال دمج الثقافة في كافة أنشطة المجتمع.
ولكن المهندس محمد نجل عبد المنعم الصاوي كان له مشروع ثقافي آخر، لعله يتوازى مع مشروع أبيه، ولكنه يتخذ طريقا مغايرا.. كلاهما يعترف بدور الثقافة في تنمية المجتمع، ولكن محمد عبد المنعم الصاوي آثر أن يعبر عنها بطريقة مغايرة.
بداية الساقية
لم يقترب محمد الصاوي من الكتابة الإبداعية، ولكن فكرة إنشاء مركز ثقافي يشمل كافة أنماط الفنون والآداب وتقريبها من أذهان عامة الناس كانت تراوده منذ أمد بعيد.. منذ زرع فيه الوالد فضل الثقافة في التنمية البشرية والدفع بعجلة التطوير في كافة مناحي الحياة.
ظلت فكرة إنشاء المركز الثقافي تراود محمد الصاوي كلما مر تحت كوبري 15 مايو، تلك المنطقة التي كانت تعد مستودعا للمخلفات، والتي أحاطتها المحافظة بسور كبير حتى لا يصبح مقلبا للقمامة، ففكر الصاوي في الاستفادة من ذلك المكان وجعله مركزا ثقافيا يكون بمثابة منبر يعبر عن كافة ألوان الطيف الإبداعية والثقافية، وساعده على ذلك كونه معماريّا يمتلك حسّا فنيّا جعله يفكر في الاستفادة من ذلك المكان، فعرض الأمر على محافظ القاهرة آنذاك ورحب على الفور بالاقتراح باعتباره سيجعل من تلك المنطقة المنسية ساحة للفن والجمال.
يقول محمد الصاوي: "بدأت بالفعل بمعاونة بعض أصدقائي وزملائي ممن اهتموا بذلك المشروع بوضع بعض التصورات البسيطة حول كيفية الاستفادة من ذلك المكان، وعرض خطط بسيطة للحالة التي نريده أن يكون عليها فيما بعد، وبعد وقت قصير كنا قد شرعنا بالفعل في إنشاء المركز الثقافي، ثم توالت الأيام بسرعة فتوسعنا في ذلك المشروع، واستطعنا الحصول على قطعة أرض صغيرة بجوار المركز، والتي تطل على النيل، والآن نسعى لتطويره بكافة الطرق بالتعاون مع جهات عديدة بالإضافة إلى طاقات الشباب التي نحاول توظيفها بما يفيد المجتمع".
الموسيقى أولا..
|
|
حفل موسيقى لعمر خيرت في الساقية
|
ويتابع "الصاوي": في بادئ الأمر كانت الموسيقى هي أقرب الأشكال الفنية قبولا لدى المتلقي والجمهور المصري، فاخترنا أن نبدأ عملنا بتكثيف جرعة الحفلات الموسيقية والغنائية التي لا تجنح إلى الابتذال، بل نحاول من خلالها الانفتاح على ثقافات الآخر وفهمه، مثل دعوة فرق موسيقى الجاز والموسيقى الغجرية والفولك وغيرها من الأنماط الموسيقية التي تعرض لثقافات العالم.
وكذلك معرفة أوجه الجمال فيما يمتلكه الآخر من فن وأدب وموروث ثقافي، وهو ما جعلنا ندعو الكاتب العالمي "باولو كويلو"، والذي حاز على إعجاب وتقدير الجمهور بشكل غير مسبوق.
واليوم تجري مساعٍ في سفارات أجنبية عدة لدعوة كبار الكتّاب العالميين، ليس فقط على مستوى الأمريكتين، ولكن في الهند والصين وغيرها من الحضارات التي تضرب بجذورها في أعماق التاريخ.
ساقية الصاوي في سعيها لانفتاح أكبر وأعم على الفنون بدأت تطعم حفلاتها الموسيقية بتنظيم معارض تشكيلية، بحيث يصاحب الحفلة الموسيقية أو الغنائية وضع لوحات أو أعمال نحتية في قاعات الساقية، وشيئا فشيئا بدأت الساقية في إدخال الأمسيات الشعرية في برنامجها، عبر اصطحاب الشعر بالموسيقى والغناء، أو إقامة أمسية شعرية منفصلة على أن تضعها في ثوب يبتعد عن الإطار الرسمي الذي ينفر الجمهور منه، وأشار الصاوي إلى أن آخر تجارب الساقية الشعرية فكرة "عكاظ الشعر" وهو مهرجان أقيم لعدد من الشعراء من مختلف محافظات مصر على مدى ثلاثة أيام.
اكتشاف مواهب.. رسالة
الساقية التي يتعدى دورها فتح الأبواب لعرض الفنون قامت باكتشاف عدد كبير من الفرق الموسيقية والمسرحية التي كانت لا تزال في مرحلة البدايات، مثل فرقتي "وسط البلد"، و"رسايل" وغيرهما من الفرق، حيث أقامت لها حفلات عدة على مدار العام.
وهذا النهج لم يتوقف عند حدود الإبداع المسرحي أو الموسيقي فحسب، ويؤكد "محمد عبد المنعم" أن دور وأنشطة الساقية سيشمل في الفترات القادمة الإبداع الأدبي، فإدارة الساقية تنتظر تحقيق أكبر قدر من الانتشار، حتى تستطيع أن تجعل من الأدب رسالة أساسية تقدمها.
وتهتم الساقية بدعوة المسئولين لأنشطتها، ولم تكن هذه المحاولة وليدة هذه الأيام، ولكن تمت دعوة أحمد أبو الغيط وزير الخارجية لمتابعة بعض فعاليات الساقية، وكانت الساقية لا تجد في البداية الترحيب المطلوب من معظم المسئولين، وكان معظم كبار الشخصيات يعزف في بادئ الأمر عن المشاركة في أنشطة الساقية، وكانوا يعتبرون تلك الأنشطة دربا من "التهريج"، وشيئا فشيئا استطاعت الساقية خلق صورة ذهنية جيدة في الشارع المصري، والتي انعكست -بطبيعة الحال- على تصورات المسئولين أنفسهم بعدما تأكدوا من جدية الأنشطة والفعاليات التي تقام بالساقية.
عام اللغة العربية
لا تقتصر أنشطة الساقية على تقديم عروض فنية وثقافية للجمهور فقط، بل تجتهد لجعل الجمهور نفسه شريكا أساسيا في تحريك عمل الساقية، من خلال إقامة ورش عمل لتعليم الفنون التشكيلية والنحت والموسيقي، وذلك لجميع الأعمار بدءا من الأطفال وحتى الشيوخ.
كما أقامت الساقية مسابقات في مجال المسرح على مدى العامين الماضيين، وقد تقدم لها في العام الماضي 40 فرقة مسرحية بعروض مختلفة، وكانت فرصة كبيرة للتنافس والإبداع بين الفرق المسرحية.
من ناحية أخرى تتجه الساقية لجعل عام 2006 عاما للغة العربية، بحيث تقام ورش عمل لتعليم النحو والقواعد الإملائية التي تتراجع يوما بعد يوم أمام زحف اللغات الأجنبية، على أن يخصص شهر يناير القادم لتعليم الجملة الاسمية، ثم شهر فبراير للجملة الفعلية، فالنعت، ثم المفعولات.. وهكذا، بحيث تعود اللغة العربية لتحتل مكانتها التي تستحقها من خلال دراستها في شكل ورش عمل للصغار والكبار.
استقلالية الساقية
|
|
عازف العود نصير شمة
|
وحول شبهة تبعية ساقية الصاوي لجهة أجنبية؛ نظرا لما تقدمه من أنشطة تطلع على ثقافات العالم الأخرى يقول محمد الصاوي: "لا ُتفرض علينا أنماط ثقافية بعينها لنقدمها ضمن برامجنا، كل ما في الأمر أننا نسعى لتقديم تلك الثقافات في ثوب غنائي أو موسيقي أو أدبي يبتعد عن النطاق الرسمي الجاف، مما يقرب تلك الثقافات من أذهان الناس ويجعلهم يتفاعلون معها باعتبارها تجارب إنسانية، وذلك دون الذوبان في الآخر أو التحيز لثقافة على حساب الأخرى".
ويضيف قائلا: "أما بالنسبة للمعايير الرقابية التي تحكمنا فلم تفرض علينا بعد أية جهة رقابية وصايتها، سواء من قبل وزارة الثقافة أو غيرها من الجهات المعنية، غير أن الرقابة الذاتية التي نفرضها على أنفسنا أقوى بكثير من الرقابة الخارجية؛ لأنها نابعة من ضمير كل فرد منّا، رقابة تدرك أن الثقافة رسالة تهدف إلى ترقية النفس والدفع بها إلى الأمام، وليس تصوير المجتمع كما هو بكل سوءاته، لذلك نحرص على أن تكون أنشطتنا مثالا للإبداع الذي يبتعد عن السوقية والابتذال".
الساقية ورجل الشارع
ويبقى السؤال البديهي: كيف استطاعت ساقية الصاوي الوصول إلى رجل الشارع واجتذابه إليها رغم حداثة إنشائها، بينما لم تستطع وزارة الثقافة بكل إمكانياتها وأجهزتها ومؤسساتها وتاريخها الوصول إلى الجمهور العادي، والاكتفاء بالجلوس على المقاعد الوثيرة والتحدث من فوق منابر عاجية، والإعلان عن فعاليات ومؤتمرات ثقافية لا يحضرها غير المشاركين فيها؟!
يقول محمد الصاوي: "إن الناس تشعر أنها تتعامل مع مكان يخصها، قريب من اهتماماتها وأفكارها، مهما تفاوتت درجة التعليم والثقافة لدى هؤلاء الناس، لذلك سنخصص قريبا قاعات لممارسة اليوجا، وسنوجه دعوة لسباقات الماراثون، ولا أعني بذلك أننا سنحول الساقية إلى ساحة رياضية، ولكن تلك التوجهات تصدر عن قناعة لا يشوبها شك في أن توفير المناخ والبيئة المناسبة للإنسان والبحث عن الصورة الأفضل لحياته ستجعله أقدر على مواجهة مشكلاته والتحديات التي تواجهه".
ويضيف: "لقد بدأنا بالفعل في دعوة المسئولين للإدلاء بآرائهم والإفصاح عن نواياهم، ومعرفة الجمهور لما يدور في أذهانهم كسبيل جديد لإيجاد مساحات من الشفافية بين المسئولين والناس، ولعل تجربة دعوة أحمد أبو الغيط وزير الخارجية كانت خير نموذج على فهم الجمهور لطبيعة عمل وزارة الخارجية وأهميتها الدبلوماسية وتأمين الجبهة الداخلية.. ومثل تلك اللقاءات وغيرها ستسهم في توفير مناخ من الشفافية والديمقراطية والحرية.
والمؤكد في حالة ساقية الصاوي باعتبارها من المؤسسات الثقافية المدنية الوليدة أن ثمة إحساسا بالصدق يسري داخل عدد من مؤسسات المجتمع المدني الثقافية، قد نلحظه في ساقية الصاوي وغيرها.. ذلك الصدق والتلقائية والرغبة في التغيير التي لا تتوافر في أجهزتنا الثقافية الرسمية.
في نهاية حديثه يوضح الصاوي حقيقة فهمه لدور "الساقية" بأن 90% من الخدمة الثقافية التي تقدم في الولايات المتحدة الأمريكية تأتي من خلال الجهات والشركات الخاصة، ومؤسسات المجتمع المدني، بينما تقدم الدولة ما لا يزيد عن 10% فقط من الخدمات الثقافية، وهو معدل يشير إلى نفض يد الدولة عن الاهتمام المباشر بالثقافة والتوجيه الثقافي، والاكتفاء بتوفير المناخ الحر الذي يساعد تلك المؤسسات على النمو والازدهار والتعايش مع فئات المجتمع، وهو المناخ الذي نحتاج إليه.
|