English

 

السبت. يناير. 1, 2000

ثقافة وفن » حدث في العام الهجري » دول وممالك

 
   
روابط من إسلام أون لاين

الاستقلال الليبي.. رابطة إسلامية وجهود شعبية

مصطفى عاشور

عمر المختار واحد من أبزر المجاهدين
عمر المختار واحد من أبزر المجاهدين
قصة الجهاد الليبي ضد الاستعمار الإيطالي قصة مشرقة زاهية.. بما فيها من تضحيات وأشلاء ودماء الأبرياء التي زادت على النصف مليون شهيد، أدرك فيها مُواطن الصحراء أن له قضية عادلة تستوجب الجهاد، وأن عشق الحرية والكرامة أقرب إلى نفسه من حب الحياة؛ ومن ثم خرج بما يملك من سلاح بسيط، وتدريب متواضع لمواجهة إيطاليا القوة الغاشمة والآلة العسكرية الجبارة لفترة زادت على الثلاثين عامًا..

طالع في هذا الملف:

 

رداء الدين وسلام المقابر

الإيطاليون يسوقون أسرى ليبيين

حاول الاستعمار الإيطالي خلال فترة زادت على الثلاثين عامًا أن يصبغ نفسه صبغة دينية.. فقد بارك قساوستهم أساطيل الحملة المتوجهة لاحتلال ليبيا عند خروجها، ودقت النواقيس وأقيمت الصلوات، ووزع رجال الكنيسة الصلبان على جميع جنود الحملة. وأفرط الطليان عند كل مناسبة في الاحتفال بكل نصر في كنائسهم، ثم لم يقنع الإيطاليون بالاحتفال بالنصر في بلادهم؛ بل أقاموا هذه الاحتفالات الدينية في طرابلس ذاتها، يقدمون الشكر للرب الذي مكنهم من انتزاع (الهلال) وإعلاء (الصليب) مكانه؛ فأثار كل ذلك المجاهدين.

وحاول الاستعمار الإيطالي أيضا أن يقنع جنوده بأنهم أصحاب رسالة سامية، وجاءوا لتخليص وتحرير الشعوب.. يقول الجنرال الإيطالي وسفاح ليبيا "رودلفو جراتزياني" في كتابه "نحو فزان": "إن الجنود الإيطاليين كانوا مقتنعين بأنهم هم الأمة المسيطرة التي تقوم بتأدية رسالة سامية من رسالات الحضارة.. وأنهم لم يأتوا للاستغلال، ولكن لتحسين حالة البلاد، وأن الإيطاليين لا بد أن يقوموا بهذا الواجب الإنساني بأي ثمن... فيجب إخضاع الشعب الليبي طواعية للاستعمار الإيطالي ولعادات وقوانين إيطاليا، وإذا لم يقتنع الليبيون بذلك فإن الإيطاليين سيخوضون صراعًا مستمرًا معهم، ويستطيعون تدمير الشعب الليبي كله للوصول إلى السلام.. ولكنه سلام المقابر!!".

 

أطماع إيطالية.. ومراوغة أوروبية

جنود المشاة الإيطاليون يستعدون لنزول الساحل الليبي

لم تكن أطماع إيطاليا الاستعمارية في احتلال ليبيا خافية؛ بل إنها أخذت تمهد للاستيلاء عليها من خلال تصفية المشكلات العالقة بينها وبين الدول الاستعمارية؛ ففي (رمضان 1319هـ = ديسمبر 1901م) عينت إيطاليا وفرنسا مناطق نفوذهما في شمال إفريقيا، واحتفظت إيطاليا لنفسها بمقتضى هذا الاتفاق بمنطقة برقة وطرابلس، وفي (شوال 1327هـ = أكتوبر 1909م) تم الاتفاق بين روسيا وإيطاليا في معاهدة "راكونيجي Racconigi" على مساندة روسيا للادعاءات الإيطالية في شمال إفريقيا مقابل مساندة إيطاليا للادعاءات الروسية في منطقة المضايق التركية، وبعد هذا التمهيد الدبلوماسي قررت الحكومة الإيطالية احتلال طرابلس الغربية وبرقة عسكريًّا.

وإمعانًا في السخرية الإيطالية من تركيا طلبت روما من تركيا أن تأمر موظفيها بعدم مقاومة الاحتلال الإيطالي، وأمهلتها (24) ساعة لإجابة الطلب وإلا ستكون الحرب، كان هذا الإنذار في (4 شوال 1329هـ - 27 ديسمبر 1911م)، وحاولت تركيا إدخال وساطة الدول الأوروبية في القضية إلا أن هذه الدول أعلنت أنها على الحياد!!

كان أهل طرابلس يدركون الأطماع الإيطالية في برقة وطرابلس؛ لذلك سعوا إلى تنظيم صفوفهم وتشكيل نواة للمقاومة قبل أن يدهمهم الاحتلال الإيطالي، وطالبت بعض الزعامات الطرابلسية الدولة العثمانية بضرورة تجنيد الطرابلسيين، واستبقاء السلاح بأيديهم حتى يكون لدى البلاد قوة تستطيع بها الدفاع عن نفسها.

وعندما رأت إيطاليا أن المقاومة أدركت مبكرا نواياها الحقيقة بادرت بقصف ميناء طرابلس في (شوال 1329هـ = أكتوبر 1911م) دون سابق إنذار للأهالي، فكان من أثر هذا الاعتداء الصارخ أن زادت حدة المقاومة وتصميمها على الدفاع والجهاد؛ فانتشرت الاستعدادات في كل مكان، وأرسلت الدعوات إلى القبائل لحثها على الجهاد، فاحتشدت أعداد غفيرة من المجاهدين عند الساحل للجهاد، وحاول الإيطاليون النزول إلى الميناء؛ غير أن صلابة المقاومة حالت دون ذلك، وظل الإيطاليون يقاتلون أربعة أيام متواصلة حتى استطاعوا أن يضعوا أقدامهم على ساحل طرابلس.

كانت الحملة الإيطالية تتألف من (340) ألف مقاتل، و(6300) حصان، و(48) مدفع ميدان، وكان طريق البحر مفتوحًا بين إيطاليا وقواتها للمؤن والذخائر وتعويض الخسائر، أما الحامية العثمانية في طرابلس فكانت تقدر بخمسة آلاف جندي وألفين في برقة يعانون نقص السلاح والعتاد، وكان عدد سكان ليبيا يقدر في تلك الفترة بحوالي مليون ونصف مليون شخص.

 

مقاومة شعبية لا جيوش نظامية

جراتزياني

كانت الدولة العثمانية تدرك أنها عاجزة عسكريًّا عن محاربة إيطاليا، كما كانت القوات العثمانية في طرابلس وبرقة في حالة تردد شديد من إمكانية الدفاع عن البلاد، وكانت الحكومة قد استدعت حاكم طرابلس قبيل الاعتداء الإيطالي على ليبيا، وأصدرت الوزارة العثمانية أوامرها إلى نشأت بك -نائب والي طرابلس- بإخلاء طرابلس، والمقاومة من الخارج ثم الانسحاب إلى سهول غريان في الجنوب، فخرج نشأت بك والحكومة الطرابلسية قاصدين سهول غريان، وكانوا ينتظرون الأوامر من الباب العالي بالتسليم للإيطاليين، ولم يغير هذا التردد إلا موقف الزعماء الطرابلسيين وتهديدهم للجنود العثمانيين المنسحبين بأنهم سيقاتلونهم إذا انسحبوا، واستقرت هذه الزعامات على الجهاد، وتقاطَرَ المجاهدون من أقصى الجنوب إلى طرابلس، كما تدفق المجاهدون إلى برقة، وكان هؤلاء سببًا هامًّا في صمود العثمانيين بعدما انسحبوا تاركين خلفهم المدافع الثقيلة غنيمة سهلة للإيطاليين.

بدأت روح جديدة تسري في الأراضي الليبية وهي روح الجهاد ومقاومة الغزاة، وتوافد المجاهدون على الحاميات العثمانية الأمامية، وكان أهمها حامية "عين زارة" التي حاول الإيطاليون انتزاعها من المجاهدين، ووجهوا لها أكثر من خمسة وعشرين ألف جندي للزحف عليها لمقاتلة (700) جندي تركي نظامي و(1500) من المجاهدين، ولم يدخلها الإيطاليون إلا بعد انسحاب المجاهدين منها، وأبقى الإيطاليون فيها حامية قدرت بـ (12) ألف جندي، ورغم هذا الجند الكثيف، فقد كان الرعب مستوليًا على قلوب الإيطاليين، حتى إنهم صنعوا دمى خشبية وسلحوها بالبنادق ووضعوها في خنادقهم.

يقول "جراتزياني": "وفي أول يناير 1916 كان احتلالنا لطرابلس الغرب مقصورًا على قاعدتي طرابلس الغرب والحمس، وفي هذه الأماكن تكدست قواتنا في حلقة الأسلاك الشائكة الضيقة".

 

الجيوش النظامية تنسحب من الميدان!!

أحد الجنود العثمانيين بلييبا

وقع على السنوسيين عبء الدفاع عن الأراضي الليبية منذ مجيء الإيطاليين في قصة مجيدة من الجهاد كتبت أغلب فصولها بدماء السنوسيين الذين احتشدوا في كل ميدان خاصة في برقة، فبعد أن احتل الإيطاليون بعض المناطق الساحلية فضلوا الاحتماء بالخنادق وخلف السواتر خوفًا من هجمات المجاهدين الذين كانوا يحصلون من الإيطاليين أنفسهم على المؤن والذخائر بعد الغارات عليهم، لذلك كان مدار السياسة الإيطالية في ليبيا هو القضاء على السنوسية؛ لأنهم أدركوا تعذر استقرارهم في تلك البلاد ما دامت السنوسية تجاهد من منطلق إسلامي.

وقد قام زعيم السنوسيين في الكفرة السيد الشريف "أحمد السنوسي" بتناسي خلافاته مع الدول العثمانية، وأعلن الجهاد على الإيطاليين، وأرسل نداء إلى القبائل ومشايخ الزوايا السنوسية يحضهم على الجهاد، وطلب منهم خروج كل عربي مسلم ما بين الرابعة عشرة والخامسة والستين للجهاد إعلاء لكلمة الله، وأعلن السنوسي أنه سيخرج قبلهم لقتال الإيطاليين هو وكبار رجال السنوسية.

ووجد نداء "السنوسي" آذانًا وقلوبًا صاغية فتوافد المجاهدون حتى وصل عددهم في (المحرم 1331هـ = ديسمبر 1912م) إلى حوالي تسعة عشر ألف مقاتل في معسكر درنة، كما حث السنوسي أبطال السنوسية المتمرسين على القتال لنجدة العثمانيين، وكان مجيء المجاهدين السنوسيين مطمئنًا لأهل طرابلس، وانحازت السنوسية بكامل قوتها وقواتها إلى جانب طرابلس وبرقة.

وعندما وجدت إيطاليا أنها تحارب نوعية مختلفة من المقاتلين تحب الموت كما يحب جنودها الحياة، طالبت الدول الأوروبية بأن تضغط على الدولة العثمانية لوقف القتال وإلا ضربت سواحل الدولة العثمانية، فتدخلت فرنسا وروسيا وألمانيا والنمسا لعقد صلح بين الطرفين، فعقد معاهدة "أوشي" قرب لوزان بسويسرا في (22 شوال 1330هـ = 3 أكتوبر 1912م) وكان الثمن المدفوع لإيطاليا هو اعتراف تركيا الرسمي لها بضم طرابلس الغرب إليها.

وعندما علم المجاهدون السنوسيون بهذا الصلح من القيادات التي أدمنت التنازل مع أقل ضغوط، أرسل الشريف "السنوسي" إلى القائد التركي "أنور بك" خطابًا يقول له: "نحن والصلح على طرفي نقيض، ولا نقبل صلحًا بوجه من الوجوه إذا كان الثمن هو تسليم البلاد للعدو".

وقرر السنوسيون مواصلة الجهاد، ورفضوا الصلح إلا على أساس واحد وهو جلاء الإيطاليين، ولم تؤثر رغبة المجاهدين على الدولة العثمانية التي انسحبت من الميدان تاركة ليبيا فريسة لإيطاليا، ولم يكتف العثمانيون بذلك بل طالبوا المجاهدين بوضع السلاح والتسليم والكف عن المقاومة، ثم اكتملت المؤامرة بعد ذلك بتوسيط خديو مصر عباس حلمي الثاني بضرورة إقناع السنوسيين بضرورة الإخلاد إلى السكينة والدعة، وأرسل الخديوي سفارة إلى السنوسيين بذلك، لكن الشريف السنوسي أصر على الجهاد حتى جلاء الإيطاليين، وأحاطت الصعوبات بالمجاهدين من كل ناحية بعد قطع المعونات عنهم من مصر وتونس، إلا ما تمكن المخلصون من تهريبه إلى السنوسيين.

 

الرابطة الإسلامية.. وقود الشعوب العربية

الأمير عمر طوسون

أحدث الاعتداء الإيطالي على ليبيا دويًّا عظيمًا تردد صداه في أنحاء الإمبراطورية العثمانية والعالم الإسلامي، وكان للرأي العام الإسلامي ثورة عارمة، وجهد بارز في دعم الجهاد ضد إيطاليا، وأبرق إمام اليمن "يحيى حميد الدين" إلى الدولة العثمانية عن استعداده للقيام بمائة ألف جندي تحت قيادته بين محارب ومتطوع للدفاع عن الدولة العثمانية، وأبرق أمير مقاطعة نجد الأمير "عبد العزيز بن سعود" إلى العثمانيين أن جميع القبائل التي تحت إمرته مستعدة للزحف في ظلال الأعلام العثمانية.

وتوافد المتطوعون من الأقطار الإسلامية للجهاد حتى بلغوا بعد عام من الاحتلال الإيطالي لليبيا نحو (12) ألف مقاتل متطوع، وتألفت لجان الإغاثة لمساعدة المنكوبين، وأرسلت البعثات الطبية إلى ميادين القتال في طرابلس وبرقة، وكان المصريون أسبق الشعوب التي بذلت المعونة للمجاهدين في ليبيا فتشكلت اللجان لجمع التبرعات، وكان من أهمها اللجنة العليا التي تأسست بعد وقوع العدوان الإيطالي بأيام قلائل برئاسة الأمير عمر طوسون، كما تألفت جمعية الهلال الأحمر برئاسة الشيخ علي يوسف، وقررت إنشاء عدة مستشفيات ميدانية، وسافرت أولى بعثاتها إلى ليبيا في (15 من ذي القعدة 1329هـ = 7 نوفمبر 1911م).

وكان أهم الأسباب التي دعت آلاف المتطوعين للجهاد في ليبيا هو قوة الرابطة الإسلامية التي دفعت الشعوب الإسلامية إلى التكاتف والتساند في وجه العدو المستعمر، كما كان المسلمون في تلك الفترة متحفزين لنصرة دولة الخلافة؛ لذلك أقبلوا على الجهاد من أجل المحافظة على كيانها لأنهم شعروا أن سقوطها يعني ضياع الكلمة وضعف القوة، إضافة إلى أن شبح الاستعمار كان يزعج المسلمين ويشفقون من وقوع أي قطر إسلامي تحت أنيابه المتعطشة للدماء واستنزاف الثروات، كما أن الإيطاليين ارتكبوا فظائع ضد الليبيين لإرغامهم على ترك المقاومة، كان سببًا هامًّا في إصرار الليبيين على الجهاد حتى النهاية.

وقد تطوع عدد من الضباط العثمانيين للقتال في صفوف المجاهدين في ليبيا على رأسهم عزيز المصري الذي سافر متنكرًا إلى طرابلس الغرب، وعين قائدًا لمنطقة بني غازي وحذا حذوه كثير من الضباط الطرابلسيين والسوريين والعراقيين.

واستمرت حركة الجهاد الليبي بقوة رغم ضعف الإمكانات وتضاؤل المساعدات، وكان لبعض الزعامات المصرية مثل الدكتور "عبد الرحمن عزام" في تقوية أزر المجاهدين حتى انتهت الحرب العالمية الثانية، وسيطر الحلفاء على ليبيا بعد هزيمة إيطاليا في هذه الحرب، وسيطر الإنجليز على برقة وطرابلس، وسيطرت فرنسا على منطقة "فزان"، وأقامت الولايات المتحدة بعض القواعد العسكرية.. وبعد جهاد سياسي طويل، وصراعات بين الدول الكبرى أعلنت الأمم المتحدة استقلال ليبيا في (10 من ربيع الآخر 1367هـ= 21 من فبراير 1948م).

وتؤكد التجربة الليبية أن إرادة الشعوب أقوى من قهر القوة وبطش الدولة، إذا توافر لهذه الإرادة الوعي الكامل والتضحية الباسلة، فدفاع هذه الشعوب عن نفسها وأرضها وعرضها يصبح القضية العادلة التي يهون في سبيلها كل شيء.

هوامش ومصادر:

  • محمد فؤاد شكري - السنوسية دين ودولة - دار الفكر العربي - القاهرة - الطبعة الأولى - 1948.
  • رودولفو جراتزياني - نحو فزان - ترجمة طه فوزي - دار الفرحاني - القاهرة - الطبعة الثانية 1994.
  • سمعان بطرس فرج الله - العلاقات السياسية الدولية في القرن العشرين - مكتبة الأنجلو - القاهرة - الطبعة الثانية 1980.
  • محمود شاكر - التاريخ الإسلامي "بلاد المغرب" - المكتب الإسلامي - دمشق - الطبعة الثانية 1996.

مدير تحرير نطاق "ثقافة وفن" في شبكة إسلام أون لاين.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم