|
| الكاتب الصحفي سلامة أحمد سلامة |
أصبح من الواضح أن طغيان البعد الطائفي على السياسة في معظم المجتمعات العربية وتغلغل التشدد الديني في قضايا الفكر والعمل السياسي والحياة اليومية هو الخطر الأكبر الذي يهدد بناء الأمة ويعوق جهود النهضة ويجهض التحول إلى الديمقراطية ويعيد إحياء النزعات القبلية والعشائرية بدرجة تقترب من النكوص إلى عصور الجاهلية الأولى.
فلم تعد الطائفية كما تمارس اليوم في عدد من الدول العربية مجرد خلاف في المذهب أو الدين ولكنها أضحت وسيلة وسببا لتعميق الخلاف السياسي وتحويله إلى صراع شعبوي لا يكتفي باختلاف زاوية الرؤية إلى مصالح المجتمع وأساليب معالجتها بل يمكن أن يتجاوزه إلى تدمير النسيج الاجتماعي، ووضع بذور حروب أهلية وتقسيمات عرقية وإفقار كامل للهوية عندما تختزل في الولاء لطائفة بعينها وهو ما بات يغري القوى الأجنبية بالتدخل لفرض إرادتها.
وربما كانت أولى المواجهات التي نشبت في المجتمع الإسلامي وبذرت بذور الطائفية التي نرى مظاهرها الآن ما وقع من انقسام بين أنصار علي وأنصار معاوية في معركتي الجمل ثم صفين انبثقت منه حركة التشيع ثم حركة الخوارج، حيث بدأت مظاهر الانشطار والفرقة بين المسلمين يصلي كل فريق منهم وراء قائده وتفرع عنه الخلاف حول مبدأ الإمامة لدى الشيعة التي اعتبرت من أهم أركان الفقه الشيعي بعد ذلك، على خلاف ما يعتقد به أهل السنة من أن الإمامة متروكة للشورى بين المسلمين.
وهكذا بدأت الطائفية في الأصل صراعا على السلطة نجم عن تعصب مذهبي سياسي ارتدى عباءة الدين وتطور إلى عصبية أدت إلى التعصب وأدت في لحظات الاحتقان والتوتر إلى رفض التعايش مع الآخرين وإنكار حقوقهم وإقصائهم بسبب الانتماء إلى مذهب ديني آخر، وقد يتخذ هذا الإقصاء شكل التهميش الاجتماعي والاقتصادي والسياسي بدرجة تؤدي إلى الاضطهاد الطائفي والإخلال بالتوازن الاجتماعي على نحو يفتح الطريق إلى التدخل الخارجي.
وبعبارة أخرى فنحن بإزاء حلقة مفرغة من صراع على السلطة تفضي إلى اختلافات مذهبية تتحول إلى دفاع عن مصالح الطائفة في الداخل والخارج على مصلحة الوطن الأكبر وتمييز طائفة من أبناء الوطن على طائفة أخرى.
ولا جدال في أن ظهور الطوائف في المجتمعات الإنسانية يعد أمرا طبيعيا، ولكن البعد الطائفي عادة ما يظهر بقوة على السطح في حالات القلق الاجتماعي والتحول السياسي وانهيار الأوضاع الأمنية الداخلية وغياب العدالة الاجتماعية وهزيمة الفكر القومي والاستقواء بدول خارجية.
وعادة ما تكون المهمة الأولى في مرحلة النهوض بالأمة وبناء الديمقراطية أكثر تركيزا على تذويب الحواجز الطائفية وبناء وحدات سياسة لا تقوم على أساس طائفي أو قبلي بل تقوم على مبادئ تكرس رؤية موحدة للمصالح القومية وبما يضمن حقوق المواطنة وتكافؤ الفرص بين أبناء الوطن الواحد وعلمنة العلاقات الاجتماعية والسياسية.
|
|
|
الطائفية تخضع لتوظيف سياسي بعيدا عن الدين والمذهب
|
ولكن لسوء الحظ جاء اندلاع الفرقة الطائفية في الوطن العربي حاليا إبان لحظة تاريخية حاسمة. تشهد إبان لحظة تاريخية حاسمة.. تشهد فيه المجتمعات العربية مرحلة متعثرة من الانتقال إلى الحداثة والتحول الاجتماعي والسياسي من مجتمعات قبلية وعشائرية إلى مجتمعات مدنية حديثة، ومن نظام يقوم على حكم الفرد والاستبداد بالسلطة إلى مشاركة الشعوب في تقرير مصيرها ومحاسبة حكامها من أنظمة أبوية ديكتاتورية إلى أنظمة سياسية ديمقراطية تقوم على الاختيار الحر في إطار مؤسسات تشريعية وبرلمانية.
وقد يقال إن انفجار العنف الطائفي في العالم العربي ما كان ليحدث بهذه الدرجة وعلى نطاق واسع إلا بسبب أمريكا التي اصطنعت لأسباب ملفقة حرب العراق ودخلت بعتادها وجنودها وأفكارها لتفرض أوضاعا جديدة على الشرق الأوسط وتعيد صياغة مجتمعاته وتطهره من بؤر الإرهاب والتخلف فأطلقت زلزالا مدمرا قلب العراق رأسا على عقب وأشعل نيران التناحر والبغضاء بين طوائفه ومذهبياته وبات يهدد جيران العراق من الدول العربية المتاخمة وفتح الطريق أمام النفوذ الإيراني السياسي والمذهبي من أوسع الأبواب.
ولكن الواقع أن العراق عاش أكثر من 80 عاما كدولة واحدة بينها أكثر من 30 عاما متصلة تحت الحكم البعثي الديكتاتوري إلا أن الانقسامات الطائفية في العراق لم تذب تماما في أي وقت من الأوقات بل بقيت كامنة تحت السطح بين السنة والشيعة والأكراد ووقعت مذابح ومآس محزنة وهذا بالضبط ما استغله المحتل الأمريكي حين أراد أن يقسم العراق فقد وجد مخططا جاهزا وتاريخا قديما وبذرة مكنونة وتقليدا متبعا فوضع منذ بداية الاحتلال نصب عينيه الأساس لتقسيم العراق إلى دويلات طائفية، ومنذ تم إقرار الدستور العراقي تحت إشراف الاحتلال الأمريكي وضعت بذرة الاعتراف بالحكم الذاتي للأكراد وبنظام الفيدرالية الذي يسمح لبعض الأقاليم العراقية أن تتمتع بأوضاع إدارية غير خاضعة للحكم المركزي في بغداد.
ولا يماري أحد في أن المحتل الأمريكي عمل على تأجيج الخلافات المذهبية وإثارة المنافسات والأحقاد بين الشيعة والسنة وإعطاء الأكراد وضعا متميزا في التركيبة العراقية، وجرى تشكيل الحكومات وتوزيع الحقائب الوزارية والمؤسسات التشريعية على أساس المحاصصة الطائفية بل وتم تشكيل القوات العراقية والأجهزة الأمنية والاستخباراتية لتكون خاضعة للنفوذ الشيعي ونتج عن ذلك أن فرق الموت التي شكلتها وزارة الداخلية العراقية بحجة مطاردة البعثيين من أنصار صدام ارتكبت مجازر بشعة ضد ألوف الأبرياء من السنة وذلك بفضل الهيمنة الشيعية الكاملة للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية برئاسة عبد العزيز الحكيم.
ومن المعروف أن الحكيم أرتبط بعلاقة وثيقة مع إيران وأمضي فيها معظم حياته في المنفى تحت حكم صدام وهو ما سمح للاستخبارات الإيرانية بأن يكون لها دور متصاعد في العراق وقد وقعت عمليات قتل منظمة ضد شخصيات عراقية من الفنانين وأساتذة الجامعات والأدباء على أساس هويتهم السنية.
ويذكر سيف الخياط في كتابة قصة الشيعة في العراق أن التحول الدراماتيكي في موقف السنة بدأ بعد أشهر قليلة من سقوط النظام فقد درج التلفزيون العراقي على إذاعة أذان الصلاة على الطريقة السنية وحدها، ولكن في بادرة مفاجئة قام مدير شبكة الإعلام العراقي بعرض أذان الشيعة الذي يدعو إلى أحقية علي في الخلافة بالتناوب مع أذان السنة فكان ذلك تأكيدا لمبدأ المحاصصة الطائفية حتى في الأذان، وذلك بدلا من إذاعة الأذان على شكل موعد فقط تجنبا لإحداث وقيعة لا مبرر لها بين الطائفتين فقد بدأ أبناء السنة يلاحظون علامات تكريس السلطة للشيعة الجديدة إيذانا بنهاية استئثارهم بالحكم مما أثار حفيظتهم وزرع البغضاء بين الطائفتين.
غير أن المشكلة الطائفية لا تأتي من الماضي وحده بل تؤججها وتحركها تلك القوى الخارجية والسياسات الداخلية التي تخدم مصالح المحافظين الجدد في الولايات المتحدة وإسرائيل ومصالح المتطرفين والمتعصبين من كل الأديان والطوائف.
ولا يملك الذين يبرئون الولايات المتحدة من استغلال الطائفية ويلقون تبعاتها على تاريخ طويل من المحن والفتن التي عاشها العرب إلا أن يتابعوا ما يحدث الآن من محاولات أمريكية للوقيعة بين إيران والعرب تحت إدعاءات ودعايات تتسم بالمبالغة والتهويل من أخطار السلاح النووي الإيراني ولا يقف الأمر عند هذا الحد، ولكن الخطط التي تطرحها الدوائر الأمريكية حاليا للخروج من المستنقع العراقي تذهب في بعضها إلى إطلاق يد الشيعة والتعاون معهم في إقرار الوضع الأمني في العراق ولو على حساب السنة وهو ما حدا بالسعودية طبقا لروايات متداولة إلى إبلاغ الإدارة الأمريكية أنها لن تضطر إلى السكوت على ذلك، وأنها سوف تعمل في هذه الحالة على تقديم الدعم المادي والمعنوي لمساندة السنة في أي حرب ضد الشيعة، ولو أحتاج الأمر إلى خفض أسعار النفط عن مستواه الحالي إلى النصف عن طريق زيادة الإنتاج بهدف الضغط على إيران لوقف دعمها للشيعة العراقيين في حربهم ضد السنة.
وتذهب هذه الروايات التي يروجها الإعلام الأمريكي في إطار الحديث عن المخاوف الشديدة التي تشعر بها السعودية في حالة إذا ما سحبت أمريكا قواتها من العراق لدرجة أن أكثر من ثلاثين من علماء المسلمين في السعودية وجهوا نداء إلى المسلمين في أنحاء العالم لنصرة إخوانهم السنة في العراق قبل أن ينفذ الشيعة مؤامرتهم مع الصليبين لبسط نفوذهم وتهميش المسلمين السنة!!
وربما كان لهذه المخاوف السعودية ما يبررها ولكنها لا تصل إلى درجة المطالبة ببقاء القوات الأمريكية في العراق، كما أن للسعودية تاريخا طويلا من التعاون والتفاهم الناجح مع إيران والأقرب لمنطق الأمور أن يسعى الطرفان لتفاهم مشترك لضمان مصالحهما وإرساء أسس نظام أمني إقليمي لمنطقة الخليج ينأى بالشرق الأوسط كله عن الصراعات الدولية والمخططات الأمريكية بدلا من البحث عن تطمينات ووعود أمريكية للوقوف في وجه الهلال الشيعي إذ لن تتورع أمريكا عن أن تضرب بها عرض الحائط إذا تناقضت مع مصالحها.
ومن هنا لم يكن غريبا أن تجد الدول المقربة من واشنطن نفسها محصورة بين بروز نفوذ إيران الإقليمي وانعكاساته في سوريا وحزب الله في لبنان وحماس وبين إسرائيل المدعومة أوربيا وسط تخبط السياسات الأمريكية وجموحها في حماية تل أبيب. وأضحت بذلك دول الاعتدال العربية هي الحلقة الأضعف وسط مخاطر التجزئة والطموحات الطائفية أو العرقية المدعومة بميليشيات وعصابات مسلحة وجيوش صغيرة وليس استنادا لنظم وحكومات شرعية.
وقد انعكس ذلك في الحالة اللبنانية، حيث التبس البعد الطائفي بالخلافات السياسية التباسا شديدا أفضى إلى انقسام سياسي رأسي بين فريقين متقابلين لكل منهما أحزابه ورموزه وطوائفه بحيث يصعب القول بأن المواجهة الحاصلة في لبنان هي بين سنة خالصة ويمثلهم السنيورة رئيس الوزراء وجماعة 14 آذار (مارس) ويتصدرهم سعد الحريري وبعض رموز السنة، وشيعة خالصة يمثلهم حزب الله بزعامة حسن نصر الله ففي الفريق الأول ينضم جنبلاط وجانب من الموارنة من أسرة الجميل وفي الفريق الثاني ينضم نبيه بري وتيار الوطني الحر بزعامة الجنرال عون وجماعة فرنجية ورموز سنية مثل كرامي وسليم الحص.
وقد تعقد الوضع في لبنان إلى درجة بات يصعب على المراقب الموضوعي أن يفرز أطرافه، ولكن أكثر الآراء موضوعية تذهب إلى أن ما يجري في لبنان ليس إشكالا مذهبيا بين سنة وشيعة ولا بين مسيحيين ومسلمين ولا بين محور إيراني سوري وأي محور آخر فتلك هي الصورة النمطية التي تريد واشنطن أن تروج لها في المنطقة؛ لأنها تخدم مصالح المحافظين الجدد في إعادة ترتيب الأوضاع وخلق ظروف جديدة تسمح بمعالجة الصراع العربي الإسرائيلي ولكنها في رأي ميشيل سماحة أستاذ العلوم السياسية ووزير الإعلام الأسبق عملية فرز حقيقية بين لبنانيين يخوضون معركة الاستقلال والسيادة في وجه إسرائيل على الأرض اللبنانية وفي وجه تدخل السفارات الأجنبية في إدارة الشأن اللبناني وبين إقطاع سياسي ومالي لزعماء يخفون إشكالاتهم السياسية وراء مذهبهم وخاصة بعد أن خرجت سوريا وانتهى تأثيرها في لبنان وعلما بأن كثيرين ممن هم اليوم في السلطة كانوا قبلها من حلفاء سوريا وصنائعها (حديث جريدة الوفد 18/12).
هناك في واقع الأمر صراع على النفوذ في المنطقة وفي القلب منها لبنان لكسر المقاومة التي تعطي الشرعية لأي نظام لدى شعبه ولذلك يجري زرع معظم الفتن بأصابع خارجية كالصراع بين السنة والشيعة لشغل المنطقة عن صراعها الرئيسي في مواجهة إسرائيل بصراعات ثانوية إذ طالما ظلت المقاومة عنيدة وصامدة كمقاومة حزب الله وحماس فسوف تعجز إسرائيل والولايات المتحدة عن تحقيق النصر السياسي الذي سعت إليه تل أبيب بالعدوان على لبنان لتجريدها من هويتها العربية والتخلص من حزب الله ثم ينزع صفة اللاجئ على ألوف اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وتوطينهم فيها لحل مشكلة اللاجئين وتطبيق نفس المبدأ بعدها على الدول التي استضافتهم منذ نكبة 1948.
ولهذا السبب يزداد التركيز يوما بعد يوم في الصحافة الغربية وفي كثير من الصحف الناطقة بلسان النظام العربي الموالي لأمريكا والمهادن لإسرائيل على تصوير ما يحدث في لبنان على أنه صراع بين أنصار سوريا وإيران الذين يعملون لحساب الدور الإقليمي الإيراني من ناحية وبين أنصار الاحتفاظ بلبنان داخل المعسكر الغربي الداعم للديمقراطية والحرية من ناحية أخرى.. الفريق الأول في هذا التصوير الساذج يسعى إلى تشييع لبنان وتسييس الدين وإنقاذ سوريا من المحكمة الدولية والإطاحة بالحقوق المدنية والديمقراطية، وأما الفريق الثاني فهو الذي يريد إنقاذ لبنان من أن تتحول إلى دولة داخل دولة تجري عسكرتها على يد ميليشيات حزب الله وتحويلها إلى قاعدة للنفوذ الإيراني في المشرق والنفوذ السوري في المنطقة العربية.
إن الوقوع في دوامة الطائفية السياسية يكاد يعمي السياسيين والمفكرين العرب عن الرؤية العقلانية المجردة من هواجس الهوى الطائفي والغلو المذهبي وتحت تأثير التضليل الإعلامي الأمريكي وضرورات البحث عن مخرج الورطة العراقية التي توشك أن تضع نهاية فادحة للنفوذ والمصالح الأمريكية، قد تهز الأرض تحت أقدام الكثير من الأنظمة العربية، وأصبح الكثير منها لا يبصر أمامه غير الخطر الشيعي والتمدد النووي الإيراني بينما يتواري من أنظارهم الخطر التوسعي الإسرائيلي والتفوق النووي الإسرائيلي المدعوم من الولايات المتحدة وما أحاقه بالعرب من كوارث وهم تحت وطأة هذا العمى الطائفي على استعداد للتفاهم والتنازل والتقارب مع إسرائيل دون أن يفكروا في الخيار الآخر الأكثر منطقية وواقعية بحكم الدين والتاريخ والدم وهو التفاهم مع الجار الإيراني والاعتراف بمصالحه والتعامل مع هواجسه الأمنية في إطار منظومة إقليمية للأمن والتعاون السياسي والاقتصادي وعلى غرار منظمة الأمن والتعاون الأوربي وإذا كانت بعض الدول العربية على استعداد للتعامل والتعاون السلمي مع إسرائيل أفلا تستطيع أن تتعامل وتتعاون مع إيران؟.
*نقلا عن مجلة وجهات نظر يناير 2007
|