English

 

الثلاثاء. ديسمبر. 5, 2006

ثقافة وفن » تراث وحضارة

 

في الملتقى القومي للمأثورات الشعبية

المأثورات الشعبية تعويذة حفظ الهوية

لمياء يس

Image
جانب من جلسات الملتقى
فيمحاولة لوقفة اتحاد وقوة من قبل العرب في وجه المحاولات الحثيثة لطمس الهوية العربية، أقيم في القاهرة الملتقى القومي للمأثورات الشعبية في دورته الثالثة تحت رعاية وتنظيم وزارة الثقافة المصرية، وقد استمر الملتقى لأربعة أيام خلَوْن من نوفمبر المنصرم 2006، بين جنبات المجلس الأعلى للثقافة بدار الأوبرا المصرية.

استهل الملتقى فعالياته بافتتاح معرض الفنون التشكيلية بمتحف مختار، وقد زخر المعرض بلوحات لعدة تشكيليين استلهمت التراث الشعبي، في مُزاوجة بين وحداته وألوانه ورموزه وبين الرؤى والأساليب والتقنيات المعاصرة.

لقد أهملنا تراثنا!

وقد أشار الدكتور "أحمد علي مرسي"، مقرر الملتقى -في كلمته الافتتاحية- إلى أننا أهملنا مأثوراتنا الشعبية إهمالا لا يتناسب وضرورتها وأهميتها لوجودنا المهدَد، كما أشار إلى إقرار اليونسكو لاتفاقية "حماية وتعزيز تنوع أشكال التعبير الثقافي"، وفي ختام كلمته شدد د.مرسي على ضرورة العمل الجاد من أجل الحفاظ على مأثوراتنا الشعبية.

وقد شكّـل الحضورُ مزيجا من الأساتذة والباحثين والمهتمين بالمأثورات الشعبية، مثلوا أغلب الأقطار العربية، من الخليج العربي شرقا، وحتى المغرب العربي، وحّدوا جهودهم جميعا للتوعية بأهمية المأثورات الشعبية، والتأكيد على كونها مُكوّنا أساسيا لثقافة وحضارة الشعوب. كما أنها سلاح الصمود -إذا ما تمت صيانتها- في وجه التيارات العنيفة التي تحاول مزج كافة شعوب وحضارات الكرة الأرضية تحت لواء واحد، طامسة كل معالم الخصوصية لأي شعب أو حضارة.

ويمكن القول إن الأبحاث والأطروحات التي قُدمت ونوقشت بالملتقى تدور في مجملها حول عدة محاور:

المأثورات الشعبية والعولمة:

ناقش الملتقى مظاهر انحسار المأثورات الشعبية في شتى بقاع الوطن العربي بفعل تيارات العولمة الكاسحة، وما يتطلبه ذلك من جهود مُوحدة وسريعة ومنظمة في الحفاظ على هذه المأثورات التي تشكل الهوية الثقافية للشعوب العربية، ومن ذلك إقامة الجمعيات والدور التي تأخذ على عاتقها مهمة حفظ هذا الموروث الشعبي، سواء المادي منه كالملابس، والأطعمة، والفنون، والصناعات الحرفية، وغير المادي كالقصص، والأمثال، والعادات، والتقاليد الخاصة بكل شعب أو مجتمع عربي

المأثورات الشعبية وحوار الثقافات:

وفيما عزا بعضُ الباحثين -كما رأينا- احتضارَ تراثنا وهويتنا بفعل اكتساح العولمة، فقد أبدى البعضُ الآخر -على العكس- تفاؤله بالعولمة فيما يتعلق بقضية المأثورات الشعبية، وعلى رأسهم الدكتور "عبد الحميد حوّاس"، إذ رأى أن العولمة ليست وبالا تاما على المأثورات الشعبية، فهي وإن لم تكن تحفل بتلك المأثورات باعتبارها هوية كل مجتمع إلا أنها تدعم دراسة تلك المأثورات من جهة أخرى بهدف علميّ في المقام الأول، وها هنا يكمن دورنا في الانتفاع بهذه الدراسات في المأثورات الشعبية، وتسخيرها لتصبح أداة حوار ثقافي تقف في وجه الغزو الثقافي.

وذهبت الدكتورة "زينب صبرة" مذهب التفاؤل بالعولمة كذلك، إذ ترى أنها باتت ظاهرة تتطلب التعامل معها بصفتها أمرا واقعا، فهي –أي العولمة- عملية تاريخية غير قابلة للارتداد، وإنما يجب علينا التفاعل الخلاق مع التغييرات التي أحدثتها العولمة في حياتنا، بما يكفل خدمة مأثوراتنا الشعبية والحفاظ عليها، مستعينين بما توفره العولمة من تقدم علمي وتكنولوجي

المأثورات الشعبية والتنمية:

ويرى فريق من الباحثين أن المأثورات الشعبية أداة فعالة في التنمية الشاملة، فعلى الصعيد الاقتصادي مثلا: تُعد بعض المناسبات الشعبية ­-وما يرتبط بها من أطعمة وحرف وملابس شعبية- رافدا كبيرا من روافد اقتصاد البلاد، فهي إلى جانب الاستهلاك المحلي عنصر جذب قوي للسياحة، وهي بلا شك من أكبر مصادر الدخل بالبلاد.

التجربة الخليجية

عبد الحميد حواس-المأثورات أداة حوار الثقافات

وعلى صعيد آخر فقد كان هناك عرض من بعض الدول العربية التي قطعت شوطا في مجال جمع وحفظ التراث الشعبي، منها تجربة "مركز التراث الشعبي لدول الخليج العربية" الذي أقيم بدوحة قطر، وقد تحدث عنها الباحث البحريني "علي عبد الله خليفة" ممثل الباحثين العرب بالملتقى، وقد شهد وخاض تجربة هذا المركز بنفسه. فقال: إن عمليات البحث والجمع الميداني للتراث الخليجي قد بدأت في الثلاثينيات والأربعينيات من القرن الماضي، أما "مركز التراث الشعبي لدول الخليج العربية" فقد أنشئ في قطر عام 1981م، وكان سير العمل على ما يرام في بادئ الأمر، إلا أنه أصبح يتأثر بتقلب الظروف السياسية للمنطقة، والتي أثرت بدورها على تمويل هذا المركز، حتى تم إغلاقه وتصفيته نهائيا عام 2005.

غير أن هذا لا ينفي وجود بعض التجارب التي استمرت بنجاح في حقل الحفاظ على المأثوراث الشعبية، وذلك كما في "بيت الموروث الشعبي اليمني" على سبيل المثال، والذي تأسس عام 2004 بتصريح من وزارة الثقافة اليمنية، وهو كيان غير حكومي وغير ربحي، يعنى بجمع وتدوين وتوثيق الموروث الشعبي اليمني الروحي، وإجراء التحليلات والدراسات بالطرق المنهجية العلمية.

ويضم الجزء المتحفي من "بيت الموروث الشعبي اليمني" العديد من المقتنيات، منها قسم للمطبخ الشعبي، وبه العديد من أنماط المطابخ (الأصعاد)، والمواقد (التناوير) المتداولة في بعض مناطق اليمن، وكذلك بعض الحبوب التي تزرع في اليمن وتدخل في إعداد المأكولات المحلية.

ومن أقسام المتحف: ركن الأزياء الشعبية للرجال والنساء والأطفال، والحلي والأعشاب والأصباغ المستخدمة في زينة المرأة اليمنية، والمستخدمة أحيانا في الطب الشعبي، أو طرد الجان والأرواح الشريرة! وهناك قسم للصور المكبرة والملصقات التي تصور أو تشرح الحياة الشعبية اليومية للإنسان اليمني.

توصيات

هذا، وقد اتفق المشاركون في الملتقى على التوصيات التالية:

  • الدعوة إلى ضرورة انعقاد الملتقى القومي للمأثورات الشعبية بصفة دورية (كل عامين)، على أن تتبادل الدول العربية استضافة فعاليات الملتقى.

  • إنشاء أمانة دائمة للملتقى القومي للمأثورات الشعبية في مصر، والعمل على إعداد قاعدة بيانات بأسماء الخبراء والباحثين والمهتمين العرب بالمأثورات الشعبية، وإصدارها في مطبوعات، وتوزيعها على نطاق واسع في الوطن العربي.

  • استثمار إمكانيات المأثورات الشعبية العربية في ديارها المحلية في وضع خطط إستراتيجية تنموية، تضع في اعتبارها التنوع الثقافي والثراء الفني لهذه المأثورات.

  • دعوة الدول العربية للحرص على توقيع اتفاقية اليونسكو لعام 2003، لتسجيل وحماية التراث الثقافي غير المادي، والاتفاقيات الدولية الأخرى ذات الصلة.

  • الدعوة إلى تكوين هيئة من خبراء المأثورات الشعبية والقانونيين العرب، تكون مهمتها متابعة تنفيذ القرارات والاتفاقيات الدولية في مجال حماية الملكية الفكرية.

  • الدعوة إلى إنشاء معاهد علمية، ومراكز بحثية إقليمية، تعنى بإعداد الكوادر المُدرَّبة على جمع وتوثيق وحفظ ونشر المأثورات الشعبية العربية وفق آلية ونظام موحَد.

  • ضرورة تغذية الحرف والصناعات الفنية، وتوجيه اهتمام الجهات المعنية في الدول العربية لتطوير الصناعات والحرف اليدوية الموروثة ضمن الأنشطة التنموية في مجال المأثورات الشعبية، وإقامة المسابقات بين الطلاب لتشجيعهم على الإقبال عليها، وتقسيم الأسواق لعرض منتجاتها.

  • حث الباحثين والمهتمين بجمع المأثورات الشعبية ودراستها في الوطن العربي على تخصيص جمعيات أهلية أو وطنية في كل بلد عربي، تمهيدا لتأسيس رابطة الجمعيات العربية للمأثورات الشعبية، والتنسيق بين هذه الجمعيات والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية المعنية بهذا المجال.

  • حث المراكز والمعاهد العلمية والجمعيات الأهلية المهتمة بالمأثورات الشعبية في كافة البلدان العربية على مواكبة التطور العلمي، باستخدام التقنيات العلمية الحديثة في توثيق مواد المأثورات الشعبية، لاستثمار البعد الحضاري في فضائها، من خلال إطلاق البوابة الإلكترونية باللغتين العربية والإنجليزية.

  • توثيق التجربة المتمثلة في إنشاء أطلس الفولكلور المصري، والعمل على نقل تلك الخبرة إلى بلدان عربية أخرى، سعيا إلى إنشاء أطلس عربي تراثي.

  • السعي لدى جامعة الدول العربية ومنظمة اليونسكو لإنشاء مؤسسة ثقافية عربية، تكون مهمتها إنتاج الإصدارات المكتوبة والمسموعة والمرئية في مجال المأثورات الشعبية العربية.

  • العمل على إنشاء مركز للمأثورات الشعبية العربية.

  • العمل على جمع وتسجيل مواد المأثورات الشعبية العربية وتوثيقها بالوسائل الحديثة، في سبيل تقديمها للباحثين والدارسين والمهتمين بها.


كاتبة مصرية.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

« 

ابحث

«

بحث متقدم